الثلاثاء، 20 يناير 2015

مقال : معالم الوسطية في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
معالم الوسطية في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،أما بعد : 

     اعلموا رحمكم الله أن الوسطية من المصطلحات الشرعية التي ذكرها الله في القرآن، وامتازت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم، ولكنّ هذا المصطلح استعمل استعمالا غير شرعي، مما أدى لتحريف معناه، وصرفه عما وضع له، وهذا مذموم شرعا لأن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها. 

واللفظ إذا ورد في الشرع يفسر بحقيقته الشرعية ما لم تصاحبه  قرينة تصرفه إلى المعنى اللغوي أو العرفي، فالوسطية مأخوذة من قوله تعالى : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا "  

 وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، فروى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ، وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ " 

قال الشوكاني في فتح القدير : وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرُ الْوَسَطِ هُنَا بِالْعَدْلِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى ذَلِكَ " 

وقال ابن كثير  : " والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر " 

ومما يدل على أن معنى قوله تعالى " أمة وسطا "  الخيار العدول قول الله تبارك وتعالى : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " فوجب أن تفسر الوسطية ضمن هذه المعاني الشرعية . 

وحقيقة الوسطية في الشرع أنها عدل ووسط بين متناقضين، بين الإفراط والتشدد، وبين التفريط والتساهل، قال عمر بن عبد العزيز : وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم "

 وقال الحسن البصري : سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما : بين الغالي والجافي "

وقال ابن القيم : " وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزَعَتَانِ، إِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ، وَإِمَّا إِلَى مُجَاوَزَةٍ، وَهِيَ الْإِفْرَاطُ، وَلَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفَرَ: زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ.

وقال أيضا :" وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد" 

ولا يحكم على الشيء في الشرع بأنه وسط إلا بأمرين : 

الأول : أن تدل أدلة الشرع على مشروعيته جملة أو تفصيلا ، فإن كان مخالفا للشرع فليس من الوسطية ولو رآه الناس وسطا . 

ثانيا: أن يكون في تطبيقه تحقيقا لمصالح الأمة ودفعا للمفاسد عنها قال ابن القيم: " فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ.
فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْلِ وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيْ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَأَعْدَلُ أَنْ يَخُصَّ طُرُقَ الْعَدْلِ وَأَمَارَاتِهِ وَأَعْلَامَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يَنْفِي مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْهَا وَأَقْوَى دَلَالَةً، وَأَبْيَنُ أَمَارَةً " ا.هـ
ولا يحكم بذلك إلا أهل العلم 

فما هي معالم الوسطية في هذا  الدين وفي هذه الأمة  ؟ 
للوسطية معلم إجمالي، ومعالم تفصيلية تتفرع من هذا المعلم الإجمالي .
أولا : المعلم الإجمالي 
هو أن جميع شرائع الدين مبنية على الوسطية والاعتدال، بعيدة عن الغلو والتعقيد ، قال ابن كثير : " ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح  المذاهب كما قال تعالى : " هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " 

ثانيا : معالم الوسطية في الإسلام من جهة التفصيل .

أولا : هذه الأمة وسط بين الأمم السابقة جميعها ، وقد أشار الله إلى ذلك في عدد من سور القرآن ومنها سورة الفاتحة ، قال تعالى : " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ " فقسم الله الناس إلى ثلاث طوائف : المنعم عليهم ، والمغضوب عليهم وهم اليهود، والضالون وهم النصارى . 
فاليهود الضالون عندهم إفراط من جهة علمهم وعدم عملهم ، كما قال تعالى " مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا "  ولبسوا الحق بالباطل عمدا وعدوانا فحذرهم الله بقوله "وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " 
والنصارى الضالون عملوا بجهل قال تعالى : " وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ " 
وأما المنعم عليهم فهم وسط بين أهل الإفراط والتفريط فعلموا وعملوا، بوب البخاري في صحيحه فقال: باب العلم قبل القول والعمل ثم استدل بقوله تعالى : " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ " 

ثانيا : وسطية هذه الأمة في أحكامها وتشريعاتها، فأحكامها بنيت على العدل والرحمة، فكل حكم ثابت في الشرع فهو دليل على وسطية هذه الشريعة، سواء علمنا الحكمة منه أو لم نعلم، قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " 
فأحكامها بنيت على اليسر والرحمة قال تعالى : " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ "  وقال سبحانه : " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ" 
وجاءت التكليفات خالية من المشقة الخارجة عن المعتاد قال تعالى : " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا " 
ومن قواعد الشرع الكلية أن المشقة تجلب التيسير، ومتى ضاق الأمر اتسع . 
ومن الأمثلة : الصلاة : شرع الله لها الطهارة بالماء، فإن عدم أو عجز عن استخدامه نقله إلى التيمم قال تعالى : "وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ " 
من فرائض الصلاة القيام فإن عجز عنه انتقل إلى غيره قال : " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"
وشرع القصر في السفر ، وشرع الجمع في السفر وعند الحاجة ، رفعا للحرج عن هذه الأمة.

ومن الأمثلة كذلك الصيام : قال تعالى : " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ "  ، ووضع عن الحامل والمرضع الصيام .

ومن الأمثلة كذلك على وسطية الإسلام في مجال التشريع عبادة الحج إذ ربطها بالاستطاعة والقدرة البدنية والمالية، قال تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " .

ثالثا : وسطية هذه الأمة في نهيها عن الغلو والتشدد وأمرها بالاعتدال والقصد، قال تعالى ناهيا عن الغلو في الدين : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ " ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الهغ عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: "الْقُطْ لِي حَصًى" فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ: "أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا" ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ" 
بل حث الدين على التيسير فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا "  ، و عن أَبي هريرةَ - رضي الله عنه - ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: (( إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّيْنُ إلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا..." 

رابعا : وسطية هذا الدين حتى في تعامله مع العدو، ولها مظاهر منها : 
الأول : حث الإسلام على دعوتهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن ، قال تعالى : " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " 
الثاني : حث الإسلام على بر الوالدين إن كانا كافرين فقال تعالى : " وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا " 
الثالث: حث الإسلام على حسن التعامل مع غير المسلمين حال كونهم مسالمين قال تعالى : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " 
الرابع: حرم الاعتداء على المعاهدين والمستأمنين منهم وهم في بلاد الإسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» ، وقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» 
الخامس : في حال الحرب معهم، فإن حربنا مع عدونا تقوم على الأخلاق والمبادئ السامية، فأمرنا الإسلام بعدم نقض العهود معهم، وعند إرادة حربهم أن نعلمهم بإنهاء العهد قال تعالى : " وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ " 
وكَانَ رَسُولُ الله صَلى الله عَليهِ وسَلم إِذَا أَمَّرَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى الله, وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا, وَقَالَ: اغْزُوا بِسْمِ الله، وَفِي سَبِيلِ الله, قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ, اغْزُوا وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا. 

