الخميس، 30 مايو 2013

خطبة جمعة : من أسباب البركة في الرزق

الخطبة الأولى: 

اعلموا رحمني الله وإياكم أن الله عز وجل قد تكفل بأرزاق العباد وحددها من قبل أن يظهروا في  هذه الدنيا قال صلى الله عليه وسلم ( إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد "

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يستبطئن أحد منكم رزقه فإن جبريل ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله " 

ورغب ديننا في اكتساب الحلال ورهب وحذر من اكتساب الحرام ، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) البقرة: ١٧٢  ، وقال صلى الله عليه وسلم :" أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِى الطَّلَبِ ، فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِىَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِى الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ "  

وإذا أراد الله بعبده خيرا بارك له في ما آتاه من رزق ، والبركة هي كثرة الخير ودوامه  ، ولحصول هذه البركة التي من هي من الله سبحانه وتعالى في الرزق أسباب إذا حصلها العبد حلت له البركة في ماله ونفسه ، ومن هذه الأسباب تقوَى اللهِ عزَّ وجلَّ التِي هيَ سببُ لحصول جميع البركاتِ في الدنيا والآخرة ، وأساسُ العطايَا والخيراتِ ، قالَ تعالَى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) الأعراف: ٩٦، وتتحقق التقوى للعبد في طلبه للرزق بامتثال أوامر الله تعالى في طلبه للحلال وبعده عن الشبهات وحسن تعامله مع الناس ، وباجتناب ما عنه نهى وزجر من طلب الحرام وغش الناس 

ومن أسباب حصول البركة في الرزق كثرة الاستغفار ، فبالاستغفارِ تُسْتَمْطَرُ البركاتُ، وينْزلُ الغيثُ ويكثرُ المالُ والبنونَ، قالَ تعالَى (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) نوح: ١٠ - ١٢ قال القرطبي : في هذه الآية ... دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً ، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ » 
جماعة المسلمين : ومِنْ أسبابِ البركةِ فِي الرزقِ: الصدقُ فِي المعاملاتِ، وتركُ الغشِّ والكذبِ وغيرِهِمَا مِنَ الأُمورِ التِي تَمْحَقُ البركةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا » ، فقوله (فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا ) أي بين كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن وصدق في ذلك ، كثر نفع المبيع والثمن 

ثم قال :( وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ) والمحق هو النقصان وذهاب البركة ، وقيل هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه أثر 
واليمين الكاذبة في البيع من أسباب تخلف البركة عن الرزق قال صلى الله عليه وسلم : " الحَلِفُ مَنفَقَةٌ للسلعةِ ، مَمَحَقَةٌ للبركة " قال العلماء : أوضح الحديث أن الحلف الكاذب وإن زاد في المال فإنه يمحق البركة ، فيؤدي إلى قلة العدد في الدنيا ونقص الأجر في الآخرة  

ومِنْ أسبابِ البركةِ فِي الرزقِ – والتي يغفل عنها كثير من الناس -  صلةُ الأرحامِ وودُّهُمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ » قال العلماء : معنى البسط في الرزق البركة فيه ، فَصِلُوا عبادَ اللهِ أرحامَكُمْ، وأَدْخِلُوا عليهِم السرورَ، فمَنْ وصلَهُمْ وصلَهُ اللهُ تعالَى، وبارَكَ لَهُ فِي رزقِهِ 

اللهُمَّ ارزقْنَا رزقًا حسنًا وبارِكْ لنَا فِيهِ ، وارزقْنَا شكرَ نعمتِكَ وحُسْنَ عبادتِكَ .


الخطبة الثانية : 

أيهَا المؤمنونَ: ومِنْ أسبابِ البركةِ فِي الرزقِ: شكرُ اللهِ عزَّ وجلَّ علَى إحسانِهِ ، فالشكرُ دليلُ الرضَا وعنوانُ الزيادةِ قالَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم) إبراهيم: ٧ ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " إن النعمة موصولة بالشكر ، والشكر يتعلق بالمزيد ..، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد " 

ومِنْ أسبابِ البركةِ فِي الرزقِ : القناعةُ وتركُ الحرصِ والطمعِ ، فعَنْ حكيمِ بنِ حزامٍ : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لهُ :« يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ » 
فقوله (أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ ) أي بغير شره ولا إلحاح ولا إشراف وتطلع ، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من تقنع بما آتاه الله من الرزق فقال : " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه " 
وأما الطمع فعاقبته كما قال صلى الله عليه وسلم " وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ " فتمنع البركة عنه ولا ينتفع صاحب المال به بل يكون وبالا عليه 

ومن أسباب حصول البركة في الرزق الأخذُ بالأسبابِ وإتقانُ العملِ ، فالموظف إذا أراد أن تحل البركة في ماله ورزقه فليتقن عمله كما هو مطلوب منه على الوجه الأكمل سواء بالحضور والانصراف في الوقت المحدد ، أو أداء ما يوكل إليه من مهام وظيفية ، فلا يؤجل عمل اليوم إلى الغد ، أو يؤخر مصالح الناس ، أو يستغل أموال الدولة العامة في مصالحه الشخصية ، أو أن يقدم إلى جهة عمله إجازة طبية وهمية لكي يتغيب عن العمل ولا يعاقب ، أو ينشغل عن العمل بقراءة الجرائد وتصفح الإنترنت ومتابعة الأسهم أو نحو ذلك من الأمور الشخصية ، فكل ذلك من أسباب محق البركة في الرزق ، فالأجر وهو الراتب في مقابل العمل فإذا أدى الموظف عمله استحق أجره ، وإن أهمل وأخل نقص من أجره وراتبه على قدر إخلاله وإهماله ، وكان ما يأخذه من أجر مع هذا الإخلال والنقص سحت وحرام  .



خطبة جمعة : عبر ودروس من الإسراء والمعراج

الخطبة الأولى :جماعة المسلمين :اعلموا رحمكم الله أنّ الله تعالى قد اصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، وخصهُ بخصائصَ عديدة وفضائلَ كثيرة، فاق بها الأولين والآخرين، فمن خصائصه العظيمة خبر الإسراء به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أولاً، ثم العروج به إلى السماء ثانيًا، تلك الرحلة العجيبة والآية العظيمة الباهرة.
يقول ربنا عز وجل " {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (1) سورة الإسراء
إن الإسراء والمعراج من المعجزات الإلهية التي أيد الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، وثبت بها فؤاده فقد اشتد إيذاء قومه له بأن كذبوه وسبوه، ولما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الله رموه بالحجارة حتى أدموا قدمه صلى الله عليه وسلم ، ولما عاد فوجئ بمرض عمه الذي كان يحوطه ويحميه، ثم وفاته، وتبع ذلك وفاة زوجته خديجة رضي الله عنها. 

