الخميس، 9 يونيو 2016

خطبة جمعة : الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان

الخطبة الأولى : قال الله عز وجل في محكم التنزيل : "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" ، فمن فضائل شهر رمضان أن أنزل الله فيه القرآن ، لذلك كان السلف رحمهم الله يقبلون على قراءة القرآن فيه أكثر من غيره ، فعن ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

وقد دل هذا الحديث كما قال النووي – رحمه الله – على " استحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار ، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعلاه " .

ويدل قوله رضي الله عنه " وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان " على استحباب الإكثار من التلاوة ليلا ، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم ويتواطأ فيه القلب اللسان على التدبر كما قال تعالى:" إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا "  قال ابن كثير رحمه الله: " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ هُوَ  أَشَدُّ مُوَاطَأَةً بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَأَجْمَعُ عَلَى التِّلَاوَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا} أَيْ: أَجْمَعُ لِلْخَاطِرِ فِي أَدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُّمِهَا مِنْ قِيَامِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ النَّاسِ ولَغَط الْأَصْوَاتِ وَأَوْقَاتُ الْمَعَاشِ.

ويدل على ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه :  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَىْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِى فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِى فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ. وقال صلى الله عليه وسلم : " وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ . فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ.  فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ .فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ، أَوْ تَرْتِيلًا "

جماعة المسلمين : تلاوة القرآن وصية نبينا صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: " أَوْصَيْتُكَ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ أَزْيَنُ لِأَمْرِكَ كُلِّهِ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ "

ولقد جعل الله لنا بكل حرف حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها قال صلى الله عليه وسلم " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» فكم من الحسنات ضيعت وكم من الأوقات في القيل والقال أهدرت مما سيندم عليه العبد يوم القيامة .  

وقد أنثى الله عز وجل في كتابه على من يتلو كتاب الله عز وجل ووعدهم بالأجر العظيم فقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ "  قال أهل التفسير في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ) أي : يتبعونه في أوامره ، فيمتثلونها ، وفي نواهيه  فيتركونها، وفي أخباره فيصدقونها ويعتقدونها ، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال . ويتلون أيضا ألفاظه بدراسته معانيه، بتتبعها واستخراجها .

وقد أقبل السلف رحمهم الله على كتاب الله تلاوة وتدبرا وعلما وعملا حتى صار ذلك من صفاتهم قال الإمام الأوزاعي رحمه الله : كان يقال : خمس كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان : لزوم الجماعة واتباع السنة وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله". وسبب ذلك طهارة قلوبهم وخلوها من العوائق التي تصد عن ذكر الله وكلامه ، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : " لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل " وقال ابن القيم رحمه الله ( فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن ولا يتغذى إلا بحقائقه ولا يتداوى إلا بأدويته بخلاف القلب الذي لم يطهره الله تعالى فإنه يتغذى من الأغذية الفاسدة التي تناسبه بحسب ما فيه من النجاسة )

والعبد إذا لم يشعر بحلاوة القرآن في قلبه وضعف إقباله عليه فليحاسب نفسه، فإن في قلبه ما يصده عن الله وكلامه ، فعن الحسن البصري قال : تفقدوا الحلاوة في ثلاث : في الصلاة وفي القرآن وفي الذكر، فإن وجدتموه فامضوا وأبشروا وإن لم تجدوها فاعلم أن بابك مغلق" 

فتأثر القلب بكلام الله من صفات المؤمنين قال تعالى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  

فينبغي على المسلم أن يسارع باغتنام هذه الأيام المباركات ، وباستغلالها قبل الفوات ، فإنما هي أيام معدودات ، تمضي وتفوت ، فالسعيد الموفق من اغتنم الفرصة ، وفاز بالخير الكثير ، والخاسر المخذول من ضيع أيامه ولياليه ، في اللعب والتسلية. 


الخطبة الثانية : عباد الله ، من فضائل قراءة القرآن أن من جلس في المسجد يتلو كتاب الله ويتدارسه وعده الله بالرحمة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مَا اجْتَمَعَ قوم في بيت من بيوتِ اللهِ يَتْلُونَ كتابَ اللهِ تعالى ، ويتَدَارَسُونَهُ بينهم إِلا نَزَلَتْ عليهم السكينةُ ، وَغَشيَتهم الرحمةُ ، وحَفَّتهمُ الملائكةُ ، وذَكَرهُمُ اللهُ فيمن عِندَهُ "  فلم التكاسل عن هذا الخير يا عباد الله 
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ ( والناقة الكوماء هي الناقة العظيمة السنام وهي من أفضل أنواع النوق ) فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ»
فلنستغل أوقاتنا في بيوت الله، بتلاوة كتابه لنغنم هذا الأجر العظيم .

أيها المؤمنون : لقد رغبنا الله سبحانه في تلاوة القرآن بتدبر وتفهم، فقال سبحانه: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"  والتدبر هو أن يتفهم التالي معاني الآيات والحِكم الواردة فيها، وليس مجرد قراءة خالية من الفهم والتعقل، وقد كان الواحد من السلف إذا قرأ القرآن أيقن أنه هو المخاطب بآياته وأوامره ونواهيه، وليست مجرد كلمات تهذ وتقرأ كما يقرأ الشعر، قال ابن مسعود- رضي الله عنه- إذا سمعت في القرآن يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه.

وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم، فكان يتأثر بالقرآن إذا قرأه أو قرئ عليه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ عَلَيَّ .  قُلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟  قَالَ: إِنِّي أحب أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي . قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتُ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاَءِ شَهِيدًا) قَالَ لِي: كُفَّ أَوْ أَمْسِكْ. فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ .   فقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب في هذه الآية، فتأثر بها حتى بكى صلوات الله وسلامه عليه. 

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يتدبر الآيات وهو في صلاته، فروى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة... ـ إلى أن قال: ـ فإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. رواه مسلم.

وهذه طريقة السلف رحمهم الله في تعاملهم مع كتاب الله، يتلونه ويتدبرونه ويعملون بما فيه، فها هو أبو بكر الصديق رضي عنه الله كان لا يتمالك نفسه عند قراءته للقرآن من تأثره به ، قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا بكر يصلي بالناس: " إن أبا بكر رجل أسيف إن يقم مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة" ، والخليفة الراشد عمر رضي الله عنه قرأ مرة بسورة يوسف في صلاة الفجر، فلم يسمع من كان في أواخر الصفوف صوته من بكائه خصوصا لما قرأ قوله تعالى : "قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " ، وعن نافع مولى ابن عمر قال : ما قرأ ابن عمر بهاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "  ثم يقول : إن هذا  الإحصاء شديد " 

وعن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس إني سريع القراءة، إني أقرا القرآن في ثلاث. قال رضي الله عنه: لأن اقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ" وعن ابن مسعود قال : لاَ تَهُذُّوا الْقُرْآنَ كَهَذِّ الشِّعْرِ ، وَلاَ تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ وَلَا يَكُونُ هَمُّ أَحَدِكُمْ مِنَ السُّورَةِ آخِرَهَا . 

ومما يعين على تدبر الآيات قراءة ما كتبه أهل التفسير في تفسير كلام الله، فإن المفسر يجلي لك معاني الآيات فيسهل عليك تدبرها وفهم معناها.