خامسا : كما أن دين الإسلام دين الوسطية بين الأمم السابقة، فكذلك أهل السنة وسط بين أرباب الفرق المخالفة في الشريعة ، قال ابن تيمية : " أهل السنة الذين هم وسط في الإسلام كما أن الإسلام وسط في الملل "  وقال : "  أهل السنة والجماعة .. هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم" 

هذه بعض جوانب الوسطية التي تميز بها ديننا الإسلامي، لا تكاد تجدها في أي فكر موجود، أو اتجاه مولود، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم




الخميس، 15 يناير 2015

التراحم - المنجيات المهلكات

الخطبة الأولى : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الإِسْلاَمَ دِينُ تَكَافُلٍ وَتَلاَحُمٍ، وَتَعَاطُفٍ وَتَرَاحُمٍ، دَعَا إِلَى الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَجَعَلَ التَّرَاحُمَ مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. أَيْ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ يَرْحَمُونَ الْيَتِيمَ وَالْمِسْكِينَ وَالْخَلْقَ أَجْمَعِينَ، سَيَكُونُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ﴾. فَالرَّاحِمُونَ مَوْعُودُونَ بِنَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ سبحانه وتعالى وَرُضَوَانِهِ، وَعَفْوِهِ وَغُفْرَانِهِ، يَقُولُ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ».

وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ لاَ يَرْحَمُونَ النَّاسَ بِحِرْمَانِهِمْ مِنْ رَحْمَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ». وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ».

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ التَّرَاحُمَ بَيْنَ الْخَلْقِ فِطْرَةٌ رَبَانِيَّةٌ، تَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَى الإِحْسَانِ لِلآخَرِينَ، وَالتَّلَطُّفِ مَعَهُمْ، وَالتَّرَفُّقِ بِهِمْ، وَالتَّأَلُّمِ لِمُصَابِهِمْ، وَالسَّعْيِ فِي رَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُمْ، فَالتَّرَاحُمُ دَلِيلٌ عَلَى رِقَّةِ الْقَلْبِ، وَسُمُوِّ النَّفْسِ، وَلَهُ ثَمَرَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي الْعَاجِلِ وَالآجِلِ، يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ». فَلْنَحْرِصْ عَلَى التَّرَاحُمِ فِي أُمُورِنَا كُلِّهَا.

أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: إِنَّ مَجَالاَتِ التَّرَاحُمِ وَاسِعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْوَالِدَيْنِ، وَذَلِكَ بِطَاعَتِهِمَا بِالْمَعْرُوفِ، وَالْبِرِّ بِهِمَا، وَالدُّعَاءِ لَهُمَا، كَمَا أَوْصَانَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُرْآنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾

وَمِنَ التَّرَاحُمِ: الرَّحْمَةُ بِالأَبْنَاءِ وَالصِّغَارِ، وَذَلِكَ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَحُسْنِ تَرْبِيَتِهِمْ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا». وَإِنَّ صِلَةَ الْقَرَابَةِ وَالأَرْحَامِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ التَّرَاحُمِ بَيْنَ الأَنَامِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ». كَمَا أَنَّ الرَّحْمَةَ بِالأَيْتَامِ تُلِينُ الْقُلُوبَ، وَتُرْضِي عَلاَّمَ الْغُيُوبِ، فَقَدْ شَكَا رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ».

وَمِنْ صُوَرِ التَّرَاحُمِ رَحْمَةُ الْغَنِيِّ بِالْفَقِيرِ، وَالْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ، وَالْمُعَافَى بِالْمُبْتَلَى، وَرَبِّ الْمَنْزِلِ بِأَهْلِهِ، وَصَاحِبِ الْعَمَلِ بِمُوَظَّفِيهِ، وَرَحْمَةُ الْعَالِمِ وَالْمُعَلِّمِ بِالْمُتَعَلِّمِينَ، إِلَى صُوَرٍ كَثِيرَةٍ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ التَّرَاحُمَ لاَ يَقْتَصِرُ عَلَى الرَّحْمَةِ بِالْمُسْلِمِينَ فَحَسْبُ، بَلْ يَشْمَلُ الرَّحْمَةَ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ بِإِغَاثَةِ مَلْهُوفِهِمْ، وَإِعَانَةِ مُحْتَاجِهِمْ، وَالإِحْسَانِ إِلَى ضَعِيفِهِمْ، وَإِظْهَارِ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ لَهُمْ، وَتَعْرِيفِهِمْ بِمَقَاصِدِهِ الْعَظِيمَةِ، وَغَايَاتِهِ النَّبِيلَةِ، بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْمُعَامَلَةِ الْجَمِيلَةِ، وَحُسْنِ الصِّلَةِ مَعَهُمْ، فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّي وَهْىَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: إِنَّ أُمِّى قَدِمَتْ وَهْىَ رَاغِبَةٌ ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ».

وَاعْلَمُوا أنَّهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا أَنْ جَعَلَ التَّرَاحُمَ سِمَةً أَصِيلَةً فِي مُجْتَمَعِ دَوْلَةِ الإِمَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ : قِيَادَةً وَشَعْبًا، فَهُوَ مُجْتَمَعُ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ، وَقَدْ ضَرَبَ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَطَالَتْ أَيَادِيهِ الْبَيْضَاءُ مُخْتَلَفَ بُلْدَانِ الْعَالَمِ، وَلاَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ التَّفَاعُلِ الْكَبِيرِ مَعَ حَمْلَةِ "تَرَاحَمُوا" الَّتِي أَطْلَقَهَا صَاحِبُ السُّمُوِّ رَئِيسُ الدَّوْلَةِ حَفِظَهُ اللَّهُ لإِغَاثَةِ أَهْلِنَا فِي الشَّامِ بَعْدَ أَنْ أَصَابَهُمُ الضُّرُّ، وَحَلَّ بِهِمُ الْبَأْسُ، فَجَزَى اللَّهُ خَيْرًا مَنْ أَمَرَ بِهَا، وَقَامَ عَلَيْهَا، وَسَاهَمَ وَبَذَلَ لأَجْلِهَا، وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» .


الخطبة الثانية :
أيها الناس اتقوا الله تعالى واسلكوا سبيل السلامة والنجاة واحذروا سبل العَطَبِ والأمور المهلكات . فقد قال صلى الله عليه وسلم : " ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتِ: فَهَوًى مُتَّبِعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ " فياله من كلامٍ جامعٍ لمسالكِ الخيرات، محذرٍ عن مواقع الهلكات.
 أما تقوى الله في السر والعلانية فهي مِلاك الأمور، وبها حصول الخيرات، واندفاعُ الشرورِ، فهي مراقبة الله على الدوام، والعلم بقرب الملك العلام، فيستحي من ربه أن يراه حيث نهاه، ويفقدَه في كل ما يقرب إلى رضاه.
 وأما قول الحق في الغضب والرضى فإن ذلك عنوانٌ على الصدق والعدل والتوفيق، وأكبرُ برهانٍ على الإيمان، وقهر العبد لغضبه وشهوته، فإنه لا ينجو منها إلا كل صدِّيقٍ، فلا يخرجهُ الغضب والشهوة عن الحق ولا يدخلانه في الباطل، بل الصدقُ عام لأحواله كلها وشامل.
 وأما القصد في الفقر والغنى فإن هذا علامة على قوةِ العقل وحسنِ التدبير وامتثالٍ لإرشاد الرب القدير في قوله : "وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا "
فهذه الثلاث جمعت كل خير متعلق بحق الله وحق النفس وحقوق العباد، وصاحبها قد فاز بالقدح المعلى، والهدى والرشاد.
 وأما الثلاث المهلكات فأولها هوى متبع والله يقول: " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ " فإن الهوى يهوي بصاحبه إلى أسفل الدركات، وبالهوى تندفع النفوس إلى الشهوات الضارة المهلكات. وأما الشح المطاع فقد أحضرت النفوس شحها قال تعالى "وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" ومن انقاد لشحه فأولئك هم الخاسرون، فإن الشح يحمل على البخل ومنع الحقوق ويدعو إلى الضرر والقطيعة والعقوق، أمر الشح أهله بالقطيعة فقطعوا، ودعاهم إلى منع الحقوق الواجبة فامتثلوا، وأغراهم بالمعاملات السيئة من البخس والغش والربا ففعلوا، فهو يدعو إلى كل خلق رذيل، وينهى عن كل خلق جميل.
 وأما إعجاب المرء بنفسه فإنه من أعظم المهلكات وفظائع الأمور، فإن العُجب باب إلى الكبر والزهو والغرور، ووسيلة إلى الفخر والخيلاء واحتقار الخلق الذي هو من أعظم الشرور فهذه الثلاث : الهوى المتبع , والشح المطاع , والإعجاب بالنفس ؛ من جمعها فهو من الهالكين، ومن اتصف بها فقد باء بغضب من الله واستحق العذاب المهين .
 فطوبى لمن كان هواه تبعا لمراضي الله، وطوبى لمن وُقِيَ شح نفسه فكان من المفلحين، وعرف نفسه حقيقةً فتواضع للحق وخفض جناحه للمؤمنين.
 منَّ الله علي وعليكم بمكارم الأخلاق ومعاليها وحفظنا من مضارها ومساويها ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .


الخطبة الأولى: من خطب دائرة الشؤون الإسلامية
الخطبة الثانية : من خطب الشيخ السعدي 

الخميس، 8 يناير 2015

حماية الأوطان

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه ، مُعافى في جَسَدِهِ ، عندهُ قوتُ يومِه ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها " في الحديث تذكير بنعم الله على العبد، فإن الله –سبحانه وتعالى- خلق العباد لعبادته وتوحيده فقال: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" وأهم النعم التي يحتاجها العابد لتحقيق هذا الهدف السامي هي أمن في نفسه وجماعته وبلده، وعافية في صحته وجسده، وطعام يتقوى به على طاعة الله.
أيها المسلمون: الأرض التي تتوافر فيها هذه النعم من الأمن والعافية والغذاء حري بأهلها أن يتعاونوا على حفظها والعمل على الدفاع عنها وحفظ مكتسباتها، وهذا أمر مجبولة عليه النفوس السليمة، وهو محبة الوطن والدفاع عنه .

فحب الوطن –عباد الله- غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجم، ويغضب له إذا انتُقص، أخرج الترمذي، بسندٍ صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق مكة عند هجرته منها:  (ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك). وحيث أن حب الوطن غريزة في الإنسان، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم من ربه بأن يرزقه حب المدينة لما انتقل إليها، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد). 

جماعة المسلمين : مَنْ عَاشَ مُحِبًّا لِوَطَنِهِ أَخْلَصَ فِي بِنَائِهِ، وَاجْتَهَدَ فِي عُمْرَانِهِ، وَلَقَدْ جُبِلَ النَّاسُ عَلَى حِمَايَةِ أَوْطَانِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُودُ بِأَبْنَائِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُودُ بِمَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ وَيَزِيدُ.

والدفاع عن الأوطان – يا عباد الله – محل ثناء  ومدح، حيث يُحفظ الدين، وتُصان الدماء، وتُكرم الأعراض، وتُحفظ الأموال والمكتسبات، وهذا هو جوهر الجهادُ وأساسُه، كما قال تعالى : "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا " 

في الدفاع عن الأوطان ردٌ للعدوان ودفعٌ للفساد عن البلاد والعباد، وهذا كذلك من أهداف الجهاد الشرعي كما قال تعالى : " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ " ، وقال سبحانه : " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " 

فالحماة الذابون عن الوطن مجاهدون في سبيل الله، وهبوا أنفسهم، وتركوا أهليهم، وسهروا الليالي، وذاقوا التعب والنصب، لينعم أهل الوطن بالأمن والطمأنينة والسلام.

وَالْعَيْنُ السَّاهِرَةُ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ، الْحَارِسَةُ لِحُدُودِ الْوَطَنِ المسلم، الْقَائِمَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»

وَحِرَاسَةُ الْوَطَنِ في حال الفتن والحروب مَنْزِلَةٌ عظيمة، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ لاَ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ) .
وَمَنْ أَرَادَ الأَجْرَ الْكَبِيرَ وَالثَّوَابَ الْجَزِيلَ فَلْيَهْنَأْ بِمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَهُوَ يَذُودُ عَنْ حِمَى وَطَنِهِ فِي بَرِّهِ وَبَحْرِهِ وَسَمَائِهِ، فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. وَيَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَأَنْ أَبِيتَ حَارِسًا وَخَائِفًا فِي سَبِيلِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ رَاحِلَةٍ "

عباد الله : إن حماية الوطن والذود عنه مسؤولية مشتركة، لا تقع على القوات المسلحة فقط، بل تشمل الأفراد من المواطنين والمقيمين على أرض الوطن، وذلك بخِدْمَتَهِ فِي كُلِّ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَالتَّفَانِي وَالإِتْقَانِ فِي أَدَاءِ الْعَمَلِ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، فَالسَّاهِرُ فِي عَمَلِهِ الَّذِي يَقْضِي حَوَائِجَ النَّاسِ إِنَّما يَحْمِي الْوَطَنَ، وَالْمُوَظَّفُ الَّذِي يَتَفَانَى فِي تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ حَامٍ لِسُمْعَةِ الْوَطَنِ، وَمَنْ تَكَاسَلَ عَنْ دَوْرِهِ أَوْ تَقَاعَسَ عَنْ عَمَلِهِ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَى وَطَنِهِ وَقَصَّرَ فِي حِمَايَتِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»

إِنَّ حِمَايَةَ الْوَطَنِ مَسْؤُولِيَّةٌ تَتَطَلَّبُ كَثِيرًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ، مِنْهَا: الدُّعَاءُ لِلْوَطَنِ وَلِلْحَاكِمِ، يَقُولُ الفضيل بن عياض رحمه الله : لَوْ أَنَّ لِيَ دَعْوَةً مُجَابَةً لَجَعَلْتُهَا فِي الْحَاكِمِ. وَنَسْأَلُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ سُبْحَانَهُ الْخَيْرَ وَالرَّخَاءَ لِوَطَنِنَا وجميع بلاد المسلمين، وَنَرْجُوهُ دَوَامَ أَمْنِهِ وَأَمَانِهِ وَنِعَمِهِ، فَذَلِكَ مِنْ عَلاَمَاتِ الْوَفَاءِ، وَصِدْقِ الاِنْتِمَاءِ. 


الخطبة الثانية : إن الدفاع عن الوطن ليس مجرد تعصب لأرض وتراب كما يدعيه البعض، وإنما هو عمل شرعي تتكاتف فيه الجهود لحفظ الدين وإقامته على أتم وجه، وحفظ الدماء من أن تراق، وحفظ الأعراض من أن تنتهك، وحفظ للأموال والمكاسب من أن تضيع ، وجميع هذه الأمور مقاصد شرعية وضرورات مرعية جاءت الشريعة بحفظها وتكميلها والدفاع عنها.