أيها المسلمون : الإسراء والمعراج وقع للنبي صلى الله عليه وسلم حقيقة لا مناما ، وبالروح والجسد جميعا، فأسري به من المسجد الحرام بمكة المكرمة، إلى المسجد الأقصى بفلسطين، ثم عرج به إلى السماء ، وكل ذلك جرى في جزئ يسير من الليل ، وهذا دليل على قدرة الله الذي لا يعجزه شيء في السماء والأرض { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} (44) سورة فاطر 
ونحن معاشر المسلمين ، علينا أن نستعرض في قلوبنا ذكريات الإسراء والمعراج ، وأن نتفهم معانيها ونستخلص منها الدروس والعبر ، والتي من أهمها : 

أن فيها علو مرتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث رفعه الله مكانا عليا ، لم يصله ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فقال صلى الله عليه وسلم " وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ.  فقال أنس بن مالك راوي الحديث: ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ  " وعند أحمد والترمذي بإسناد صحيح (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ. قَالَ فَارْفَضَّ عَرَقًا. "  فينبغي علينا أن نعرف لنبينا حقه ومكانته ، وذلك بطاعته في ما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر ، وتصديقه فيما أخبر وأن لا نعبد الله إلا بما شرع قال تعالى  {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (31) سورة آل عمران 

ومن الدروس والعبر ، أهمية الصلاة ورحمة الله ورسوله بهذه الأمة ، حيث فرضت الصلاة فوق السموات السبع وبلا واسطة ، قال صلى الله عليه وسلم ( ثم فرضت علي خمسون صلاة كل يوم  ، قال فرجعت فأتيت موسى عليه السلام فقال : ما صنعت ؟ قلت : فرضت علي خمسون صلاة كل يوم . فقال إني والله أعلم بالناس منك ، إني عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، وإن أمتك لن يطيقوا ذلك فارجع إلى ربك فأسأله أن يخفف عنك " 
قال صلى الله عليه وسلم : فلم أزل بين ربي وبين موسى ، ويحط عني خمسا خمسا ، حتى قال : يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسئية فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة " 
أفيعجز الواحد منا أن يؤدي لله في اليوم والليلة خمس صلوات ، ويحصل على أجر خمسين صلاة ، لقد تهاون كثير من المسلمين في أمر الصلاة فمنهم من أخرها عن وقتها بسبب اللعب والانشغال بأمور الدنيا ، وبعضهم لا يصلي إلا الجمع والأعياد ، وآخرون قد طبع على قلوبهم فتركوا الصلاة مطلقا.  
فتأمل أخي رحمه الله ورسوله بهذه الأمة بأن خفف عنهم الصلاة من خمسين إلى خمس في العدد ، وخمسين في الأجر ، ألا فاشكروا الله على هذه النعمة بأن تقيموا الصلاة لربكم كما علمكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم 

ومن الدروس والعبر في قصة المعراج إثبات صفة العلو لله عز وجل وأنه سبحانه فوق السماء السابعة فوق العرش مستو على عرشه استواءً يليقُ بجلالهِ وعظيمِ سلطانهِ ، قال تعالى ( الرحمن على العرش استوى " أي علا وارتفع ، وقال سبحانه (سبح اسم ربك الأعلى ) وقد أجمع الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة أهل السنة على أن الله فوق سمواته على عرشه دل على ذلك القرآن والسنة والإجماع والفطرة السليمة .

عباد الله ، في حادثة المعراج يتبن لنا فضل هذه الأمة على باق الأمم ، فهي أكثر أهل الجنة عددا ، قال صلى الله عليه وسلم (فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، فَقِيلَ: مَا أَبْكَاكَ فَقَالَ: يَا رَبِّ هذَا الْغُلاَمُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخلُ مِنْ أُمَّتِي )  وسبب ذلك -عباد الله - هو توحيد هذه الأمة لله عز وجل ، لأن الجنة إنما هي للموحدين الذين أخلصوا العبادة لله وحده دون سواه فلم يشركوا به شيئا ، قال تعالى { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (72) سورة المائدة ، ألا فتعلموا التوحيد وعلموه أولادكم ، وخافوا الشرك والوقوع فيه ، فمن أشرك بالله فقد ضل ضلالا مبينا   .

وفي المعراج رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أصنافا من أنواع العذاب  ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَمَّا عُرِجَ بِى مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِى أَعْرَاضِهِمْ)  ألا فحاسبوا أنفسكم ؟ هل تصبرون على هذا العذاب ؟ بسبب الكلام في أعراض الناس وغيبتهم والكذب عليهم ، والتلذذ بذلك ، ألا فكفوا ألسنتكم عن الناس وعيوبهم وانشغلوا بأنفسكم قال صلى الله عليه وسلم " وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ  "  
  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (18) سورة الحشر  



الخطبة الثانية : عباد الله لقد رأى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الجنة وما أعد الله لأمته من النعيم المقيم ، وقد رأى صلى الله عليه وسلم نبي الله إبراهيم-عليه السلام- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 
"لقِيْتُ إبْرَاهِيمَ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي ، فَقَالَ : يَا مُحَمّدُ أقْرِىءْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ ، وَأَخْبِرْهُمْ أنَّ الجَنَّةَ طَيَّبَةُ التُّرْبَةِ ، عَذْبَةُ الماءِ ، وأنَّهَا قِيعَانٌ وأنَّ غِرَاسَهَا : سُبْحَانَ اللهِ ، والحَمْدُ للهِ ، وَلاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ ، واللهُ أكْبَرُ " ألا فأكثروا من ذكر الله عز وجل ومن قراءة القرآن .

ورأى صلى الله عليه وسلم الكوثر فقال صلى الله عليه وسلم (بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذْ عُرِضَ لِي نَهَرٌ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ.قَالَ: فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ -عَزَّ وَجَلَّ – قَالَ: فَضَرَبْتُ بِيَدَيَّ فِيهِ فَإِذَا طِينُهُ الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ وَإِذَا رَضْرَاضُهُ اللُّؤْلُؤُ)  .

ومن العبر والعظات أن الله ينصر أولياءه على عدوهم ، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يخبر الناس بخبره فكذبوه واستهزءوا به و قَالُوا وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ قَالَ فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ قَالَ وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ قَالَ فَقَالَ الْقَوْمُ أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ * 

ومع هذا الدليل القوي إلا أن الكفار زادوا في كفرهم وغيهم وضلالهم وأما أهل الإيمان من الصحابة فقد قابلوا الخبر بالتصديق التام ، وهذه حال المؤمن المخلص لله تعالى يصدق رسوله فيما أخبر بدون تردد أو شك قال تعالى " {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (15) سورة الحجرات.

الجمعة، 10 مايو 2013

خطبة جمعة : الاعتذار


الخطبة الأولى : جماعة المسلمين اعلموا رحمكم الله أن حسن الخلق له مكانة عليا في ديننا الحنيف، فهو من أكثر أسباب دخول الجنة فروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ اَلْجَنَّةَ تَقْوى اَللَّهِ وَحُسْنُ اَلْخُلُقِ "  كما أن حسن الخلق أساسٌ من أسس كمال الإيمان، ومظهر من مظاهر الإسلام، يقول صلى الله عليه وسلم : ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا ، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا )).قال ابن القيم رحمه الله: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين) . 
ومن جملة الأخلاق الحسنة التي على المسلم أن يتخلق بها في تعامله خلق الاعتذار، وحقيقته إظهار الندم على فعل الذنب، مع الإقرار بأن له عذرا في فعله،  وقال المُناوي: 
الاعتذار تحري الإنسان ما يمحو به أثر ذنبه " 

وذلك لأن الأصل في الإنسان الخطأ والظلم والجهل، قال تعالى : (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) ، وقال صلى الله عليه وسلم: كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ اَلْخَطَّائِينَ اَلتَّوَّابُونَ " ، فإذا عُلم من ذلك أن الخطأ والزلل واقع من العبد ولا بد، ثم من رحمة الله تعالى أن جعل لعباده من الأسباب ما يصلحون به أخطاءهم وزللهم، ومن ذلك الاعتذار . 
جماعة المسلمين: الخطأ والظلم والجهل من العبد إما إن يقع في حق الله تعالى، وإما أن يقع في حق المخلوق، وإما أن يقع في حق نفسه.