قال ابن القيم: فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر... فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها ...، فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب " 

الجمعة، 3 يونيو 2016

خطبة الجمعة : نعمة إدراك شهر رمضان المبارك

الخطبة الأولى: أيها المسلمون خلق الله الخلق وأمرهم بعبادته وحده دون سواه فقال سبحانه " يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "  ، ووعدهم على عبادتهم وتوحيدهم له بالجنة فقال:"وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"، وأمرهم بالمسارعة في فعل الخيرات للتزود ليوم القيامة فقال سبحانه:"فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" ، ومن رحمة الله بعباده أن هيأ لهم مواسم تكثر فيها الخيرات وتضاعف فيها الحسنات، وقد جاء في الأثر : " افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده " ، ومن هذه المواسم موسم شهر رمضان الذي سيحل علينا بعد أيام قلائل.

إخوة الإيمان: إن إدراك المسلم لشهر رمضان فيصومه متقربا لله تعالى، مغتنما أيامه ولياليه، من أكبر النعم التي يمنها الله عليه، لأنه موسم فضائله متنوعة، وعباداته سهلة يسيرة، ولأجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر به أصحابه ويبين فضائله لتعلو هممهم، ويتسابقوا في فعل الخيرات، ويتنافسوا في القربات، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : « أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ». 

ما أعظمها من فضائل، وما أغنمها من فرص، أبواب السماء مفتحة لكم أيها الصائمون، وتغلق فيه أبواب النيران، ويعان فيه المسلم على الطاعة إذ تحبس مردة الشياطين فيخف شر العدو عليك أيها الصائم، ثم يكافؤ المؤمن الحريص والمشمر المسابق بليلة واحدة العبادة فيها خير من عبادة في ألف شهر إنها ليلة القدر.

ومن عجيب القصص والأخبار، مما يدلنا على أن إدراك رمضان من الفرص الكبار، ما جاء عن طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخِّرَ الآخَرُ بَعْدَ الْمَقْتُولِ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ. قَالَ طَلْحَةُ: رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فِي الْمَنَامِ، فَرَأَيْتُ الآخَرَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَوَّلِ، فَأَصْبَحْتُ فَحَدَّثْتُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَبَلَغْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى بَعْدَهُ سِتَّة آلَاف رَكْعَة وَكَذَا كَذَا رَكْعَة ".
فتأملوا يا رعاكم الله : أسلما جميعا، ومات أحدهما شهيدا، ومات الثاني بعده بسنة، ولكن فضل عليه بمزيد عمل عمله، ومنه إدراكه لشهر رمضان. 

فهذه النعمة بإدراك شهر رمضان تستوجبُ الشكرَ للباري، وتقتضي اغتنام هذا الشهر، بما يكونُ سبباً للفوزِ بدارِ القرارِ، والنجاةِ من النار، فمن حرم فضل هذا الشهر فهو المحروم ، وأي خسارةٍ أعظمُ من أن يدخلَ المرءُ فيمن دعا عليهم جبريلُ عليهِ السلام ، وأمنَّ على دعائهِ نبيُّ الأنامِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم حيثُ قال جبريل : ((من أدركَ شهرَ رمضانَ فلم يغفر له، فدخلَ النارَ فأبعدهُ الله قل: آمين، فقلت: آمين))

أيها المؤمنون : من الفضائل العظيمة لشهر رمضان أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن فقال تعالى " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ". وقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ الشَّهْرُ الذِي كَانَتِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ تَنْزِلُ فِيهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فصح عَنْ وَاثِلَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ لِثَلَاث عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ "

ومن فضائله العظيمة قوله صلى الله عليه وسلم " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ"

ومن فضائل هذا الشهر أنه مكفر للذنوب والخطايا وسبب للمغفرة قال صلى الله عليه وسلم" من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" 

قال الخطابي رحمه الله :قوله " إيمانا واحتسابا " أي نية وعزيمة وهو أن يصومَهَ على التصديقِ والرغبةِ في ثوابهِ طيبةً بهِ نفسهُ غيرَ كارهٍ له ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه ، لكن يغتنم طول أيامه لعظم ثوابه "

ومن فضائل هذا الشهر المبارك ما رواه البزار بسند صحيح عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال :  جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا قال من الصديقين والشهداء" 

فما أعظمه من أجر ، فمن جمع هذه العبادات اليسيرة كان من الصديقين والشهداء الذين يكونون مع أفضل الخلق قال تعالى : " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ، ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا" 

فاغتموا رحمكم الله هذا الشهر بالطاعات والعبادات، فإنكم لا تدرون هل تدركونه في مستقبل أعماركم أم يضمكم التراب، وتصيرون إلى أعمالكم . 



الخطبة الثانية : يقول الله جل وعلا :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا  كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  فالصيامَ من أكبرِ أسبابِ تحقيق التقوى؛ لأن فيهِ امتثالاً لأمرِ اللهِ واجتناباً لنهيه ، فالصائمَ يتركُ ما أحل الله له من الأكلِ والشربِ والجماعِ ونحوها التي تميلُ إليها نفسهُ متقرباً بذلك إلى الله راجياً بتركها ثوابهُ ، فهذا من التقوى ،  كما أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه باطلاع الله عليه وهذا فيه تحقيق لدرجة الإحسان وهي أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . 

والصائم ليله ونهاره في عبادة ، فقد ترك شهواته لله بالنهار تقربا إليه وطاعة له ، وبادر إليها في الليل تقربا إليه وطاعة فما تركها إلا بأمر ربه ولا عاد إليها إلا بأمر ربه فهو مطيع في الحالين .

قال أهل العلم : المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه : جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام ، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفِّيَ أجره بغير حساب"

أيها المؤمنون : إن عبادة الصيام التي تتقربون بها إلى الله في شهر رمضان من أجلِّ العبادات وأشرفها، فقد فضَّلهُ سبحانه على كثيرٍ من القرباتِ والطاعاتِ، ورفعَ منزلتهُ وميّزهُ على أنواعِ العباداتِ بقوله في الحديثِ القدسي ،" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ  " وفي رواية : " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا , إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ , إِلَى مَا شَاءَ اللهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي , وَأَنَا أَجْزِي بِهِ  يَدَعُ طَعَامَهُ , وَشَرَابَهُ , وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي "  . قال ابن رجب رحمه الله : " الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد ، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير عدد ، فإن الصيام من الصبر وقد قال الله (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)ا.هـ، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر "

والصوم له فضائل جمة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ" 
أي رائحة فم الصائم الكريهة بسبب خلو المعدة من الطعام بالصيام ، فهي أطيب عند الله تعالى من رائحة المسك الزكية، لأنها ناشئة عن طاعة لله وابتغاء مرظاته. 

قال ابن حجر: ويؤخذ من قوله (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) أنه أعظم من دم الشهادة، لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب.." 