فإن قال قائل: ما هو العدو الذي نحذره، ونخشى منه على ديننا وأوطاننا ودمائنا وأعراضنا وأموالنا ؟ 

فالجواب: العدو عدوان عدو خارجي نعرفه ونعرف شره فنحذره ونستعد للقائه، وعدو داخلي، يعيش بيننا ، ويتكلم بألستنا، ويظهر أنه منا، كما ورد في حديث حذيفة رضي الله عنه وهو يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير والشر فقال: " فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا " وعند مسلم قال : "وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ " فهؤلاء من أشد الأعداء، لأننا نأمن جانبهم، فلا نحذرهم كما نحذر غيرهم، ولكنهم يتربصون بنا الدوائر، ويسعون لتفريق صفنا، وتمكين العدو الخارجي منا.

فليجؤون إلى الغزو الفكري، فيشوهون الثوابت الراسيات، والعادات الجاريات،  وفق أجندات وخطط مرسومة من العدو الخارجي الذي عجز عن الغزو المباشر، فهم كالنائحة المستأجرة التي تنوح بما يقدم لها من أجر ، وما يحقق لها من مصالح.

وفي تاريخنا الغابر عبرة لمعتبر، فمن الذي مكنّ للتتار من دخول بلاد الخلافة الإسلامية بغداد فقتلوا ما يزيد على المليون مسلم إلا الوزير المقرب من الخليفة وهو الرافضي ابن العلقمي.

وكما ذكر بعض الأعداء الذين احتلوا بلاد الإسلام حقبة من الزمن أن بعض أصحاب الزوايا قد أعانوهم على احتلالهم لبلاد الإسلام.

وعبر الأزمنة المتعاقبة وفي زماننا الذي نعايشه شكل الخوارج أكبر عدو لدود للإسلام والمسلمين وبلادهم، لأنهم يرفعون شعارات ظاهرها نصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله، فيغتر بهم أصحاب الحماسات والأهواء والعواطف الجياشة التي لم تضبط بضوابط الشرع، فيتعاطفون معهم ويعاونوهم على أفعالهم المشينة .

الخوارج هم الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم وهو يصفهم: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ .

فخرجوا زمن عثمان رضي الله عنه، وأعلنوا المطالبة بالحقوق والحريات، وقد كانوا في أحسن حال من معيشة وأمن، فما زالوا في ضلالهم حتى حاصروا المدينة وقتلوا خليفة المسلمين المبشر بالجنة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن.

ثم خرجوا زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقتلوا عبد الله وهو ابن الصحابي  خباب بن الأرت  رضي الله عنه وقتلوا زوجته وبقروا بطنها وكانت حاملا.

وقاتلهم علي في معركة النهروان، ثم قتلوا خليفة المسلمين المبشر بالجنة تقربا إلى الله على حد زعمهم حتى قال قائلهم وهو يمدح قاتل علي :يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا          ليبلغ عند ذي العرش رضوانا.

ولا زال خروجهم مستمرا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى يلحقوا بالدجال الأعور.

وفي زماننا نراهم قد خرجوا بمسميات جديدة كالقاعدة والدواعش وجماعة التكفير والهجرة ونحوها فعاثوا في الأرض فسادا، فكفروا أئمة المسلمين، وجنودهم، وحراس أمنهم، ثم كفروا جماهير المسلمين ممن ليسوا معهم، فأعلنوا الجهاد ضد المسلمين وبلادهم، فسفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض، ونهبوا الأموال، وبثوا الرعب في قلوب المسلمين. 

وهم أحرى الناس بحكم الكفر فعَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " إِنَّمَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلًا قَرَأَ الْقُرْآنَ , حَتَّى رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ رِدْئًا  لِلْإِسْلامِ , غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ , وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ " , قَالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ , قَالَ: " بَلِ الرَّامِي. 
وللأسف الشديد قد تأثر بهم فئات من الناس من المثقفين وصغار السن فالتحقوا بهم وناصروهم وخلعوا البيعة من ولي أمرهم وبايعوا خليفة الخوارج المزعوم. 
إن الواجب علينا أن نتفقه في ديننا ونعرف العدو الذي حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم،  لنحذره ونأمن شره، ثم نسعى لنشر الأمن الفكري بين أفراد المجمع ببيان أحكام الدين الصحيح . 
وَاعْلَمُوا أنَّه يَنْبَغِي عَلَيْنَا الْمُسَاهَمَةُ الْفَعَّالَةُ فِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ عَلَى حُبِّ الْوَطَنِ، وَإِعْدَادِ الأَجْيَالِ لِيَكُونُوا وَقْتَ السِّلْمِ صُنَّاعَ حَضَارَتِهِ، وَبُنَاةَ أَمْجَادِهِ، وَفِي وَقْتِ الْحَاجَةِ دِرْعَ حِمَايَتِهِ وَوِقَايَتِهِ.
كَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ حُمَاةَ الْوَطَنِ: قُوَّاتِنَا الْمُسَلَّحَةَ الَّتِي جَعَلها اللهُ سبباً لتَوْفِيرِ أَجْوَاءِ الأَمْنِ وَالأَمَانِ فِي الدَّوْلَةِ لِيَنْعَمَ الْجَمِيعُ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ بِالْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَالْهَانِئَةِ.



الجمعة، 26 ديسمبر 2014

مظاهر التسامح مع أهل الكتاب ج 2

بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد 

إخواني الأفاضل 

       سبق وأن تكلمت في مقال سابق عن بعض مظاهر التسامح مع أهل الكتاب من يهود أو نصارى في الإسلام، وبينت أن الإسلام تعامل معهم حال كونهم يعيشون على أرض الإسلام، وأعطاهم من الحقوق ما كفل لهم حياة آمنة مستقرة، وحرم الاعتداء عليهم.

ولكن السؤال الذي تطرحه الظروف الحالية والأوضاع الراهنة :
إلى أي حد يكون هذا التسامح ؟ 
هل التسامح مع أهل الكتاب يشمل مشاركتهم في أعيادهم وتهنئتهم بها ؟

أقول للجواب على هذه المسألة سأبين عدة أحكام جاءت بها الشريعة في تعاملاتنا مع أهل الكتاب .

أولا : لقد حرم الإسلام التشبه بأهل الكتاب في جميع الأمور التي يختصون بها، فقد وردت النصوص الشرعية الصحيحة تنهى صراحة عن التشبه بهم، وتحذر من ذلك تحذيرا شديدا، ومن ذلك : 

أ – قال تعالى مبينا طريق الهداية الذي ينبغي للمسلم سلوكه في سورة الفاتحة : " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ"

فالمسلم يطلب من الله أن يهديه إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، وهذا الصراط هو طريق المنعم عليهم وهم الذين بينهم الله بقوله : " أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" وتطلب من الله عز وجل أن يجنبك طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المقصود بهم فقال :  "الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ النَّصَارَى"

فدل قوله تعالى : " غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" على المغايرة بين طريق المنعم عليهم الموصل إلى الصراط المستقيم، وبين طريقي اليهود والنصارى الصاد عن الصراط المستقيم، وهذا فيه التحذير الشديد من سلوك طريقهم. 