فإن وقع الخطأ من العبد في حق ربه بأن أذنب وعصى، فترك ما به أمر، أو تجرأ على فعل ما عنه نهي وزجر، فاعتذاره لربه بتوبة نصوح، مع ندم من القلب، وعزم على عدم العودة ، قال تعالى : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)  ، ومن تودد ربنا –جل في علاه- إلى عباده أنه يحب منهم الاعتذار إليه بسبب تقصيرهم، قال صلى الله عليه وسلم: لاَ شَخْص أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ " قال القاضي عياض :أى اعتذار العباد إليه من تقصيرهم وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم" .
وقد وعدك الله أيها التائب بقبول توبتك، ومحو خطيئتك ، فقال التواب الرحيم: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون). 
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم كثير التوبة والاستغفار، عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - ، قَالَ : سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : (( والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً )) . 

وإن وقع الخطأ من العبد تجاه نفسه، بأن قصر في حقوقها، أو ظلمها بفعل الذنوب والمعاصي والمنكرات، فعليه أن يحاسب نفسه، فيكمل نقصه، ويستدرك تقصيره، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )

أيها المسلمون: وإن وقع الجهل والظلم والخطأ على الغير، فلا بد من التوبة إلى الله أولا، ثم الاعتذار وطلب العفو من الغير ثانيا، مع رد حقوقهم إن اغتصبت أو أتلفت. 
ولن ينجو العبد يوم القيامة إلا بالسلامة من حقوق الناس، ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يقرن حقوقهم بحقه – جل في علاه- كقوله تعالى : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) فجمع الله بين حقه في العبادة وبين حقوق الخلق، ليدل على وجوب احترامها وأدائها على الوجه الأكمل. 

ومن السنة ما رواه أبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ». قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ « إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ ».
فهذا العبد قد أتى بحق الله تعالى من الصلاة والصيام والزكاة، ولكنه قصر في حق الخلق، بأن انتهك أعراضهم بالشتم والقذف، وأموالهم بأكلها دون وجه حق، ودماءهم بأن سفكها ظلما، واعتدى عليهم بالضرب، فلما لم يعتذر منهم في الدنيا، ويطلب العفو والمسامحة، حصلت المقاصة بين الحسنات والسيئات، فكان سبيله إلى النار . 


الخطبة الثانية: إنَّ الاعتذَارَ مَظْهَرٌ حضارِيٌّ، يدلُّ علَى احترامِ الإنسانِ لنفسِهِ، وتقديرِهِ لغيرِهِ، فلاَ ينبغِي لعاقلٍ أَنْ يتعالَى عنْهُ ، فإذا اخطأت تجاه أحد من الخلق فأعترف بذنبك، واطلب العفو والمسامحة، فإنك إن فعلت ذلك فأنت من الأخيار. 

وقَدْ أَصَّلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لثقافةِ الاعتذارِ بينَ الناسِ بِمَا يبعَثُ بينَهُمْ المحبَّةَ، ويزرعُ فيهِمُ الثقةَ والمودةَ، فنَهَى عَنِ الهجْرِ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، وجعلَ لِمَنْ بادرَ بالاعتذارِ وإلقاءِ السلامِ الفضلَ والنوالَ، قالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« لاَ يحِلُّ لِرجُلٍ أنْ يَهجُرَ أخَاهُ فَوقَ ثلاثِ ليَالٍ، يَلتَقِيَانِ فَيُعرِضُ هذا وَيُعرِضُ هذا، وَخَيرُهُمَا الذي يَبدَأُ بِالسّلامِ» 

ومَا أجملَ أَنْ تنتَشِرَ ثقافةُ الاعتذارِ فِي بيوتِنَا، فيعتذِرَ الزوجُ لزوجِهِ، وتعتذرَ الزوجةُ لزوجِهَا، إِنْ بدَرَ مِنْ أحدهِمَا خطَأٌ، وذلكَ بكلمةٍ تَبْعَثُ فِي نفسِ الطرفِ الآخرِ الرضَا والقرارَ، وتُشعِرُهُ بإعادةِ الاعتبارِ، وتُوَثِّقُ بينَهُمَا عُرَى المحبةِ والاستقرارِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي الدرداءِ أَنَّهُ قالَ لزوجتِهِ أُمِّ الدرداءِ رضيَ اللهُ عنْهُمَا: إذَا غَضِبْتِ أَرْضَيْتُكِ، وإذَا غَضِبْتُ فَأَرْضِينِي، فإنَّكِ إِنْ لَمْ تَفْعَلِي ذلكَ فمَا أسرَعَ مَا نفتَرِقُ " 

وعلى المسلم الذي اعتذر إليه، وطلب أخوه المسلم منه العفو والصفح أن يقبل عذره ولا يرده، متأسيا بربنا جل في علاه الذي يقبل التوبة من عباده، وبنبينا صلى الله عليه وسلم الذي كان يقبل عذر المعتذر فروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري قال: أتاني ناس من الأشعريين فقالوا: اذهب معنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لنا حاجة . قال: فقمت معهم فقالوا: يا رسول الله استعن بنا في عملك فاعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا . وقلت: لم أدر ما حاجتهم . فصدقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرني وقال: " إنا لا نستعين في عملنا من سألناه " 

وتأملوا حال الصحابة رضوان الله عليهم فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ» فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ» ثَلاَثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لاَ، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ – أي يتغير لونه -، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ .." فتأملوا رَحِمكُم اللهُ كَيْفَ كان الصحابةُ رضِيَ الله عنهم يَتَأَلَّمون عِندَ وقوعِ أَحَدِهِم في خَطأ يسيرٍ, وكيفَ كانوا يُبادِرونَ إلى الاعترافِ بالخَطَأ والاعتذارِ بألطفِ الأساليب, بل إن الواحدَ مِنهم يُحمِّل نفسَه الخَطَأ وإن كان صاحِبُهُ مخطِئاً في حقه " 
أيها المؤمن: إن قبول اعتذار أخيك عز لك ورفعة لمقامك ، قال صلى الله عليه وسلم: " 
وَمَا زَادَ اَللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا, وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ " 

كما على المسلم أن يحذر من الأقوال والأفعال التي يخشى أن يعتذر منها، فعن أنس بن مالك قال: قال صلى الله عليه وسلم : إياك وكل ما يعتذر منه " 
وعلى المسلم أيضا إن رأى من أخيه شيئا لم يعجبه أو سمع عنه خبرا لا يرتضيه أن يقيم له عذره قبل أن يعتذر، روى البيهقي عن جَعْفَر بْنِ مُحَمَّدٍ قال: " إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ الشَّيْءُ تُنْكِرُهُ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْرًا وَاحِدًا إِلَى سَبْعِينَ عُذْرًا، فَإِنْ أَصَبْتَهُ وَإِلَّا قُلْ: لَعَلَّ لَهُ عُذْرًا لَا أَعْرِفُهُ " وهذا من كمال الأخوة الإيمانية بين المسلمين. 