وقوله صلى الله عليه وسلم(وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ ) فالفرحة الأولى : في الدنيا وتكون في موضعين، الأول عند فطره بعد غروب الشمس لأن النفس مجبولة على الفرح إذا أبيح لها ما منعت منه ، والثاني فرح عند نهاية الشهر . بإتمام العبادة ورجاء أن يوفيه ربه أجره .
أما الفرح الثاني فهو عند لقاء الصائم ربه سبحانه وتعالى ، يفرح لأنه يقال له "كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ  " ورد عن مجاهد قال: نزلت في الصائمين، يفرح الصائمون لأن ريحهم تفوح مسكا ، ولأن لهم بابا في الجنة لا يدخل منه غيرهم قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ فِى الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ » يفرحون لأن جزاؤهم من جنس عملهم، فكما أنهم أجاعوا أنفسهم في الدنيا لنيل مرضاة الله ، فكذلك يجازيهم الله بأن يشبعهم يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: فإن أطولكم جوعا يوم القيامة أكثركم شبعا في دار الدنيا " 

فافرحوا –رحمكم الله- بإدراككم شهر رمضان، واسألوا الله سبحانه وتعالى أن يعينكم على صيامه وقيامه، وانشغلوا فيه بأداء العبادات، فإنه شهر العبادة، فَاللَّهُمَّ سَلِّمْنَا إِلَى رَمَضَانَ, وَسَلِّمْ لَنَا رَمَضَانَ, وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا مُتَقَبَّلاً،واجعلنا فيه من عتقائك مِنَ النِّيرَانِ

الجمعة، 27 مايو 2016

خطبة جمعة : من أحكام الزكاة

الخطبة الأولى : عبادَ الله، من أركان الدين وفرائضه الزَّكَاةُ قَالَ تَعَالَى آمرا بها:( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»، فالزكاة فريضة معلومة من الدّين بالضّرورة، فرضيتُها ثابتة بالآيات القرآنيّة والسنّة المتواترةِ وإجماعِ الأمّة كلِّها، يوصَم بالفسق من منعَها، ويُحكم بالكفر على من أنكرَ وجوبَها.  

معاشرَ المسلمين، الزّكاة سببٌ للنّجاة من كلّ مرهوب، وطريقٌ للفوز بكلّ مرغوب قال تعالى: "فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى،  الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى،  وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى،  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى "  وسَبِيلٌ للرحمةِ والغُفْرانِ، قالَ تباركَ وتعالَى "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ" 
ونبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم يقول موجِّهًا للأمّة ومبشرا: ((اتقوا الله ربَّكم، وصلّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وأدّوا زكاةَ أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربّكم)) . 

ومن فوائد الزكاة أن لها تأثيرا على  السلوك وتهذيبا  للنفوس والقلوب من أمراض البخل والشح قال تعالى :" خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " ، فقوله (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) قال أهل التفسير: أي تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة، وتزيد في أخلاقهم الحسنة . 

إخوةَ الإيمان، لقد وجّه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الوعيدَ الشديد لمانِعي الزّكاة والمتهاونين فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاتَه مُثِّل له يومَ القيامة شجاعًا أقرع -أي: كناية عن أخبث الحيّات - له زبيبتان، يطوّقه يومَ القيامة، ثمّ يأخذ بلهزمَتَيه - يعني بشدقيه ، والشدق هو جانب الفم- ثمّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك))، ثم تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم قوله جلّ وعلا: " وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَة " ، وتأثير منع الزكاة والعقوبة عليه لا تشمل الفرد وحده بل يعم المجتمعات، فمتى ما منع قوم زكاة أموالهم ابتلاهم الله بالقحط وقلة المطر قال صلى الله عليه وسلم : (وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا) .

واحذروا رحمكم الله من وسوسة الشيطان فإنه يغري العبد بجمع المال وكنزه، ويخوفه من الفقر، يريد بذلك إهلاكه قال تعالى :" الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" . وقوله تعالى : (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) أي يأمر العباد بالبخل الذي هو من أقبح الفواحش وأسوأ الصفات الممقوتة في العبد. 

جماعة المسلمين : للزكاة أحكام لا بد للمسلم أن يتعلمها ويتفقه فيها ليكون على بينة من دينه، فالزكاة تجب على المسلم بتوافر شرطين هما ملك النصاب ملكا تاما مستقرا ، وأن يحول حول هجري كامل على المال الذي بلغ نصابا في حوزة مالكه لقول رسولِ  اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«مَنِ اسْتَفَادَ مَالاً فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ»، وهذا الشرط خاص ببهيمة الأنعام والنقدين وعروض التجارة ، وأما الزروع والثمار فلا يشترط لها الحول لقوله تعالى : "وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " 

وأما الأموال التي تجب فيها الزكاة فهي بهيمة الأنعام وتشمل الإبل والبقر والغنم ، والنقدان وهما الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من العملات الورقية المتداولة اليوم ، وتشمل عروض التجارة وهي كل ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح ويدخل فيها الأسهم التجارية ، وتشمل الخارج من الأرض كالحبوب والثمار .

وأما زكاة النقدين من الذهب والفضة والأوراق النقدية ، فتجب بملك النصاب ، ونصاب الذهب ما يساوي خمسة وثمانون جراما من الذهب الخالص، ونصاب الفضة تبلغ خمسمائة وخمسة وتسعين جراما ،ونصاب الأوراق النقدية يكون ببلوغها نصاب الذهب ويخرج منها ربع العشر ( 2.5) . 

ولا خلاف بين أهل العلم في وجوب الزكاة في الحلي المعد للادخار والإيجار وفي الحلي المحرم كالرجل يتخذ خاتما من ذهب ، وأما الذهب والفضة المعد للاستعمال والزينة فالصحيح وجوب الزكاة فيه لعموم النصوص الواردة في وجوب زكاة الذهب والفضة  . 

أما زكاة بهيمة الأنعام فتشمل الإبل والبقر والغنم ، وهي على أقسام ؛ القسم الأول أن تكون معدة للتجارة والبيع والشراء فهذه فيها زكاة ولو كانت أقل من نصابها الشرعي وسواء كانت معلوفة من قبل صاحبها أو ترعى من المرعى  ، والقسم الثاني  أن تكون معدة للحم والتوالد ، فإن كانت سائمة ترعى من المرعى الذي أنبته الله في الجبال والوديان ففيها الزكاة ، أما إذا كان صاحبها هو الذي يشتري لها العلف أو يزرعه لها فليس عليها زكاة  

القسم الثالث: وهي التي تأكل من المرعى ويعلفها صاحبها فالعبرة برعيها أكثر الحول ، فإن كان أكثر رعيها خلال العام من المرعى ففيها زكاة، وإن كان أكثر أكلها من العلف المشترى والمزروع فلا زكاة فيها. 