ب – قال تعالى : " وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ" 

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : "فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعد ما علموا من القرآن والسنة - عياذا بالله من ذلك- فإن الخطاب مع الرسول، والأمر لأمته " 

ج – روى الترمذي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ مِنَّا مِنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى" 
والأصل أن النهي يقتضي التحريم . 

د – جاء النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن مشابهة أهل الكتاب في أوقات عباداتهم وصفتها، فمن ذلك : 

1 - عن أبي عُمير ابن أنس عن عُمومةٍ له من الأنصار، قال: اهتمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاةِ، كيف يجمَعُ الناس لها؟ فقيلَ له: انصِبّ رايةً عندَ حُضورِ الصلاةِ، فإذا رأَوها آذَنَ بعضُهم بعضاً، فلم يُعجِبه ذلك، قال: فذُكِرَ له القُنْعُ -يعني الشُّبّورَ، وقال زياد: شَبّورُ اليهود -فلم يُعجِبه ذلك، وقال: "هو من أمرِ اليهود" قال: فذُكِرَ له الناقوسُ، فقال: "هو من أمرِ النّصارى".فانصرفَ عبدُ الله بنُ زيد وهو مُهتم لِهَمِّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأُرِيَ الأذانَ في مَنامِه .." رواه أبو داود
وجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض الشبور وهو البوق والناقوس لأنه من طريقة أهل الكتاب في عبادتهم.

2 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(خَالِفُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّون فِي خِفَافِهِمْ وَلَا فِي نِعَالِهِمْ). 
وجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أمر بمخالفة اليهود والنصارى ثم خص بالذكر طريقة في عبادتهم وهي كونهم لا يجيزون الصلاة في النعال والخفاف، وهذا يدل على  أن جنس المخالفة مقصود للشرع .
3 - عن أبي هريرة، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "لا يَزَالُ الدينُ ظاهِراً ما عجَّل الناسُ الفِطْر، لأن اليهودَ والنصارى يُؤخِّرونَ " رواه أبو داود 

فيه دلالة  على أن من أسباب ظهور الدين مخالفة اليهود والنصارى في عباداتهم .

ومثله في صيام التاسع مع عاشوراء، وفي إطلاق اللحية وحف الشوارب وتغيير الشيب وفي السلام والنهي عن الجلوس مع الاتكاء على اليد اليسرى وهي خلف الظهر، وتنظيف الأفنية ، فجميع هذه الأحكام عللت بمخالفة اليهود والنصارى، مما يدلنا على أن مخالفتهم مقصودة في شرعنا في طريقة عباداتهم، وبالتالي يحرم التشبه بهم . 

وأما من جهة التعليل والمعنى : فإن المشابهة بالآخرين تفضي إلى نوع محبة وموالاة، فالمشابهة في الظاهر تورث تناسبا وتشابها في الباطن، والمخالفة في الظاهر توجب المباينة والمفارقة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : من تشبه بقوم فهو منهم " .

ثانيا : نهت الشريعة الإسلامية عن موالاة أهل الكتاب، بمعنى محبتهم المحبة الشرعية وليست الفطرية كمحبة الولد المسلم لوالده الكتابي، أو الزوج المسلم لزوجته الكتابية، فلا تدخل في النهي، بل المقصود المحبة الشرعية المقتضية للنصرة والتأييد ، وأمرت بإعلان البراءة منهم ومما يعبدون. والدليل على ذلك: 
1 – قال تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " 

2 – قال تعالى : " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " 

3 – قال تعالى : "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ "  

في هذه الآيات النهي عن موالاة أهل الكتاب والأمر بالبراءة منهم ومن عبادتهم حتى يؤمنوا بالله وحده . 
قال ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان : " لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب " 

ولا تعارض بين البراءة منهم وعدم موالاتهم ومع الإحسان إليهم، لأن المودة تتعلق بالقلب، والإحسان إليهم يقصد منهم استمالتهم للدخول في الإسلام.
 قال القرافي في الفروق : " وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعين علينا أن برهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى هذا امتنع، وصار من قبيل ما نهي عنه في الآية وغيرها " .

وبعد بيان هذه الأحكام المتعلقة في تعاملنا مع اليهود والنصارى، ما هي حدود التسامح مع أهل الكتاب ؟ 
الجواب :
أولا : تحرم مشابهتهم في ما اختصوا به من عبادات وعادات، بل المشروع مخالفتهم فيها.
بل مخالفتهم في ما اختصوا به مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية في التعامل معهم. 

ثانيا: تحرم مودتهم المودة القلبية بمحبتهم وتمني نصرتهم وظهورهم، وتجب البراءة مما هم فيه من الباطل والشرك والكفر بالله، وهذا يكون علانية، لأنه من مستلزمات شهادة التوحيد وظهور الإسلام على بقية الشرائع الأخرى، قال تعالى : " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ " 

ثالثا : لا تجوز مشاركتهم في أعيادهم ومناسباتهم الدينية ولا تهنئتهم بها للأدلة التالية : 

1 – أن لكل أمة عيد يختص بهم وبشرعهم، قال تعالى : "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ" قال ابن عباس : أي عيدا .
والأعياد من أخص ما تميزت به الشرائع، فموافقتهم في أعيادهم موافقة لهم في أخص شرائعهم والتي لا يجوز إظهارها فضلا عن مشاركتهم فيها.

2 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: " قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم -: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ "، قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ - عزَّ وجل - قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا , يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى " 

فالنبي صلى الله عليهم وسلم لم يقر أهل المدينة على احتفالهم بهذا العيد الذي هو من عادات أهل الجاهلية، وقدم لهما بديلا شرعيا وهو عيد الفطر والأضحى. 
ولو كان الاحتفال بأعياد الكفر جائزا لما نهاهم وإنما قال : فإن الله قد زادكم ... 

3 – روى الإمام أحمد عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: " إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ " 

فهذا الحديث نص في مخالفتهم في عيدهم، فالسبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى وهما يوما فرح وسرور عندهم. 

4 – ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال : لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم " وإسناده صحيح . 

5 – جاء في شروط عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الكتاب في دار الإسلام: أن أهل الذمة لا يخرجون صليبا ولا كتابا في أسواق المسلمين ولا يظهرون أعيادهم ..." 

 6 – في تهنئتهم بأعيادهم شِبهُ إقرار لهم على باطلهم، فإنهم يدعون أن عيسى عليه السلام ولد في هذا اليوم، وهذا لا دليل عليه لا في شرعهم ولا في شرعنا، بل ورد في شرعنا ما يدل على أنه ولد في الصيف وذلك في قوله تعالى : " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا " والرطب لا يكون إلا في الصيف . 

كما أنهم يقولون بعقيدة التثليث وهي عقيدة كفرية، قال تعالى : "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " 
فالله يكفرهم ويتوعدهم بالعذاب ونحن نبارك لهم بعيدهم !! 

كما أنهم يرفعون الصليب وهو مخالف حتى لدينهم فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه في الحديث الصحيح عن عدم رضا عيسى عليه السلام بهذا الصليب،  فروى أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم:يوشك المسيح عيسى ابن مريم أن ينزل حكما قسطا، وإماما عدلا، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب " وهم يرفعون الصليب في أعيادهم بل هو شعارهم، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم وثنا. 