وسلطان المسلمين وولي أمرهم أولى الخلق بالاعتذار له عما صدر منه، قال الإمام الطرطوشي المالكي – رحمه الله : كان العلماء يقولون: إن استقامت لكم أمور السلطان فأكثر واحمد الله تعالى واشكره، وإن جاءكم منه ما تكرهون وجهوه إلى ما تستوجبونه منه بذنوبكم وتستحقونه بآثامكم، فأقيموا عذر السلطان بانتشار الأمور عليه، وكثرة ما يكابده من ضبط جوانب المملكة واستئلاف الأعداء ورضاء الأولياء، وقلة الناصح وكثرة المدلس والفاضح" 



الخميس، 25 أبريل 2013

خطبة جمعة : أحكام وآداب من سورة الحجرات

 الخطبة الأولى : أيها المسلمون يقول ربنا عز وجل في محكم التنزيل: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)   فمن عظيم مقاصد إنزال القرآن تدبر آياته ومعانيه، وقد حث الله سبحانه على هذه العبادة ورغبهم فيها فقال :( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) ، فبتدبر كلام الله يتعرف العبد على ربه ومولاه، فيزيد إيمانه، وتقوى علاقته بربه، قال بن القيم: فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر... فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها " . 
ومن سور القرآن العظيمة التي يحتاج المسلم إلى معرفة معانيها سورة الحجرات، هذه السورة حوت جملة من الأحكام والآداب التي لا يستغني عنها مؤمن، خصوصا أن كثيرا من هذه الأحكام والآداب قد بدأها الله عز وجل بلفظ الإيمان فقال : يا أيها الذين آمنوا " وفي هذا يقول الصحابي المفسر الجليل عبد الله بن مسعود: إذا سمعت في القرآن يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه " 
أيها المؤمنون: من أول تلكم الأحكام والآداب وهو أساسها الذي تنبي عليه قوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم)  ، فينهى الله المؤمنين عن التقدم بين يدي الله ورسوله، وذلك يقتضي تقديم حكمهما في كل أمر وشأن، فالمؤمن الصادق في إيمانه مستسلم لحكم ربه، يقدمه ويعمل به ويأمر به غيره ويصبر على تطبيقه، وإن خالف هواه ومصلحته، قال تعالى في وصف المؤمنين (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) ، وقال سبحانه(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) ، قال المفسر السعدي رحمه الله: فإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا النهي الشديد عن تقديم قول غير الرسول صلى الله عليه وسلم على قوله، فإنه متى استبانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنا ما كان" 
   قال علامة الشام الأوزاعي المتوفى عام (175هـ) موصيا وناصحا: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم القول إلا بالعلم، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية موافقة للسنة "  
فكيف بمن يرد قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم أو يفسرهما حسب ما يقتضيه هواه ومصلحته، وخصوصا في زمن الفتن واختلاط الأمور، فإن الواجب في هذه الحال الرد إلى الله ورسوله وإلى أولي العلم خاصة لأنهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)
 عباد الله : ومن جملة الآداب والأحكام التي وردت في سورة الحجرات قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) ، فيوجه الله عباده المؤمنين إلى التثبت من الخبر إذا جاء من قِبَلِ من لا يُعرف بالصدق، قَبلَ بناءِ الحكم عليه، حتى لا يندم المؤمنون ويقعون في الإثم نتيجة التسرع في الحكم، وربما أدى عدم التثبت إلى تلف الأنفس والأموال بغير حق. 
كما تدل الآية على عدم جواز نقل الأخبار قبل التثبت من صحتها، قال صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يُحَدِّثَ بكل ما سمع "  ، وفي زماننا تيسرت وسائل الاتصال الحديثة كالبلاك بيري والهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعية التي تنقل الخبر والحدث عبر العالم في لحظات سريعة، فيتلقفها من لا فقه عندهم ثم يبادرون بنشرها دون تثبت من صحتها، مما يؤدي إلى انتشار الإشاعات، التي تأثر على المجتمع وعلى أمنه وسلامته، خصوصا إذا كانت هذه الإشاعات مما يتعلق بالدولة داخليا أو خارجيا.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة من يكذب الكذبة فتنتشر في الآفاق قال صلى الله عليه وسلم وسلم في الرؤيا التي رآها : فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ، بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمِنْخَرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ ، قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولى، قَالَ: قُلْتُ سُبْحَانَ اللهِ مَا هذَانِ ؟ قال الملك : فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ  " رواه البخاري ومسلم
وفي هذه الآية أدب للمثقفين وكتاب الصحف وغيرهم ، بأن لا يبنوا أحكامهم ونقدهم على ما يتلقفوه من وسائل الإعلام دون تثبت وتمحيص، فكم سمعنا عن أحكام صدرت منم في قضايا تمس صلب الدين وتمس أمن البلاد، جانبوا فيها الصواب، وخالفوا الشرع والكتاب، لأنهم أسسوها على أخبار منقولة من وسائل الإعلام الغربية أو المحلية دون تثبت، و ذلك لأجل أن يحقق سبقا إعلاميا، وشهرة على حساب دينه ووطنه. 


الخطبة الثانية : أيها المسلمون : ومن الأحكام والآداب في سورة الحجرات قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)  فبعد أن قرر الله سبحانه وتعالى مبدأ الأخوة الإيمانية بين المؤمنين بقوله قبل هذه الآية :( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)  ذكر الأمور التي تتنافى مع هذه الرابطة التي تجمع العباد مع بعضهم وهي رابطة الإيمان، ومن ذلك النهي عن السخرية من المؤمن واحتقاره وانتقاص شأنه كائنا من كان ، ويؤكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» ، ويدخل في هذا النهي النكت التي يطلقها بعض الناس ليضحك أصحابه، فيسخر من أهل البلد الفلاني، ومن القبيلة الفلانية، فهذا منهي عنه ومتوعد فاعله، قال صلى الله عليه وسلم: ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك به القوم، ويل له ويل له  " 
كما ينهى الله المؤمن أن يلقب أخاه بما لا يحب ولا يرضى من الألقاب التي تسوؤه ولا تسره، أما الألقاب غير المذمومة فلا تدخل في هذا الحكم.
عباد الله: ومن الأحكام والآداب التي وردت في السورة قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) ، فمما ينافي الأخوة الإيمانية ظن السوء بالمؤمن والتجسس  عليه بتتبع عوراته والبحث عن عيوبه، وهذا الفعل متوعد صاحبه بالعقاب قال صلى الله عليه وسلم: يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِى بَيْتِهِ " .
ثم نهى الله عن الغيبة، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ذكرك أخاك بما يكره" ، وقد شبه الله المغتاب في الآية بمن يأكل لحم من تكلم فيه ميتا. 
والغيبة ذنب عظيم يحصد الحسنات يوم القيامة حصدا، فيذر صاحبه مفلسا، فيورده النار، ولكن الكثير من الناس لا يهتمون لذلك، بل فاكهة المجالس الغيبة، بل قد تخرج الغيبة في قالب طيب وكلام جميل، ولكنه يقصد من ورائه انتقاص هذا المغتاب . 
أيها المؤمنون: هذه السورة اشتملت على أحكام مهمة في بيان حقيقة الإيمان بالله تعالى، وأن الإيمان بالله أكبر نعمة يمنها الله على العبد، فيجب عليه أن يشكر ربه عليها وأن يؤدي حقها. 
أحكام وآداب كثيرة لا يتسع المقام لذكرها  وبيانها، فاقرؤوا كتاب ربكم وتتدبروا معانيه، واعملوا بأحكامه تفلحوا في الدارين .  