ونصاب الغنم والضأن أن من ملك أربعين شاة إلى مائة وعشرين شاة فيخرج  شاةً واحدة لا يقل عمرها عن سنة، فمن زاد إلى مائتين فيخرج شاتين ، ونصاب الإبل من ملك  من الإبل خمسا إلى العشرين ففي كل خمس شاة، فمن ملك خمسا أخرج شاةً واحدة ، وفي العشر شاتان، فإن بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي البكرة التي أتمت سنة.  وأما البقر فمن ملك ثلاثين بقرة فيخرج تبيعا وهو ما أتم من البقر سنة من عمره ودخل في الثانية ذكرا كان أو أنثى، ومن ملك أربعين فيخرج مسنة وهي البقرة التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة 

وأما زكاة الزروع الثمار فلا يراعى الحول في زكاة الزروع ، بل يراعى الموسم والمحصول لقوله تعالى { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } ، ونصابها كما قال صلى الله عليه وسلم (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) متفق عليه وهو ما يعادل تقريبا ستمائة وثلاث وخمسون كيلو جرام ، ويختلف مقدار زكاة الزروع بحسب الجهد المبذول في السقي ، ففي حال الري بماء المطر والعيون والآبار دون استخدام الآلات ففيها العشر من المحصول ، فإن استخدمت الآلات ففيه نصف العشر من المحصول وإن تم السقي بالمناصفة ففيه ثلاثة أرباع العشر 


الخطبة الثانية : جماعة المسلمين : مما يكثر السؤال عنه زكاة  الدين ، فإذا أقرضت شخصا مبلغا من المال على أن يسدده بعد فترة معينة ، فعند إخراج زكاة مالك هل تحسب مبلغ الدين مع مبلغ الزكاة ؟
قال بعض أهل العلم : والصحيح أنه تجب فيه الزكاة كل سنة ، إذا كان على غني باذل (بمعنى إن الدين مضمون السداد لكون المقترض لديه ما يسدد به ) فهو في حكم الموجود عندك .

أما إذا كان على مماطل أو معسر ( بمعنى أنه لا يستطيع السداد أو يتهرب من سداد القرض ) فلا زكاة عليه لأنه عاجز عنه ، ولكن إذا قبضه يزكيه مرة واحدة في سنة القبض فقط ولا يلزمه زكاة ما مضى.

وتجب الزكاة في الأموال المعدة للتجارة كالمحلات التجارية التي تحتوي بضاعة، بأن يحصى ما فيها مما هو معروض للتجارة، ويقوم بسعر السوق عند تمام الحول ثم تزكى مع الربح لأنه تابع لحول أصله، وكذلك تجب الزكاة في الأسهم المباحة، على تفصيل يسأل ملاكها عنها أهل العلم  .

للزكاة مصارف ثمانية تصرف فيها دون غيرها قال تعالى: " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"  

ولا تعطى الزكاة إلى الأقارب الذين يلزم المسلم الإنفاق عليهم كالأب والأم والأبناء ذكورا أو إناثا ولا الزوجة ، أما إذا كان الزوج فقيرا أو مسكينا والزوجة غنية فلها أن تعطيه من الزكاة، وتُعطى الزكاة للأخ والعم وغيرهم من الأقارب في حال كونهم مستحقين لها.

وتُؤَدَّى الزكاةُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ:« فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». فَإِنْ فَاضَ عَنْ حَاجَةِ الْبَلَدِ نُقِلَ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ أَشَدَّ حَاجَةٍ عَبْرَ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي حَدَّدَهَا الْحاكم

ويجب إخراج الزكاة على الفور مع الإمكان، ولقَدْ أنشأَتْ قيادَتُنَا الرشيدةُ صندوقَ الزكاةِ، الذِي يقومُ بدوْرٍ واضحٍ فِي جمْعِ أموالِ الزكاةِ وصرفِهَا لِمُستحقِيهَا وفْقَ أُسسٍ شرعيةٍ وعلميةٍ فِي التوزيعِ والعدالةِ، فعلينَا أَنْ نتعاونَ معَهُ لأداءِ رسالتِهِ، ولتحقيقِ التكافُلِ الاجتماعِيِّ، وتقويةِ أواصِرِ المحبةِ والمودةِ بيْنَ فِئاتِ المجتمعِ. وكذلك الجمعيات الخيرية الرسمية في الدولة فكلها جهات معتبرة موثوقة ، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.


الخميس، 19 مايو 2016

خطبة الجمعة : رفع الأعمال إلى الله

الخطبة الأولى : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لغاية عظمى وهي توحيده وعبادته فقال سبحانه : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" ، ووعدنا سبحانه بيوم نرجع فيه إليه لنحاسب على أعمالنا فقال : "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"  وَأَخْبَرَنَا أَنَّهَا سَتُوزَنُ بِمِيزَانِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فقَالَ سُبْحَانَهُ:( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ). وَاسْتِشْعَارُ الْمَرْءِ وُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِيُحَاسِبَهُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، يَجْعَلُهُ يُبَادِرُ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ اسْتِعْدَادًا لِيَوْمِ الْعَرْضِ الأَكْبَرِ، ولذلك حثنا سبحانه على المسارعة في الأعمال والاستباق إليها فقال : "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " 

وَ أَعْمَالُ النَّاسِ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كل يوم، و كُلَّ أُسْبُوعٍ يَوْمَيْ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، ثُمَّ تُرْفَعُ أَعْمَالُ السَّنَةِ كُلِّهَا فِي شَعْبَانَ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ، أما العرض اليومي فروى مسلم عَنْ أَبِى مُوسَى –رضي الله عنه- قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ " ، وَيَسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَلاَئِكَتَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَنْ أَعْمَالِ عِبَادِهِ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، وَصَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَلإِ الأَعْلَى لِيُبَاهِيَ بِهِمْ مَلاَئِكَتَهُ، فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَخَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقْتَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ؛ لأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِمَا أَدَلُّ عَلَى الإِخْلاَصِ؛ لِكَوْنِهِمَا وَقْتَ اشْتِغَالٍ وَغَفْلَةٍ. 

وَقَدْ نَبَّهَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) أَيْ: إِنَّ صَلاَةَ الْفَجْرِ تَشْهَدُهَا مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ. وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَخَصَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى -وَهِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ- بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ فَقَالَ تَعَالَى:( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). 

فَمَنْ أَدَّى صَلاَتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ حَازَ الأَجْرَ الْعَظِيمَ، وَاسْتَحَقَّ جَنَّةَ النَّعِيمِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». 

فَيَا فَوْزَ مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي جَمَاعَةٍ فَبَاهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مَلاَئِكَتَهُ فِي الْمَلإِ الأَعْلَى.

عِبَادَ اللَّهِ: وَتُعْرَضُ الأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عرضا أسبوعيا في يَوْمَيْ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُمَا، فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه ليومي الإثنين والخميس قَالَ:« ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». 

أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: وَتُرْفَعُ أَعْمَالُ الْعَامِ كُلِّهِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». فَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ سَبَبَ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ أَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، قال ابن رجب –رحمه الله- : وفيه دليل على استحباب عمارة أزمان غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب إلى الله عز وجل . 

فاجتهدوا رحمكم الله في طاعة ربكم، فإنكم في مواسم عظيمة ، تكثر فيها الأعمال وتضاعف فيها الأجور،  فَيَا فَوْزَ مَنِ اغْتَنَمَ مَوَاسِمَ الْخَيْرِ، فَاسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ، وَسَارَعَ إِلَى عَمَلِ الصَّالِحَاتِ، لِيَفُوزَ بِالْجَنَّاتِ. فَاللَّهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَاتِنَا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ .


الخطبة الثانية : جماعة المسلمين : لقد ورَدَ فِي فضل ليلةِ النّصْفِ مِن شعبانَ مِن طُرُقٍ كثيرةٍ أحاديثُ صحَّحَها بعض أهلُ العِلمِ ومن ذلك ما وَرَدَ عنْ معاذٍ بنِ جبلٍ رضيَ الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يطَّلعُ اللهُ إلى جميع ِخلقِهِ ليلةَ النصْفِ مِن شعبانَ، فَيَغْفِرُ لِجَميعِ خَلْقِهِ إلا لِمُشْرِكٍ أوْ مُشاحِنٍ))،وعن أبِي ثعلبةَ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((يَطَّلعُ اللهُ إلى عبادِهِ ليلةَ النصْفِ مِن شعبان، فيغفرُ للمؤمنين، ويُمْهِلُ الكافرين، ويدعُ أهلَ الحقد بِحِقدِهم حتى يَدَعُوه))

فهذه الأحاديث - أيها المؤمنون - فيها إثباتُ مغفرةِ الله تعالى فِي ليلةِ النصفِ مِن شعبانَ لِعبادِهِ إلا لِمُشْرِكٍ بأيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الشِّرْكِ ولِمُشاحِنٍ بينه وبين أخيه هجران وقطيعة.  

والشرك أمره عظيم جدا، خافه الأنبياء والصالحون، فقال إبراهيم عليه الصلاة السلام: " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ" قال إبراهيم التيمي رحمه الله: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. ، وخافه النبي صلى الله عليه وسلم على صحابته فقال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: (يَا أَبَا بَكْرٍ لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخر؟ قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ قَالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لما لا أعلم).

فعلينا أن نحاسب أنفسنا ونتوب إلى الله من شرك وقعنا فيه بجهل، ومن الشرك الحلف بغير الله، ومن الشرك الذهاب للسحرة والكهان، ومن الشرك الرياء وفعل الطاعات لأجل ثناء الناس، ومن الشرك الاستعانة بالجن والذبح لهم.

 أما الصِّنفُ الآخَرُ الذين حُرِمُوا تلكَ الليلةَ مِنْ تكفيرِ السيئاتِ ومَغفرةِ الذنوبِ فَهُمْ الْمُشاحِنُونَ وأهلُ الحقدِ؛ وهذا يدُلُّ على خطورةِ الشحناءِ والتباغُضِ بين المسلمين، فاحْرِصُوا عَلَى سَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَصَفَاءِ الْقُلُوبِ.

وَيَدْخُلُ في قوله صلى الله عليه وسلم: «أو مُشَاحِنٍ»: مخالفةُ سَبيلِ المؤمنينَ بالإعراضِ عن سُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم والخُرُوجِ عَنْ هَدْيِهِ، قالَ الإمامُ الأوزاعيُّ: المشاحِنُ كلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ فارَقَ عليها الأُمَّةَ.اهـ.

ولا شَكَّ أنَّ طريقَ الإحْداثِ في الدِّينِ عاقِبَتُهُ وَخِيمَةٌ سَيِّئَةٌ على صاحِبِهِ، فَقَدْ يَصِلُ به الحالُ إلى الحِقْدِ على السُّنَّةِ وأَهْلِها، وَكذلكَ مَنْ نَقَلَها إِلَيْنا مِنْ صَحَابةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ قَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعيدٍ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلا غَلَّ صَدْرُهُ عَلَى الْمُسْلِمين.اهـ، وقد تَتَشَرَّبُ البِدَعُ قَلْبَ العَبْدِ –والعِياذُ بِاللهِ-؛ حَتَّى تَصِلَ إلى حَمْلِهِ عَلَى اسْتِباحَةِ أَعْراضِ المـُسْلِمِينَ وأَمْوالِهم ودِمائِهِم، قال ابنُ ثَوْبانَ: المشاحِنُ: هو التَّاركُ سُنَّةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، الطَّاعِنُ على أُمَّتِهِ، السَّافِكُ دِماءَهُم.اهـ.

فأفضلُ الأعمالِ: سَلامَةُ الصَّدْرِ مِنْ أَنْواعِ الشَّحْناءِ كُلِّها، وَأَفْضَلُها: السَّلامَةُ مِنْ شَحْناءِ الأَهْواءِ والبِدَعِ التي تُوْدِي بِأَهْلِها إلى الطَّعْنِ على الصَّحابَةِ رضيَ الله عنهم وبُغْضِهِمْ والحِقْدِ عَلَيْهِمْ، ثم يَلِي ذلكَ: سَلامَةُ القَلْبِ مِنَ الشَّحْناءِ تُجاهَ مَنْ يتَّبعُ سَبِيلَهُم مِنَ المؤمنينَ، وإرادةُ الخَيْرِ لهم وإعانَتُهُم عليه، وَالنَصِيحَةُ لَهُم، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعالى المؤمنينَ بِأَنَّهُمْ يَقُولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) .

ومن الشحناء الهجر الذي يقع بين المسلمين، فلا يكلم الأخ أخاه أو عمه وخاله أو صديقه وصاحبه، قال صلى الله عليه وسلم : لا يَحلُ لمُسلمٍ يُصارم مُسلماً –أي يهجر- فَوق ثلاثِ ليالٍ، فإنَّهُما مَا صَارمَا فَوق ثلاثِ ليالٍ فَإنَّهُمَا نَاكِبان عَنِ الحَق مَا دَامَا عَلَى صَرامِهما، وَإِنَّ أَولَهُما فَيئاً يَكون كَفارةً لَه سَبقُهُ بِالْفَيْءِ، وَإِنْ هُما مَاتا عَلى صِرامِهما لَم يَدخلا الجنَّة جَميعاً " 



الجمعة، 13 مايو 2016

خطبة جمعة : ذكر الله تعالى

 جماعة المسلمين قال ربنا سبحانه وتعالى : "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ " قال ابن القيم رحمه الله: مبنى الدين على قاعدتين : الذكر والشكر، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ :إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ . فَقال: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ " . ا.هـ فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح.

وقد رغب الله سبحانه وتعالى في الإكثار من ذكره فقال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا " ، وبين جلّ وعلا أن من صفات أولي الألباب كثرة الذكر فقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" 

فمن أفضل الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى ربهم مع يسرها  ذكر الله سبحانه وتعالى،روى الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى . قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.

الله أكبر ! ما أعظمها من عبادة وما أيسره من تعبد ، " فإن حركة اللسان أخفُ من حركات الجوارح وأيسرها ولو تحرك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة بل لا يمكنه ذلك " 

ولأجل ذلك ورد في بعض الآثار أن أهل الجنة على ما هم فيه من النعيم الدائم فإنهم يتحسرون على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها، لأن ذكر الله غراسُ الجنة ، فكلما أكثرت من ذكر الله زاد غِراسك في الجنة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ  , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر غرس له بكل واحدة منهن شجرة في الجنة .

جماعة المسلمين : لذكر الله فوائد جمة تعود على العبد ، منها أنه يورث ذكر الله للعبد،  فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ مِنْ النَّاسِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ " قال ابن القيم " ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى به شرفا وفضلا  .