وأخيرا أقول : إن القول بعدم جواز تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم ليس خروجا عن مبدأ التسامح الذي شرعه ديننا في التعامل معهم، بل هو إتباع لشرعنا وديننا في التعامل مع من يخالفوننا في الدين والاعتقاد . 
وفقنا الله لما يحيه ويرضاه . 

مظاهر التسامح مع أهل الكتاب ج 1

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده  لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد 

إن الله سبحانه وتعالى أمر الناس بعبادته وحده لا شريك له، فأرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب، وخالف بينهم إذ جعل لكل منهم  شريعة ومنهاجا قال تعالى : "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا " ، ولكن الدين واحد عند الله وهو الإسلام قال تعالى : "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ  "  ، كما قال صلى الله وسلم واصفا "الْأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ " رواه مسلم . فأمهاتهم شتى وأبوهم واحد، ولأجل ذلك وجدت علاقة بين هذه الملل وهي اليهودية والنصرانية والإسلام اقتضت تعاملا خاصا فيما بينهم، مع هيمنة شريعة الإسلام على بقية الشرائع لأنه خاتمها.

ولكن الناظر في تاريخ الأديان يرى انتهاكا لهذه العلاقة بين اليهود والنصارى، وبين النصارى أنفسهم، فاندلعت بينهم الحروب، وسفكت الدماء، وظهرت العداوة بينهم.

أما الإسلام فقد تعامل مع اليهود والنصارى تعاملا فريدا من نوعه، قام على الأخلاق وحسن التعامل مع الآخرين، لكونهم أصحاب كتب سماوية أنزلت على رسلهم.

وأود من خلال هذا المقال أن أبين مظاهر التسامح وحسن المعاملة التي  لقيها اليهود والنصارى في بلاد الإسلام .

1 - حِل طعام أهل الكتاب ونسائهم لأهل الإسلام قال تعالى : " وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ " 

2 - مشروعية التعاملات التجارية معهم، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ " رواه البخاري 

3 - أمر الله بدعوتهم إلى الإسلام، وبحسن مجادلتهم وحوارهم، قال تعالى :" وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " 

4-  مشروعية زيارتهم والاطمئنان عليهم حال مرضهم ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ " رواه البخاري 

5 – الإحسان في جوارهم، وعدم إيذائهم، بل وإهداؤهم ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أَنَّهُ ذُبِحَت لَهُ شاةٌ فَجَعَلَ يَقُولُ لِغُلَامِهِ أَهْدَيْتَ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتَ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصينى بِالْجَارِ حَتى ظَنَنتُ أنه سَيَورِثُه "  رواه البخاري في الأدب المفرد .

6 – حمايتهم وحفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم طالما كانوا يعيشون في دولة المسلمين، وتحريم الاعتداء عليهم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا " رواه البخاري .
وقال صلى الله عليه وسلم: " «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "

7 -  مضاعفة الأجر لمن آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: وذكر منهم " مُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَجْرَانِ " رواه البخاري ومسلم .

8 – عدم إكراههم على ترك دينهم واعتناق الإسلام، بل يخيرون بين الإسلام أو دفع الجزية، وهذا في حال قوة الدولة المسلمة ، قال تعالى : " فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا " 

9 -   مشروعية عقد المعاهدات معهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة.
10- أوجب الإسلام العدل مع أهل الكتاب، ولو اقتضى الأمر أن يحكم للكتابي على المسلم، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " 
وفي البخاري عن الأشعث بن قيس قال :كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قُلْتُ: لَا . قَالَ : فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ . قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } .


هذه بعض مظاهر التسامح التي جاءت بها شريعة الإسلام في التعامل مع أهل الكتاب من يهود أو نصارى، فيهدف الإسلام  إلى استمالتهم إلى هذا الدين لأنهم من أقرب الناس إليه، إذ يقرون في أنفسهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يجحدونها حسدا وكبرا، كما قال تعالى : "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " .

ولو نظرنا في تاريخنا الإسلامي لوجدنا صورا عظيمة ومشرقة لتعامل الخلفاء وقادة الجيوش الإسلامية مع دول أهل الكتاب التي تم فتحها، إذ أعطوهم الأمان، ولم يهدموا كنائسهم ولا أمكان عباداتهم، ولم يجبروهم على الدخول في دين الله، بل خيروهم بين الإسلام أو دفع جزية يسيرة، يعفى منها العجزة والأطفال والنساء.

ولكن ...

ما هو حدود هذا التسامح ؟ 

هذا ما سنتعرف عليه في المقال الثاني بإذن الله تعالى . 

الخميس، 25 ديسمبر 2014

خطبة جمعة : أهمية الوقت

الخطبة الأولى . 
أيها المؤمنون : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :« نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ » ، فدل الحديث على أن من النعم العظيمة والمنن الكبيرة على العبد نعمة الوقت ، فأنفس ما يملكه العبد في هذه الحياة هو وقته الذي يعيشه ولحظاته التي يحياها ، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة ، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون ، لأن الفراغ يعقبه الشغل ، والصحة يعقبها السقم  ، ولهذا جاءت وصية نبينا صلى الله عليه وسلم باغتنام هذه الأحوال من الفراغ والصحة بالطاعات قبل حلول الشغل أو السقم فقال : "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ "  فمرحلة الشباب والفراغ والحياة إنما ترجع إلى أصل واحد هو الوقت . 

 جماعة المسلمين : الوقت في الإسلام أعظم قدرا ، وأنبل شأنا وهدفا، وأسمى غاية ومقصدا ، فهو في الإسلام ميدان لكل عمل شريف، ومجال للمسارعة في الخيرات والمبادرة للصالحات. 

ولهذا أقسم الله بأجزاء منه في مطالع سورٍ عديدة ، بل ربما أقسم به جملة وتفصيلا وهذا فيه دلالة على أهمية الوقت في الإسلام . ، قال تعالى {وَالْعَصْرِ} ،وهو الدهر الزمان الذي يعيشه الإنسان ،  وأقسم به تفصيلا في قوله " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ،وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ،وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا " ثم كان جواب القسم في السورة " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا " أي زكى نفسه بالعمل الصالح وتجنب العمل السيء، وكذلك لما أقسم فقال: "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى،وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى،وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى " جاء جواب القسم في السورة "إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى "   وفي ذلك إشارة من هذه الآيات إلى أن الوقت مادة الحياة، وأن سعي الناس فيه مختلف، فمنهم من يُزكّي نفسه ويُنَمّيها بالخير، ومنهم من يُهْبِطُها في أسفل الدّرَكات بتفريطه وعصيانه.

عباد الله، و مما يدل على أهمية الوقت أنه محور من محاور السؤال يوم الدين ، فإن أحسن العبد الإجابة أفلح ونجا ، وإن أساء خسر وندم ، ولا إحسان إلا بعمل واعتقاد صالح.  قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ،وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ"  فلن تزول قدما العبد في ذلك الموقف في أرض المحشر حتى يحاسب عن مدّة أجله فيم صرفه بعامَّة ؟ وعمَّا فعل بزمانه وقت شبابه بخاصة؟ وهنا تخصيصٌ بعد تعميم للأهمية والتأكيد، وإلا فإنّ مرحلة الشباب وعُمر الشباب هي مرحلة داخلة ضِمنًا في العمر الذي يسأل عنه العبد، لكن خُصَّ بالذكر لأن الإنسان في مرحلة شبابه تكون لدية من القوة والعطاء ما لا يكون في طرفَي العمر، حيث ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة . 