الخميس، 11 أبريل 2013

خطبة جمعة : الجنة ونعيمها

الخطبة الأولى :جماعة المسلمين: يقول ربنا سبحانه وتعالى في محكم التنزيل (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ، فيدعو الربُ الجليلُ عبادَه المؤمنين إلى دار الخلود والقرار، إلى دار السلام التي سلمت من جميع الآفات والنقائص، وذلك لكمالِ نعيمِها وتمامهِ وحسنهِ من كل وجه، إنها الجنةُ التي أعدها الله لعباده المؤمنين ،قال صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . واقرؤوا إن شئتم : (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) 
فما هي الجنة وما صفتها ؟  ذكر الله-جل وعلا- في كتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم  في سنته خبر الجنة وصفتها، فالجنة خلقها الله وجعلها نزلا لمن أطاعه واتقاه ، قال تعالى (وإن للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد) دارٌ أبديةٌ لا تفنى ولا تبيد، وعد الله أهلها بالخلود فقال.( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا  (107) خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) 
يدخلها المؤمنون بعدما يجتازون الصراط على متن جهنم ، قال صلى الله عليه وسلم :" يُوضَعُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ ، عَلَيْهِ حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدَانِ ، ثُمَّ يَسْتَجِيزُ النَّاسُ ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ، وَمَخْدُوشٌ بِهِ ثُمَّ نَاجٍ ، وَمُحْتَبِسٌ وَمَنْكُوسٌ فِيهَا " أي في النار
ثم يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتَصُ بينهم؛ ليذهب الغِلّ والحقد الذي في قلوبهم، ، كما قال تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين)
ثم يأتي أهلُ الجنةِ الجنة، وأولهم دخولاً لها نبُينا صلى الله عليه وسلم يأتي فيقرعُ باب الجنة فيستفتحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فيقول : مُحَمَّدٌ ، فَيَقُولُ : بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ . ثم تدخل بعده أمتُه، فهي آخرُ الأممِ في الدنيا وأولُهم دخولاً الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: ((نحن الآخِرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة)) رواه مسلم.
وللجنة ـ عباد الله ـ ثمانيةُ أبواب، ما بين مصراعي الباب مسيرة أربعين سنة وليأتينَّ عليهِ يومٌ وهو شديدُ الزحام ، كلُ بابٍ منها مخصصٌ لصنفٍ من المؤمنين يُدْعون للدخول منه. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ بَابِ الرَّيَّانِ ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ . هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ :« نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ ». 
وأولُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً؛ لاَ يَبُولُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفِلُونَ، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، ثم هم بعد ذلك منازل ودرجات، 
قال صلى الله عليه وسلم : إنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِهِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ اللَّهِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ  . يدخلها المؤمنون جرْدًا بِيضًا جُعد الشعر مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ ستون ذِرَاعًا في السماء. 
وأما نعيم الجنة (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون)  ، يخبرنا الصادق المصدوق عن أدنى أهل الجنة منزلة ونعيما،  فقال صلى الله عليه وسلم : سألَ مُوسَى - صلى الله عليه وسلم - رَبَّهُ : ما أدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً ؟ قال : هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ ، فَيُقَالُ لَهُ : ادْخُلِ الجَنَّةَ . فَيَقُولُ : أيْ رَبِّ ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ ، وأخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ ؟ فَيُقَالُ لَهُ : أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا ؟ فَيقُولُ : رَضِيْتُ رَبِّ ، فَيقُولُ : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَيقُولُ في الخامِسَةِ . رَضِيْتُ رَبِّ، فَيقُولُ : هذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ . فَيقُولُ : رَضِيتُ رَبِّ . قَالَ : رَبِّ فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً ؟ قالَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ ؛ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي ، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"
وأما بناءُ الجنة ، فلَبِنَةُ ذَهَبٍ وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ، فيها نهر الكوثر حافتاه من ذهب وتربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج،  قال تعالى في وصف أنهار الجنة (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم)  ،  ليس لها أخدود في الأرض بل إنها لسائحة على وجه الأرض إحدى حافيتها اللؤلؤ والأخرى الياقوت ، طينها المسك الأذفر أي الخالص . 
وأما شجرها ففي الجنة أنواع من أشجار الفواكه مختلفة كما قال تعالى (فيهما من كل فاكهة زوجان) ،  فيها شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها ، ساقها من ذهب ، يأكل أهل الجنة من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ، وأما نخلها فعن ابنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَخْلُ الْجَنَّةِ جُذُوعُهَا زُمُرُّدٌ أَخْضَرُ ، وَكَرَبُهَا ذَهَبٌ أَحْمَرُ ، وَسَعَفُهَا كِسْوَةٌ لأَهْلِ الْجَنَّةِ ، مِنْهَا مُقَطَّعَاتُهُمْ وَحُلَلُهُمْ ، وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلالِ أَوِ الدِّلاءِ ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ لَيْسَ لَهُ عَجْمٌ " أي نوى.
لمثل هذا فليعمل العاملون، فالجنة – يا عباد الله- أقرب إلى أحدنا من شراك نعله والنار مثل ذلك، فلا تؤثروا الحظ الفاني في الدنيا، على الحظ الباقي النفيس في الآخرة، لا  تبيعوا جنة عرضها السموات والأرض، بسجن في الدنيا.
والعمل قليل والوعد من الله عظيم . (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)



الخطبة الثانية : وأما نساء الجنة ، والحور العين فهن أزواج مطهرات من كل أذى وقذر، أنشأهن الله إنشاءً فجعلهن أبكارًا، كلما جامعها زوجها عادت  بكرًا، وجعلهن عُرُبًا أترابًا، والعَرُوب هي المرأة المتودّدة إلى زوجها، أترابًا على سِن واحد ، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينها ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها ـ أي خمارها ـ على رأسها خير من الدنيا وما فيها ، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا يكونون (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤون (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم) 
وأما عن طعام وشراب أهل الجنة فكما قال تعالى (يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون) قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن أحدكم –في الجنة- ليعطى قوة مئة رجل في الأكل والشرب والجماع" 
وأما خيام أهل الجنة فقال صلى الله عليه وسلم : إنَّ لِلمُؤْمِنِ فِي الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُها في السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلاً . لِلمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ فَلاَ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضاً " وعن ابن عباس – رضي الله عنه- قَالَ : الْخَيْمَةُ لُؤْلُؤْة مُجَوَّفَةٌ ، فَرْسَخٌ فِي فَرْسَخٍ ، لَهَا أَرْبَعَةُ آلاَفِ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهَبٍ.
وأما أعظم النعيم فهو رؤية المؤمنين لربهم الكريم في الجنة قال تعالى (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة) عن صهيب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّض وُجُوهنَا ؟ أَلَمْ تُدْخِلنَا الْجَنَّة وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّار ؟ قَالَ : فَيَكْشِف الْحِجَاب , فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَر إِلَى رَبّهمْ عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)
جماعة المسلمين : هذا وصف قليل من كثير ، وإلا فوصف الجنة أعظم من هذا ، ولكن السؤال الذي ينبغي أن نسأله أنفسنا ، كيف السبيل إلى هذه الجنة ؟ 
فالجواب قال تعالى (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) ، والتقوى تكون بفعل الطاعات والاجتهاد فيها ، واجتناب المعاصي والابتعاد عنها . 
قال تعالى (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين)