أيها المسلم أيعجز لسانك أن يقول وقت فراغه سبحان الله ،والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ، أتعجز عن هذا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه يقول  " لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ "  ، وروى ابن ماجة بسند صحيح عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا أَمَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ لَا يَزَالَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُ بِهِ . 

وتأمَّلوا هذا الثواب العظيم المترتِّب على هؤلاء الكلمات، عمل قليل وأجر كبير ، ومثله ما رواه مسلم عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ، كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» 

ذِكر الله – يا عباد الله - هو حياة القلوب فلا حياة لها إلا به ، روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) . فليس للقلوب قرار ولا طمأنينة ولا هناءة ولا لذة ولا سعادة إلا بذكر الله تعالى " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " 

ذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدَّة ، واليسر بعد العسر ، وفيه تفريج الكربات ، فما عولج كربٌ ولا أزيلت شدَّةٌ بمثل ذكر الله تبارك وتعالى ، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول في الكرب : ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ )) . 

بذكر الله يحفظ الله العبد من عدوه ومكائده وهو الشيطان الرجيم، قال تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ"

إِذَا دَخَلَ الْمَرْءُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ؛ نَعِمَ أَهْلُ الْبَيْتِ بِالْحَيَاةِ الْهَانِئَةِ الطَّيِّبَةِ، وَبِالطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ، لأَنَّ الشَّيَاطِينَ قَدْ طُرِدَتْ وَوَلَّتْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :« إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ». 

وَصَدَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذْ يَقُولُ :« مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ». فَإِذَا خَرَجَ الإِنْسَانُ مِنْ بَيْتِهِ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ خُرُوجِهِ هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لَهُ، وَكَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ، وَوَقَاهُ مِنْ شُرُورِ غَيْرِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ» فَأَصْبَحَ مِنَ الْمُطْمَئِنِّينَ، وَبِعِنَايَةِ اللَّهِ مِنَ الْمَحْفُوظِينَ، وَ« إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ»

وقال النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم-  « إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا ... فَجَمَعَ النَّاسَ فِى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلأَ الْمَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِى بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ : وذكر منهن " وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِى أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ 

عباد الله : إن فضائل الذكر كثيرة جدا ولا يتسع المقام لذكرها، فاجتهدوا رحمكم الله في ذكر ربكم، فإن في قلب العبد حاجة وخلة لا يسدها شيء إلا ذكر الله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.


الخطبة الثانية : روى الإمام أحمد في المسند وغيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَىَّ فَأَنْبِئْنِى مِنْهَا بِشَىْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ ، وفي رواية قال : " فبَابٌ نَتَمسَّكُ به جامعٌ"  فقَالَ صلى الله عليه وسلم « لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ». 
فعلى  العبد المسلم أن يذكر الله بنية خالصة مستحضرا لعظمة الله حاضر القلب ، يقول ابن القيم رحمه الله " وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان ، وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده " ، ولذلك فمن النافع جدا للذاكر أن يتعرف على معاني الأذكار ليستشعر دلالاتها فتستقر في القلب وتثمر ثمارها المرجوة ، وعدم معرفة معاني الأذكار تورث هجر الذكر وتركه .

واعلموا رحمكم الله : أن فضائل الذكر لا تتحصل للعبد المسلم إلا بشرطين هما إخلاص الذكر لله، ثم متابعة النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فمن أدى ذكر الله على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه لقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.

واعلموا رحمكم الله  أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله، قال عطاء " مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام : كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه ذلك " 
فيدخل في مجالس الذكر حضور مجالس تعليم العلم كحلقات تحفيظ القرآن والتجويد ، ودروس الفقه ،التي يدرس فيها أحكام العبادات والعقائد ، والمحاضرات الشرعية ونحوها.

ولمجالس الذكر فضائل عظيمة ومن ذلك ما رواه روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا . قَالَ : فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي ؟ قَالُوا : يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ . قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي ? قَالَ فَيَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ . قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي ؟ قَالَ يَقُولُونَ :لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا . قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي ؟ قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ ،قَالَ : يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ : يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ : يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ:  يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ : فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ : يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ : يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ : يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ  .

الخميس، 14 أبريل 2016

خطبة جمعة : عظم شأن الفتوى في الإسلام (القول على الله بغير علم - التصدر للفتوى- خطورة الفتوى بغير علم )

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين : قال الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" في الآية وعيد شديد لمن يتجرأ على القول في دين الله بغير علم ولا برهان، فإنه موصوف بالكذب والافتراء، ومتوعد بعدم الفلاح مع العذاب الشديد يوم القيامة، قال ابن القيم-رحمه الله- : "  فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ بِالْوَعِيدِ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِهِ، وَقَوْلِهِمْ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ: هَذَا حَرَامٌ، وَلِمَا لَمْ يَحِلَّهُ: هَذَا حَلَالٌ، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ إلَّا بِمَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَحَلَّهُ وَحَرَّمَهُ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ: أَحَلَّ اللَّهُ كَذَا، وَحَرَّمَ كَذَا، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْت، لَمْ أُحِلَّ كَذَا، وَلَمْ أُحَرِّمْ كَذَا؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ وُرُودَ الْوَحْيِ الْمُبِينِ بِتَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ أَحَلَّهُ اللَّهُ وَحرمه اللَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ أَوْ بِالتَّأْوِيلِ.

عباد الله: لقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، بَلْ جَعَلَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا مِنْهَا، فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} فَرَتَّبَ الْمُحَرَّمَاتِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ، وَبَدَأَ بِأَسْهَلِهَا وَهُوَ الْفَوَاحِشُ، ثُمَّ ثَنَّى بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ وَهُوَ الْإِثْمُ وَالظُّلْمُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْهُمَا وَهُوَ الشِّرْكُ بِهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ رَبَّعَ بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ، وَهَذَا يَعُمُّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِلَا عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَفِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ.

معاشرَ المسلمين، التّصدُّر للفتوَى في دين الله أمرٌ عظيمٌ وشأنٌ كَبير، لا يجوزُ الإقدامُ عليه إلاَّ لمن كان ذا عِلمٍ ضَليعٍ وعقلٍ سَديد، جثَا بالرُّكَب أمامَ العلَماءِ الربانيِّين، وسَهرَ الليالي لتحصيل أدلةّ الوحيَين والتبصُّرِ بقواعد ومقاصد الدين.

وعلى هذا المنهجِ تربّى السلَف الصالحون، وتواصى عليه العلماءُ الربانيون، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: (أيُّ سماء تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إن أنا قُلتُ في كتاب الله ما لا أعلم)، ويقول عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: "أدركتُ عشرين ومائةً من أصحابِ رسول الله ، فما كان مِنهم مُحدِّثٌ إلاَّ ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا مُفتٍ إلاَّ ودَّ أن أخاه كفاه الفُتيا".

وَكَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَعْرِفُونَ لِلْفُتْيَا قَدْرَهَا وَيَهَابُونَهَا، وَيَوَدُّ أَحَدُهُمْ أَنْ تَبْتَعِدَ عَنْهُ بِأَجْرِهَا وَوِزْرِهَا، قَالَ أَصْحَابُ الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ مَالِكٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَيَحِقُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ, وَقَدْ جَعَلَهُ السَّائِلُ الْحُجَّةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ, يَعْمَلُ بِمَا قَالَ, وَيَصِيرُ إِلَى فَتْوَاهُ، وَهَذَا مَقَامٌ خَطِرٌ, وَطَرِيقٌ وَعِرٌ. كَيْفَ لاَ؟ وَهُوَ سَيُسْأَلُ عَنْهُ أَمَامَ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلاَهُ؛ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْلاَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَضِيعَ الْعِلْمُ مَا أَفْتَيْتُ أَحَدًا, يَكُونُ لَهُ الْمَهْنَأُ وَعَلَيَّ الإِثْمُ" ، وقد روى أبو داود عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" .

يا معاشر طلبة العلم والأئمة والوعاظ: لا يخجلن أحدكم أن يقول لما لا يعلم لا أعلم، فقد قالها من هو خير منك، فلقد استفتي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المسائل والأحوال، وكان يؤخر الجواب لحين نزول الوحي عليه من الله، ومن ذلك ما رواه مسلم عن جَابِر بْنَ عَبْدِ اللَّهِ-رضي الله عنهما- قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِى مَاشِيَيْنِ فَأُغْمِىَ عَلَىَّ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِى فِى مَالِى؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلاَلَةِ) . 

وها هو ابن عمر رضي الله عنه وقد عدّه أهل العلم من المكثرين في الفتوى، يسأله السائل فيجيبه بلا أعلم، فعَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قال: خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ نَمْشِي، فَلَحِقَنَا أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَأَلْت عَنْك فَدُلِلْت عَلَيْك، فَأَخْبِرْنِي أَتَرِثُ الْعَمَّةُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: أَنْتَ لَا تَدْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ؛ اذْهَبْ إلَى الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ فَاسْأَلْهُمْ. وهذا الصحابي الجليل والعالم البحر عبد الله بن مسعود الذي قال عن نفسه:" وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْت إلَيْهِ" يقول موصيا أهل العلم: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ بِهِ؛ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ: " اللَّهُ أَعْلَمُ " فإن من علم المرء أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم . فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} وقال كذلك: " مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ " 

وَسُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ  – وهو إمام دارالهجرة-: عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهَا مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} .، وها هو الإمام أحمد بن حنبل- إمام أهل السنة- أمير المؤمنين في الحديث يقول عنه ابنه عَبْدُ اللَّهِ: كُنْت أَسْمَعُ أَبِي كَثِيرًا يُسْأَلُ عَنْ الْمَسَائِلِ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي وَيَقِفُ إذَا كَانَتْ مَسْأَلَةٌ فِيهَا اخْتِلَافٌ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ: سَلْ غَيْرِي، فَإِنْ قِيلَ لَهُ: مَنْ نَسْأَلُ؟ قَالَ: سَلُوا الْعُلَمَاءَ، وَلَا يَكَادُ يُسَمِّي رَجُلًا بِعَيْنِهِ"

فما بال الناس يتسابقون في الفتوى ويتصدرون لها ولما يحسنوا العلم، وحالهم كما قال :"َبُو حُصَيْنٍ الْأَسَدِيُّ: إنَّ أَحَدَهُمْ لِيُفْتِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ.

فالقول على الله بلا علم من المهالك التي يردي فيها الشيطان الناس قال تعالى "وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ"


الخطبة الثانية : أيها المسلمون: لا يتجرأ على الكلام في دين الله بلا علم إلا الجهلة ودعاة الفتن والضلال، الذين يسعون جاهدين إلى إضلال الناس كما قال صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا ، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا »

ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الفئة التي تفتي الناس بغير علم فيضلونهم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « سَيَأْتِى عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ فِى أَمْرِ الْعَامَّةِ » وفي رواية : " الفويسق يتكلم في أمر العامة " والرجل التافه يقصد به أهل البدع ومن لا علم عنده فيتكلم في أمور المسلمين العامة وما يتعلق بأمنهم وبلادهم، وقد أمرنا بردها إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الحكم والعلم لا إلى مثقفي الفضائيات والتويتر ، قال تعالى : "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا" ، وقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إِلَّا الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ" .

جماعة المسلمين: إن عليكم مسؤولية عظيمة تتمثل في طلبكم العلم الشرعي لما تحتاجونه من أمور العقيدة والفقه والمعاملات، فإن جهلتم شيئا فقد جعل الله لكم سبيلا ترجعون إليه وهم أهل العلم فقال سبحانه: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" وقال صلى الله عليه وسلم "أَلَا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا، إنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» " فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الجهل بالحكم الشرعي مرضاً وشفاؤه في سؤال أهل العلم.

والواحد منا في أمور دنياه يبحث عن المتخصصين وأهل الخبرة، فعلام يستهين بأمر دينه فيسأل من لا علم له، أو من لا يُعرف بعلم، قال محمد بن سيرين رحمه الله: إن هذا العلم دين فاعرفوا عمن تأخذون دينكم. 

ولا تبرأ الذمةُ بسؤالِ أي أحد بل لا بد من اختيارِ أصحابِ العلم من المفتين قال ابن القيم رحمه الله " ولا يظنُ المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن سواء تردد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن ...أو لعمله جهل المفتي أو محاباته في فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة " أ.هـ كلامه يرحمه الله  

وإن من خطورة الفتوى بغير علم تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، واستحلال الأعراض بغير دليل ولا برهان صحيح، والجرأة على التكفير والخروج عن طاعة الإمام، وسفك الدماء.


الخميس، 7 أبريل 2016

خطبة الجمعة : الشبهات ( خطرها - أسباب انتشارها- طريق النجاة منها )

الخطبة الأولى: قال الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:"يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" في الآية  تحذير من الله العزيز الحكيم لعباده المؤمنين من يوم القيامة، الذي يحشر الناس فيه إلى ربهم، ثم توفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون، ففي ذلكم اليوم لا ينتفع العبد بمال ولا ببنون، ثم بين سبحانه صفة الناجين بقوله (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) والقلب السليم هو قلب المؤمن السالم من كل شبهة في الدين كالشرك بالله والبدع والرياء، والسالم من كل شهوة في الدنيا من الذنوب والمعاصي.

والفتنة في الدين إنما تقع في هذين الأمرين :شبهة تحرف المسلم عن الحق والصراط المستقيم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وشهوة تورثه غفلة تنسيه ربه ولقاءه، فيقع العبد في الخسران المبين، وإنما يسلم العبد من الشبهات بالعلم واليقين بالله وبآياته وأحكامه، ويسلم من الشهوة بالصبر على تركها والإعراض عنها والإقبال على ما أحله الله له من الطيبات، لذلك جعل الله نيل الإمامة في الدين بأمرين: اليقين والصبر ، فقال الله سبحانه : " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ"

وخطر الشبهات على الدين عظيم جدا، لأنها تفضي بالعبد إلى الكفر بالله والنفاق والوقوع في البدعة وتحريف الشريعة، ومن خطرها أنها تظهر للناس في صورة آية قرآنية، أو حديث نبوي، أو قول لعالم ولكن يستدل بها على غير الطريقة الصحيحة، فيغتر بها من لا علم له ولا بصيرة، لذلك حذرنا الله ورسوله من اتباع الشبهات وترك المحكمات الواضحات، قال تعالى : "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" ، ولما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية قال : « إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».

وفتنة الشبهات تنشأ تارة من فهم فاسد وتارة من نقل كاذب وتارة من حق فائت خفي على الرجل فلم يظفر به وتارة من غرض فاسد وهوى متبع فهي من عمى في البصيرة وفساد في الإرادة .

ومن يلجأ إلى المتشابهات ويترك المحكمات فقد حكم عليه ربه بأنه من أهل الزيغ فقال :" فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ" قال ابن كثير رحمه الله :" أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، ... فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: { ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم " 

جماعة المسلمين: لانتشار الشبهات بين الناس أسباب منها علماء السوء ودعاة الفتن الذين يسعون لإضلال الناس، وقد حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لحذيفة بن اليمان لما سأله: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ « نَعَمْ ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا » . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا . قَالَ « هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا »، وفي رواية لمسلم "وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ " فقصدهم إضلال الناس عن دين الله، وجاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه – أنه قال : (( لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله ، أما إني لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام ، ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه ".

وربما كان إظهار الشبهات والدعوة إليها من أجل طلب الشهرة والعلو بين الناس، روى عبد الرزاق في مصنفه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: تَكُونُ فِتَنٌ يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ الْقُرْآنُ، حَتَّى يَقْرَأَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَيَقْرَأَهُ الرَّجُلُ فَلَا يُتَّبِعُ، فَيَقُولَ: وَاَللَّهِ لَأَقْرَأَنَّهُ عَلَانِيَةً، فَيَقْرَأَهُ عَلَانِيَةً فَلَا يتبعه أحد، فيقول: قد قرأته علانية فلا أراهم يتبعوني، فَيَتَّخِذُ مَسْجِدًا وَيَبْتَدِعُ فيه قولا أو حديثا، ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ ".

ومن أسباب انتشار الشبهات وظهورها جهل الناس بأحكام الشرع، وإعراضهم عن طلب العلم على العلماء وطلبة العلم من أهل السنة والجماعة، وإقبالهم على القصاصين والوعاظ ومفسري الأحلام ممن لا علم لهم، فيسألونهم فيفتوهم بالضلال، قال صلى الله عليه وسلم - (( إنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزعهُ مِنَ النَّاسِ،وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً ، فَسُئِلُوا فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا )).

وبسبب القَصَصِ وانتشار القُصَّاص اندس كثير من أصحاب الفكر المنحرف في صفوفهم حتى أقبل الناس عليهم، فصاروا يدسون السم في العسل،  فلما تمكنوا من قلوب الناس وعقولهم، ووقعت الفتن، أظهروا عقائدهم الفاسدة، وتكلموا بمقالاتهم المخالفة، فأثروا في فكر كثير من الناس، قَالَ البربهاري –رحمه الله- : "مثل أصحاب البدع مثل العقارب يدفنون رؤوسهم وأبدانهم فِي التراب ويخرجون أذنابهم فَإِذَا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع هم مختفون بين الناس فَإِذَا تمكنوا بلغوا ما يريدون " ، ومما سهل ظهورهم في زماننا وبكثرة وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي أظهرتهم في صورة المعتدلين الوسطيين، وهم أهل إفراط وانحراف. 

الخطبة الثانية : جماعة المسلمين ، أهل السنة والجماعة ينقادون لنصوص الشرع ويعظمونها، ويردون ما أشكل عليهم منها إلى المحكمات الواضحات، وإلى سؤال أهل العلم الراسخين، قال تعالى : " وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" ، أما أهل الزيغ والانحراف فلهم موقف آخر من النص الشرعي، وإن كانوا في الظاهر متمسكين وقائلين به، فيغتر بهم العامة، حيث جعلوا النص الشرعي تابعا لهم ولآرائهم وأهوائهم، فإذا جاء النص موافقا لما معهم ذكروه اعتضادا لا اعتمادا ، وإذا خالف النص ما هم عليهم حرفوا معناه بمعاول التأويل، وقد ذم الله هذا المسلك فقال : " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " ، وفي وصية عمر بن عبد العزيز-رحمه الله - لابنه إذ قال له : ( ولا تكن ممن يقبله إذا وافق هواه، ويدعه إذا خالف هواه، فإذا أنت لم تؤجر فيما قبلت منه، ولم تنج من الإثم فيما دفعت منه إذا خالفك" 

وبسبب اتباع أهل الزيغ لهوائهم وقصدهم السيء في فتنة الناس عن دينهم عمدوا إلى قواعد وتأصيلات فاسدة، ونسبوها إلى الدين قال النخعي – رحمه الله- في وصف حالهم : دققوا قولا واخترعوا دينا من قبل أنفسهم، ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا هو الحق وما خالفه باطل "

ثم حرفوا الاستدلال بالنصوص الشرعية لتوافق ما قرروه وقعدوه للناس، قال ابن تيمية رحمه الله في بيان طريقته : وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعا لهم فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم" وهذا مسلك سوء وبدعة، قال وكيع بن الجراح رحمه الله : من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي به رأيه فهو صاحب بدعة " 

ومن طريقة أهل الزيع الذين يتبعون المتشابه كتمانهم للنصوص المحكمات التي تبين فساد أقوالهم، قال ابن تيمية في وصف حالهم : فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ويبغض من يفعل ذلك كما قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه" ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري -رحمه الله- في كتاب خلق أفعال العباد بسنده أن جهما قرأ في المصحف، فلما أتى على هذه الآية {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} -وهو ينكر الاستواء- فقال: "والله لو قدرت لحككتها من المصحف" ،  وأما لا يستطيعون كتمه وإخفاءه فإما أن يضعفوا إسناده أو يحرفوا معناه بما يخدم عقائدهم المنحرفة .

عباد الله : إن سبيل النجاة من مهالك الشبهات والشهوات يكون باللجوء إلى الله تعالى وسؤاله الهداية، ولذلك شرع الله للعبد أن يسأله الهداية في اليوم والليلة أكثر من سبع عشرة مرة في قوله تعالى " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" ثم بسلوك سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه رضوان الله عليهم، ثم بلزوم العلماء من اهل السنة والجماعة الذين يعلمون الناس العقيدة الصحيحة ويربونهم على تعظيم النصوص واتباعها، مع الحذر من الاستماع لأهل الزيغ والانحراف ولو كانوا يبكون الناس بكلامهم، ويخشعون القلوب بأقوالهم فإن عاقبة اتباعهم وخيمة، مع الإعراض عن الشبهات والاستماع لها قال صلى الله عليه وسلم: فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ " .

ومما ينجي العبد من الشبهات لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، فهذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم عند ظهور الشبهات فلما قال لحذيفة : دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا » . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا . قَالَ « هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا » . قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ قَالَ « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ » . قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ » فهي وصية عظيمة، ومنهج نجاة .

ثم علينا يا عباد الله أن نهتم بغرس هذه القيم في أبنائنا وأسرنا، لنقيهم بإذن الله من شر الشبهات والشهوات ويسلموا في الدنيا والآخرة