جماعة المسلمين : لقد عرف سلف هذه الأمة قيمة الوقت وأهميته في حياة الإنسان الرابح فاستغلوه غاية الاستغلال ووظفوه لصالحهم في الدنيا والآخرة ، فكان الواحد منهم يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا ، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا ، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه ناصحا " إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح وخذ من صحتك قبل سقمك ومن حياتك قبل موتك فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا ؟ 
كان ابن مسعود يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي). قال الحسن : لقد أدركت أقواماً كانوا أشدَّ حرصاً على أوقاتهم من حرصكم على دراهمكم ودنانيركم .

عباد الله: لقد بين الله تعالى لنا في الكتاب الحكيم طرق استغلال الوقت فقال " وَالْعَصْرِ،إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " 

فالأصل أن الإنسان في خسارة من أمره ، ولا يمكن له أن يتدارك ذلك إلا بأمور أربعة بينها الله سبحانه في هذه السورة ، أولها إيمان صحيح خال من الشبهات ، ولا يكون ذلك إلا بالعلم الشرعي للكتاب والسنة وعلى وفق فهم الصحابة والتابعين والعلماء الربانيين ، يعقب ذلك الثمرة من وراء هذا العلم وهو العمل ، المتمثل في أداء الفرائض واستكمالها بالنوافل ، ثم اجتناب المحرمات ، ثالثها : الدعوة إلى هذا الإيمان السليم والعمل الصالح في نطاق الأسرة والمجتمع ، ثم الصبر الملازم لكل مرحلة من هذه المراحل .

قال ابن القيم –رحمه الله- في بيان كيفية عمارة الوقت :( عمارة الوقت : الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب أو منكح أو منام أو راحة، فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتم لذة، فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات، فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه وجماع أهله وراحته أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان "

أيها المسلمون، إن العاقل من تفكّر في أمره، ورأى أن تصرّم أيامه مؤذن بقرب رحيله طال عمره أم قصر، فاحتاط لأمره، واجتهد في يومه، واستعد لغده. ما الوقت إلا حياة الإنسان وعمره الذي هو أنفاس تتردّد، وآماله التي تضيع إن لم تتحدّد، الوقت ثمين ونفيس، وما مضى منه فلن يعود، ولا الزمان بما مضى منه يجود. فهلاّ تنبّهنا لأعمارنا، فكم من غافل يبيع أغلى ما يملك وهو الوقت بأبخس الأثمان! فالوقت مُنْصرِمٌ بنفسه، مُنقضٍ بذاته، ومن غفل عن تداركه تَصَرّمت أيامه وأوقاته، وعظُمَت حسراته، ينقضي العمر بما فيه فلا يعود إلا أثره، فاختر لنفسك ما يعود عليك، ولهذا يقال للسعداء: "كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، ويقال للأشقياء المعذّبين:" ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ " 


الخطبة الثانية :جماعة المسلمين إن من أعظم الخسارة إضاعة الأوقات سدى ، وإن الحفاظ على الأوقات واستثمار الأعمار يحتاج إلى حزم وعزم وهمّة وقوّة إرادة، أما البَطَالة والكسل فهي داء وَبِيل ومرض خطير تنعكس آثاره السيئة على الأفراد والمجتمعات، ويسبّب الخمول والفقر والتخلّف المادّي والمعنوي، ويؤدّي إلى الرذائل والمنكرات، وإن يكن الشُّغل مَشْهَدةٌ فإن الفراغ مَفْسَدَةٌ، ومَن أكثر الرُّقَاد عُدِم المُرَاد . 

أيها المسلمون، يخيَّل لبعض الناس أن الأيام ستفرغ له في المستقبل من الشواغل، وتصفو له من المكدرات والعوائق، وأنه سيكون فيها أفرغ منه في الماضي أيام الشباب، ولكن الواقع المشاهد على العكس من هذا، كلما كبرت سِنُّك كبرت مسؤولياتك وزادت علاقاتك وضاقت أوقاتك ونقصت طاقتك، فالوقت في الكبر أضيق، والجسم فيه أضعف، والصحة فيه أقلّ، والنشاط أدنى، والواجبات والشواغل أكثر وأشدّ . 

عباد الله : قال ابن القيم رحمه الله : واعلم أن الحسرة كل الحسرة الاشتغال بمن لا يجدي عليك الاشتغال به، إلا فوت نصيبك وحظك من الله، وانقطاعك عنه وضياع وقتك عليك" 
فتوجد طوائف من الناس مشغولون بلا شغل، لأن شغلهم لا يعود عليهم بالنفع، بل بالضرر المحقق.

فتأملوا حال من يقضي الساعات الطوال في المقاهي أو من يمضي وقته في مشاهدة فلم قد أخذ بمجامع حواسه وجوارحه، أو من يعكف على حاسوبه أمام الانترنت يحادث ويتصفح بلا هدف ولا مصلحة
فهؤلاء مشغلون بما هم فيه، ولكنهم ضيعوا ساعات أعمارهم فيما لا ينفع، فهذا الوقت يمكن قضاءه في زيارة رحم، أو محادثة زوجة وأولاد، أو تلاوة قرآن، وقراءة كتاب، أو جلوس مع أهل الخير والصلاح ، أو في نوم مبكر بعد استعدادا لصلاة الفجر، أو قيام الليل . 
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة "  

أيها المسلمون: لقد طغت الحياة المادية على وقت المسلم، فالوظائف ومسئولية المنزل والأولاد مشغلة للعبد في حياته ولكن الفطن هو من ينتبه لذلك فيسخر ظروفه وأحواله لطاعة الله. 

قال تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ، وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ 
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " 

فللإنسان يومان يندم فيهما على ما ضَيّع من أوقاته، ويطلب الإمهال: فالأول في ساعة الاحتضار، وذلك حين يقول " رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ" فيكون الجواب : " وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا " والموقف الثاني في الآخرة حين يدخل أهلُ النارِ النارَ: "وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ "  فيكون الجواب: "أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ " 

فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، واستغلوا لحظات أعماركم بما ينفكم في أخراكم ودنياكم، واحذروا التسويف والتأجيل فإنه مصيدة للشيطان يوقع بها اتباعه، واعلموا أن الله لم يكلفنا من الأعمال ما لا نطيق، بل أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، والعادات مع حسن النية تنقلب طاعات يؤجر عليها المؤمن. 



استفدت هذه الخطبة مع التعديل عليها بما تيسر من خطبة للشيخ صالح آل طالب بعنوان: قيمة الوقت في حياة المسلم . 

الخميس، 27 نوفمبر 2014

نعمت لزوم الجماعة والاتحاد

الخطبة الأولى : أيها المسلمون من المقاصد الشرعية التي جاءت نصوص الدين بتأكيدها الاجتماع والوحدة والنهي عن التفرق والاختلاف، قال تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، وقال سبحانه(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، ومن السنة ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ " وحذر من مفارقة الجماعة والاختلاف فقال : مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَة َ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ " فشبه الإسلام بالربقة وهي الحبل يوضع حول عنق الدابة يقودها ويحفظها، فإذا فارق الرجل الجماعة فقد ترك حدود الإسلام وأحكامه. 