الخميس، 28 مارس 2013

خطبة جمعة :القيم الشرعية لاستمرار الحياة الأسرية

الخطبة الأولى: جماعة المسلمين: اعلموا رحمكم الله أن من المقاصد التي جاءت الشريعة الإسلامية بالأمر بها والحث عليها والعناية بأمورها مقصد حفظِ العرضِ والنسل، فبتحقيق هذا المقصد تحصلُ الطمأنينة ويتحقق والأمن في نفوس الأفراد ، وتبنى الأسر التي هي قوام المجتمعات، وتستمر الحياةُ نتيجةَ التكاثرِ الناتجِ عن الزواج، وقد جعل الله الزواج من النعم التي تحتاج إلى تفكرٍ وتتدبرٍ قال تعالى(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)  الروم: ٢١، فيمتن الله علينا أن جعل لنا من أنفسنا أزواجاً من جنسنا وأشكالنا، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، فالمجانسة من دواعي الائتلاف والتعارف، كما أن المخالفة من أسباب الاختلاف والتنافر، ومن نعم الله على الزوجين أيضا أن جعل بينهما من المودة والرحمة ما لا يوجد بين غيرهما، من غير أن يكون بينهم سابق معرفة. ولقد عبر الله عن العلاقة بين الزوج وزوجته بالسكن، الذي يؤوي إليه الإنسان ليحصل على الراحة والطمأنينة، فكذلك الزواج يحقق السعادة للزوجين مع راحة وطمأنينة ومودة 
ورحمة.  

بل قد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الزواج نعمةً من خير نعم الدنيا، فقال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" وبهذه النعمة يستعين العبد على طاعة ربه قال صلى الله عليه وسلم: ( من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي" فكل هذه النعم وغيرها تحتاج إلى اعتراف وشكر للمنعم وهو الله سبحانه وتعالى. 
أيها المسلمون: ومع كل هذه النعم إلا أننا نلاحظ ارتفاع نسبة الخلافات الزوجية وحالات الطلاق، مما يؤدي إلى تفكك الأسر وانهيارها ، وذلك ناتج عن سوء فهم بين الأزواج لحقيقة التعامل فيما بينهما.

فلا بد أن يعلم الزوجان أن الشريعة الإسلامية اهتمت بجانب الأسرةِ اهتماما بالغا، وسعت إلى استمرارها واستقرارها،  فبين الله الكثير من أحكامها التفصيلية في القرآن أكثر من بقية العبادات، كما وضح النبي صلى الله عليه وسلم الأسس والأحكام في التعامل بين الزوجين في سنته القولية أو العملية، فمن أراد أن يهنأ بنعمة الزواج وتكوين أسرة سعيدة فعليه أن يقتفي الهدي الشرعي في التعامل بين الزوجين والمأخوذ من الكتاب والسنة قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)  الأحزاب: ٢١. 

أيها المسلمون: من أجل الحفاظ على كيان الأسرة من التصدع والانهيار، لا بد أن يعيي الأزواج جملة من القيم والمبادئ الشرعية في التعامل بينهما.
فمن القيم الزوجية التي بينها الله ورسوله قيمةُ العشرة بالمعروف بين الزوجين قال تعالى آمرا الزوج (وعاشروهن بالمعروف) النساء: ١٩ ، وهذا يشمل حسن العشرة في الأقوال والأفعال مما أمر به الشرع أو ما اعتاده الناس وألفوه مما لا يخالف الشرع، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أحسن الناس عشرة لزوجاته، فكان يصرح بحبهن، ويلاطفهن قبل الخروج وبعد الدخول، ويدلل من أسمائهن تحببا إليهن، ويتزين ويتطيب لهن، ويداعبهن في إقامته وسفره، ويطيب من خاطر إحداهُن إذا غضبت، وغير ذلك كثير جدا من أفعاله صلى الله عليه وسلم. 

و من القيم الزوجية التي ينبغي للزوج مراعاتها مع زوجته قوله تعالى (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) النساء: ١٩  ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَفْرَكْ -أي لا يبغض- مؤمن مؤمنة ، إِن كَرِه منها خُلُقا ، رضي منها آخَرَ  )، فعلى الزوج أن ينظر إلى إيجابيات زوجته، وأن لا يكتفي بسلبياتها للحكم عليها لأن كل بني آدم خطاء، ولقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة في تعامل الرجال مع النساء فقال: استوصوا بالنساءِ خيرًا فإنَّ المرأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أعوجَ وإنَّ أعوجَ شىءٍ فى الضلعِ أعلاه فإنْ ذهبتَ تقيمَه كسرتَه وإنْ تركتَه لم يزلْ أعوجَ فاستوصوا بالنساءِ خيرًا   " وفي رواية : إِن المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَع ، ولن تستقيمَ على طريقة ، فَإِن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وبها عِوَج ، وإِن ذهبتَ تُقيمُها كسرتَها ، وكسرُها طلاقُها) قال الحافظ ابن حجر معلقا:( وفي الحديثِ الندبُ إلى المداراةِ لاستمالةِ النفوسِ وتألفِ القلوبِ وفيه سياسةُ النساءِ بأخذِ العفوِ منهنَّ والصبرِ على عوجهِنَّ وانَّ من رامَ تقويمهُنَّ فاتهُ الانتفاعُ بهنَّ مع أنه لا غنى للإنسانِ عن امرأةٍ يسكنُ إليها ويستعينُ بها على معاشه فكأنه قال (الاستمتاعُ بها لا يتم إلا بالصبرِ عليها) 
بل أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن طبع في النساء لا بد للمرأة من السعي لتغييره، وعلى الرجل أن يتحمله ويتجاوز عنه قال صلى الله عليه وسلم: ( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ , تَصَدَّقْنَ . فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ , فَقَامَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ , وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ " وفي رواية قال: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط)
فإذا رأى الزوج من زوجته أمرا يكرهه فلا يسارع إلى الطلاق، بل عليه أن يتروى وأن لا يستعجل في اتخاذ القرار حتى لا يقع في الندم. 

معاشر المسلمين: من القيم الزوجية التي أرشدنا إليها شرعنا الإسلامي لأجل استمرار الحياة الأسرية على أتم ما يكون، قوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم) البقرة: ٢٢٨ ، وقال صلى الله عليه وسلم (ألا وإن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا) ذلك هو مبدأ الاشتراك في الحقوق والواجبات، فكل من الزوجين له حقوق على الآخر، وعليه واجباتٌ تجاهه، فمتى ما حقق كل من الزوجين ما عليه تجاه الآخر دامت بينهم العشرة وتعمقت أواصر المحبة بينهم. 
واعلموا أنه ما من خلاف بين زوجين إلا كان من أكبر أسبابه إخلال أحد الطرفين أو كلاهما بواجبه تجاه الآخر. 
والإخلال بالواجبات الزوجية من الظلم الذي سيحاسب عليه الزوج أو الزوجة يوم القيامة، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته " 
وقال في الرجل لا يعدل بين زوجتيه في الواجبات والحقوق (مَنْ كَانَتْ لَهُ اِمْرَأَتَانِ , فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا , جَاءَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) ويشمل ذلك عدم العدل في المبيت أو النفقة وغير ذلك من الواجبات. 


الخطبة الثانية :  ومن القيم الزوجية التي على الزوج أن يراعيها مع زوجته لاستمرار الأسرة قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة: ٢، فيتعاون الزوجان في أمور الدين والدنيا، فكان صلى الله عليه وسلم يوقظ زوجاته لقيام الليل، ويتعاهد أداء الفرائض منهن، كما كان يعاونهن في أعمال المنزل فكان يفلي ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، وهو أكرم البشر وأسيدهم. 

فعلى الزوجان أن يتعاونا في أمور تدبير المنزل، وتربية الأبناء، وفي كل ما يحقق السعادة لهم في حياتهم الزوجية. 

إخواني في الله : إن من أعظم وظائف الأسرة هي إيجاد جيل صالح وذرية طيبة، تحقق الهدف من الوجود وهو عبادة الله تبارك وتعالى، ثم تعمر الأرض وفق شرع الله، وهذا الأمر لا بد أن تتكامل فيه جهود الأسرة. خصوصا في هذا الزمان الذي انفتح فيه العالم على بعضه بسبب العولمة وسهولة التواصل، فانتشرت فيه الإباحية تحت مظلة الحريات، وتيسر فيه الوصول إلى الشهوات والشبهات بأيسر الطرق وأقلها تكلفة، فأصبحت الهواتف الذكية و شبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي  كالتويتر والفيس بك وغيرها من أعظم وسائل الشيطان في إهلاك العبد، ما لم يُقُوى جانب الوازع الديني لدى الإنسان، واستشعاره لمراقبة الله له . فإن هذه الأجهزة والشبكات قد احتوت على الخير والشر، فإذا لم تراقب الأسرة أبناءها في استخدامهم لهذه الشبكات وإلا وقعوا في المحضور. 
أيّها الأزواج، إنَّ السهرَ والسمَر خارجَ المنزل مما يثير القلق والأرق في الأسرة، وينغِّص على الزّوجة حياتَها، ويزعزع ويزلزل استقرارَها، ويَضيع بسببه الأولاد فلذةُ الأكباد وثمرة الفؤاد، حتّى يصيروا فريسةً لوحوش الظلام وفتنِ هذا الزّمان، فاحذروا هذا السهرَ واجتنبوه ولا تقربوه.

أيّها المسلمون، إنّ ظهورَ المعاصي والمخالفات وانتشارَ المنكرات في كثير من البيوت من أعظم أسباب خرابِها ودمارها، ولقد دبَّ الشّقاء والشقاق وثارَت ثائرة الغيرة واشتعلت نيران الشكّ والحيرة بين كثير من الأزواج، بسبب خيانة الزوج لزوجته في مكالمته لأخريات، أو مصادقته للخليلات، أو نظره للنساء العاريات، وإن من انقلاب الموازين وانتكاس الفطر  في زماننا أن يجلس الزوجان ليتابعا مسلسلا أو فلما أجنبيا قد حوى من العري أشده، دون أن تتحرك غيرة الرجل على زوجته أن تنظر إلى ممثل وسيم قد يتحلى من الصفات ما لا يوجد عند الزوج، ودون أن تتحرك غيره الزوجة على زوجها وهو يناظر بعينيه صور الممثلات وقد اكتملت زينتهن وظهرن في صورة أجمل منها، ثم تنكر عليه إلى نظر إلى امرأة في الطريق، أليس هذا من العجب؟ وما هو الفرق بين الأمرين ؟ 
فاتقوا الله في أنفسكم، فإن الله شرع الزواج لغض البصر حفظ الفرج، قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) المؤمنون: ٥ - ٧
وقال صلى الله عليه وسلم: اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، وَأَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ : اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ.

الجمعة، 15 مارس 2013

خطبة جمعة : مكانة المرأة في الإسلام

الخطبة الأولى :معاشر المسلمين، اعلموا رحمكم الله أن البشريةُ لم تعرف ديناً ولا حضارةً عُنيت بالمرأة أجملَ عناية وأتمَّ رعايةٍ وأكملَ اهتمام كالإسلام. تحدَّث عن المرأة، وأكّد على مكانتها وعِظم منزلتها، نظر إليها على أنها شقيقةُ الرجل، خُلِقاَ من أصل واحد، ليسعدَ كلٌّ بالآخر ويأنس به في هذه الحياة، في محيط خيرٍ وصلاح وسعادة، قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما النساء شقائق الرجال)) 

أما في غير الإسلام فلقد لقيت المرأة صورا عديدة من الظلم والاحتقار منذ ولادتها قال تعالى (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) ، فإما أن تقتل أو أن تعيش بلا حقوق بل تورث مع الأموال وتباع وتشترى ، حتى جاء الإسلام بتعاليمه السامية ليخرج المرأة من الذل والعبودية التي كانت تعيشها لينزلها منزلا لا نظير له في الأمم والشعوب . 

إخوةَ الإسلام : لقد أشاد الإسلام بفضل المرأة، وعدَّها نعمةً عظيمةً وهِبةً كريمة، يجب مراعاتها وإكرامُها ، يقول المولى جل وعلا ( لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير)

فرعى الإسلام حقَّها طفلةً، وحثَّ على الإحسان إليها، ففي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من عال جاريتين حتى تبلُغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين)) وضمّ أصابعه. 

رعى الإسلام حقَّ المرأة أمًّا، فدعا إلى إكرامها إكرامًا خاصًّا، جاء رجل إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: ((أمّك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمّك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمّك))، قال: ثم من؟ قال: ((أبوك)) متفق عليه.

رعى الإسلامُ حقَّ المرأة زوجةً، وجعل لها حقوقاً عظيمة على زوجها، من المعاشرة بالمعروف والإحسان والرفق بها والإكرام فقال تعالى : (وعاشروهن بالمعروف) ، قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم)) أي أسيرات.

وفي حال كونِها أجنبيةً ليست من محارمك فقد حثَّ على عونها ومساعدتها ورعايتها، قال صلى الله عليه وسلم((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم الذي لا يفتُر، أو كالصائم الذي لا يفطِر))

معاشرَ المسلمين، منح الإسلام المرأة الحقوقَ ، فأعطاها حقَّ الاختيار في حياتها والتصرّف في شؤونها وفقَ الضوابط الشرعية ، قال جل وعلا: (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) فلا تمنع من الزواج ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تُنكح الأيم حتى تُستأمَر، ولا البكر حتى تستأذَن في نفسها))

عباد الله : لقد سعى الإسلام إلى حفظ عرض المرأة من أن يدنس أو ينتهك ، فحرم القذف وجعل له عقوبة الجلد ثمانين لمن تجرأ وقذف قال تعالى (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) ، ولأجل حماية عرضها أمرها ربها بالحجاب والاستتار فقال سبحانه : 

(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن) ، قال ابن كثير رحمه الله :(أي لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاءه ) ، ومنعها من مخالطة الرجال حتى في أماكن العبادة ، ففي المسجد قال صلى الله عليه وسلم : خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " قال النووي رحمه الله : وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم .." ومنعهن النبي صلى الله عليه وسلم من مخالطة الرجال في الطريق فروى أبو داود عن أبي أسيد الأنصاري : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء (اسْتَأْخِرْنَ فإنه ليس لَكُنَّ أن تَحْقُقْنَ الطريقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطريق) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به .

إخوةَ الإسلام، من تكريم الإسلام للمرأة أن فرض لها من حيث هي ما يسمَّى بمبدأ الأمن الاقتصادي مما لم يسبق له مثيلٌ حينما كفل للمرأة النفقةَ أمًّا أو بنتاً أو أختاً أو زوجةً وحتى أجنبية، لتتفرّغ لرسالتها الأسمى وهي فارغةُ البال من هموم العيش ونصب الكدح والتكسُّب.

معاشر المؤمنين، هذه بعضُ مظاهر التكريم للمرأة في الإسلام، يستحيل مثلها في أي ديانة محرفة أو مخترعة ، مهما بالغت في تكريم المرأة كما تزعم ، بل حتى الحضارة المعاصرة التي تدعي التطور والتقدم قد أهانت المرأة غاية الإهانة فجعلتها سلعة رخيصة ،فإذا عرفت المرأة المسلمة ذلك فلتحمد الله على هذه النعمة بأن تلتزم بتعاليم الإسلام التي تكفل لها الصيانة التامة والحفظ من كل سوء في الدنيا والآخرة .

إخوة الإسلام، لقد عرف أعداءُ الإسلام من الكفار والمنافقين الذين يتكلمون بألستنا وهم من بني جلدتنا ما يحمله هذا الدين للمرأة من سموّ كرامةٍ وعظيم صيانة، علموا أن الأصلَ قرارُ المرأة في مملكة منزلها، رأوا حقوقَها مقرونةً بمسؤوليتها في رعاية الأسرة، وخروجها في الإسلام من منزلها يؤخَذ ويمارَس من خلال الحشمة والأدب، ويُحاط بسياج الإيمان والكرامة وصيانة العرض، كما قال تعالى (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((وبيوتهن خير لهن)). حينذاك ضاقوا من ذلك ذرعاً، فراحوا بكلِّ وسيلة ليخرجوا المرأةَ من بيتها، و ليحرّروها من تعاليم دينها وأخلاقها، تارةً باسم تحرير المرأة، وتارةً باسم الحرية والمساواة، وتارةً باسم الرقي والتقدم الكاذب وتارة بأنها نصف المجتمع والرئة المعطلة . والعجب كل العجب أن الذي ينادي بهذه الشعارات إنما هم الرجال ليتضح لنا جليا الهدف من وراء ذلك وهو استمتاعهم بجسد المرأة على حساب الأخلاق والفضلية. 

فالمرأةُ في نظر هؤلاء هي المتحرِّرةُ من شؤون منزلها وتربية أولادها، هي الراكضةُ اللاهثة في هموم العيش والكسب ، هي التي تكون والرجال سواء بسواء ولو كان ذلك على حساب تدمير الفضيلة والأخلاق, وتدمير الأسرة والقيم، فلا هي حينئذ بطاعة ربٍّ ملتزمةٌ، ولا بحقوق زوجٍ وافية، ولا في إقامة مجتمع فاضلٍ مُسهِمة، ولا بتربية نشءٍ قائمةٌ.

قال ابن القيم رحمه الله في بيان خطورة مخالطة المرأة للرجل في ميدان العمل : (ولا ريبَ أن تمكينَ النساء من اختلاطهن بالرجال أصلُ كلِّ بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سببٌ لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتَّصلة، ولمَّا اختلط البغايا بعسكر موسى وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات منهم في يوم واحدٍ سبعون ألفاً" 



الخطبة الثانية : أيها المسلمون : في زمان العولمة والانفتاح على العالم تسربت أفكار التحرر الغربية للمرأة المسلمة، فأصبحت تبحث عن مكانتها المفقودة وسط ركام الغرب وزبالات الشذوذ، فصارت تلهث خلف دور الموضة وتلبس كل ما هو مخالف لشرع ربها، وربما كنا في السابق نتكلم عن كشف المرأة لوجهها، ولكننا اليوم أمام كشف لعورات أكبر أمرت المرأة بسترها، فلبست المسلمة البنطال أو ما يسمى بالجينز وعليه عباءة ضيقة وشفافة تظهر ما تحتها، ثم تفننت في اختيار عباءتها ، فهذه فرنسية وهذه فراشة وهذه مخصرة ، حتى صارت العباءة زينة في حد ذاتها تحتاج ما يسترها.

ألم تسمع هذه المسكينة إلى حديث نبينها صلى الله عليه وسلم: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا .. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا "

بل ظهر –للأسف- من بناتنا المسلمات من يرى أن الحجاب والنقاب الذي تلبسه أمهاتهن والنساء العفيفات نوع من التخلف والرجعية، وأن التقدم في نظرهن المتخلف هو السفور وإلقاء الحجاب.

ثم أصبحت المرأة تنافس الرجل في ميدان الحياة والعمل، فنظرت إلى نفسها نظرت الند للند، متناسية طبيعتها التي خلقها الله عليه، وأن الله لم يسو بينها وبين الرجل قال تعالى :(وليس الذكر كالأنثى ) ، مما نتج عنه الكثير من الخلافات الزوجية التي أدت إلى الطلاق وهدم الأسر. 

ومن العجيب في الأمر أن بعض أباء النساء يشترطون على الزوج أن يسمح لها بالعمل، ولو كان ذلك على حساب هذه الأسرة وتربية الأبناء، وكل ذلك لأجل تحصيل المال، وإثبات الذات زعما، ونتج عن ذلك أن حلت الخادمة مكان الأم في أعظم وظيفة أوكلت إليها وهي بيتها، قال صلى الله عليه وسلم: ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهى مسئولة عنهم " 

وبعض النساء ارتقين مرتقا صعبا وجبلا وعرا فصرن ينتظمن في أحزاب وجماعات، ويخرجن في مسيرات ومظاهرات، ويطالبن بالحقوق السياسية، ويتطاولن على ولاة أمور البلاد، مخالفات بذلك قول ربهن: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) . وإذا ما قبض عليهن صاح أولياؤهن ونادوا بالكرامة والغيرة، وهذا من التناقض في القول والعمل. 

أختي المسلمة : اعلمي أن مكانتك هي التي اختارها لك ربك، لأنه هو الخبير بعباده والعليم الحكيم الذي يشرع لهم ما يصلح أحوالهم. 

أختي المسلمة : لا تغتري بشعارات حقوق والمرأة فإنما يرفعها من فقدها وأما أنتن فإن الله رفعكنَّ وشرّفكنّ، وأعلى قدركنّ ومكانتَكنّ، وحفِظ حقوقكنّ، فاشكُرنَ النعمة، وامتثلن الأمر بالحجاب الشرعي ، فما شرع إلاّ حمايةً لأغراضِكن وصيانةً لنفوسِكن وطهارةً لقلوبكنّ وعصمةً لكنّ من دواعي الفتنة، فعليكنّ بالاختِمار والاستِتار، واغضُضنَ من أبصاركنّ، واحفظن فروجَكنّ،وأطعن أزواجكن بالمعروف تدخلن الجنة قال صلى الله عليه وسلم ( إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت " 

واتقوا الله يا معاشر الآباء والأزواج احفظوا نساءكم وتذكروا قول لله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمّا استرعاه: حفظ أم ضيَّع؟ حتى يسأل الرجلَ عن أهل بيته) .