أيها المسلمون: إن الجماعة التي حثنا على لزومها شرعنا الإسلامي ونهانا عن التفرق عنها قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم، فهي تشمل لزوم الكتاب السنة وعدم الإعراض عنهما، وهذ المعنى هو أساس كل اتفاق، ومخالفته أساس كل افتراق، قال ابن تيمية رحمه الله : ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث وما يتبع ذلك، ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك وقدم غيره عليه " 

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى للجماعة فقال : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَةُ"  وفي رواية : "ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ، قال ابن تيمية: فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة" 

وأما المعنى الآخر للجماعة فهو لزوم إمام المسلمين وحاكمهم وولي أمرهم، قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ " البخاري ومسلم.  قال النووي: أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم " والمراد بالمفارقة كما نقله ابن حجر : هو السعي في حل البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق" . 

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني للجماعة في بعض أحاديثه، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في وصيته لأصحابه وأمته من بعده: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ "

فأمر صلى الله عليه وسلم بتقوى الله ولزوم سنته وهديه وهدي الصحابة من بعده وحذر من البدع والمحدثات، وهذا هو المعنى الأول للجماعة، ثم أمر وحث على السمع والطاعة لولي أمر المسلمين، وهذا هو المعنى الثاني للجماعة، فكانت وصيةً جامعةً منه عليه الصلاة والسلام لأمته. 

أيها المسلمون: إن في التزام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة نجاة وعصمة من الانحراف، مع ما يحققه ذلك من مقاصد عظيمة في الدين والدنيا، ومن هذه المقاصد تحقيق العبودية لله تعالى، وذلك باتباع الكتاب والسنة والعمل بما فيهما، وهذا هو المقصد الأعظم من وجود الخليقة، ومن المقاصد أيضا حفظ الأمن والاستقرار في المجتمع، فينزع الخوف، ويسود العدل، فيعطى كل ذي حق حقه، ومن مقاصد لزوم الجماعة حفظ الأعراض من أن تنتهك، والأموال من أن تنتهب، والأنفس من تسفك دماؤها، والعقول من أن تزول أو تطيش.

 ومن تأمل التاريخ الغابر، والزمن الحاضر الذي خرجت فيه فئام من الناس عن  أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة بمعنييها، رأى تهاوي هذه المقاصد رأي عين، فانشغل الناس بالثورات عن العلم والعبادة والذكر وقراءة القرآن وصار همهم متابعة الأخبار والقنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي وقراءة الصحف ، وسفكت الدماء فقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وانتهكت أعراض المسلمين، وصودرت أموالهم ونهبت، وطاشت عقولهم، كل ذلك لأنهم خالفوا الأمر النبوي بلزوم الجماعة وعدم مفارقتها، وتحقق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم " مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةِ اْلإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ" فضيعوا حدود الله باسم المطالبة بالحريات المكبوتة، فأوكلهم الله إلى أنفسهم فوقعوا في الذل والهوان مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: " وجعل الذل والصغار على من خالف أمري" 

فعليكم أيها المسلمون بلزوم الجماعة التي أمركم بها نبيكم، فتمسكوا بسنته وهديه، واحذروا البدع والمحدثات، واسمعوا وأطيعوا لولاة أمركم، ولا تشقوا عصا الطاعة، روى الإمام مسلم في صحيحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَخَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ فَيَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا لَا يَتَحَاشَى مُؤْمِنًا لِإِيمَانِهِ، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي، وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبِيَّةِ، أَوْ يُقَاتِلُ لِلْعَصَبِيَّةِ، أَوْ يَدْعُو إِلَى الْعَصَبِيَّةِ، فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ"


الخطبة الثانية : أيها المسلمون من نعم الله علينا أن وحد الله بين هذه الإمارات السبع، تحت راية واحدة، وحاكم واحد، فجُمِع الشمل، وتآلفت القلوب، وقوية الشوكة، وهابها العدو، وتبوأت مكانا عليا، وأفاض الله عليها من الخيرات فعاش الناس في رغد وخير عميم، وأمن واستقرار، وصحة وعافية، كل ذلك بفضل الله تعالى المنعم، ثم بفضل مؤسس هذا الاتحاد الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله تعالى وأسكنه الجنة، وبفضل إخوانه الحكام الذين بذلوا ما يستطيعون لرفعة هذا البلد وسعادة أهله . 

وبفضل الله تآلفت القلوب بين الراعي والرعية، فأحب الناس ولاة الأمر في هذه البلاد، وأقبل ولاة الأمر على الرعية يجالسونهم ويمدون يد العون لهم، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: " خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ " 

أيها المسلمون: هذه النعم تحتاج إلى شكر منا حتى تدوم وتزيد، وقد قال تعالى :" وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  " ، والشكر أولا إنما هو لله تعالى وذلك بالإقرار بهذه النعم في قلوبنا وعدم جحدها، ثم التحدث بها وعدم إنكارها، ثم العمل بشرع الله تعالى ولزوم هديه، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. 

ثم الشكر لولي أمرنا الشيخ خليفة وذلك بالسمع والطاعة له، والسعي إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف، ونبذ كل ما يفرق المسلمين، ويزرع التفرق والتباغض بينهم. 

ومِنْ واجباتِ الوفاءِ لِمَنْ أَسَّسُوا الاتحادَ وأَرْسَوْا دعائِمَهُ أَنْ نذْكُرَهُمْ بالدعاءِ، ونَخُصَّهُمْ بالذِّكْرِ والشُّكر والعِرفانِ، قال صلى الله عليه وسلم: " لَا يَشْكُرُ النَّاسَ مَنْ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لَا يَشْكُرُ فِي الْقَلِيلِ لَا يَشْكُرُ فِي الْكَثِيرِ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَالسُّكُوتَ عَنْهَا كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ " 

عباد الله: ليس من شكر نعمة الاتحاد ما يفعله البعض في هذه الأيام من طريقة خاطئة في التعبير عن حبهم للوطن عبر مخالفتهم لشرع الله ولأنظمة الدولة، مما أدى إلى وقوع حوادث أليمة، وإصابات بالغة، كل ذلك تحت شعار حب الوطن. 

يظهر ذلك جليا في ما يفعله الشباب من الذكور والإناث في المسيرات التي يكثر فيها تبرج النساء ورقصهن ومعاكسات الشباب وميوعتهم، وتلويث الشوارع بالنفايات، وإزعاج الآخرين بالضوضاء، خصوصا من أصحاب السيارات المخالفة التي تزود بأجهزة تضخم الصوت وتثير الضجيج .

أما عَلِمَ أولئكَ أنَّ التعبيرَ عن الولاء لهذا الوَطَنِ يَكْمُنُ في التَّضْحِيَةِ لأجلِهِ، والتعاونِ على الخَيرِ مع ولاةِ أمْرِه، والبذلِ والتَّضحيةِ والعَطاءِ -كلٌّ في مجالِهِ-؛ وذلك في سبيلِ تطويرِ وَطَنِنا الغالي وتَنْمِيَتِه .

فلنسع للقضاء على هذه الظواهر السلبية، ولنتعاون مع الجهات الرسمية على القضاء عليها، ولنظهر بمظهرنا الإسلامي، وعاداتنا الوطنية، من السماحة والتواضع وعدم التكبر والله يقول : " وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ "