الخميس، 26 سبتمبر 2013

خطبة : فضل قراءة وتعلم القرآن

الخطبة الأولى : أيهَا المؤمنونَ: قال تعالى في محكم التنزيل: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ "  إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أنزلَهُ علَى قلبِ نبِيِّهِ محمدٍ خاتمِ النبيينَ، قالَ عزَّ وجلَّ:( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)  هذا الكتابُ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، وفُصِّلَتْ كلماتُهُ، وحُفِظَتْ مِنْ عَبَثِ العابثينَ، وتحريفِ الْمُحَرِّفينَ، قالَ تعالَى:( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ* لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)
سَمَّاهُ اللهُ تعالَى بأسماءٍ كريمةٍ، ووصفَهُ بصفاتٍ حكيمةٍ، فهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وهوَ الشفاءُ النافِعُ، والدواءُ الناجِعُ، عِصْمةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بهِ، ونجاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، وهدايةٌ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ولذلك أوصانا الله بالتمسك به وحثنا النبي صلى الله عليه وسلم على لزومه، قال تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" وروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: قال صلى الله عليه وسلم: أَلاَ وَإِنِّى تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلاَلَةٍ "

ويستلزِمُ التمسكُ بالقرآنِ الكريمِ العنايةَ بحفظِهِ وتلاوتِهِ، والمواظبةَ علَى قراءتِهِ وتدبُّرِهِ، والحرصَ علَى العملِ بأحكامِهِ ومبادئِهِ، والتخَلُّقَ بأخلاقِهِ وقِيَمِهِ، والقيامَ بتَعَلُّمِهِ وتعليمِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلم:«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»

عبادَ اللهِ: إنَّ للتمسكِ بالقرآنِ الكريمِ ثمراتٍ شتَّى، وفوائدَ عُظْمَى، تعودُ علَى الإنسانِ بِخَيْرَيِ الدنيَا والآخرةِ، فقارئُ القرآنِ الكريمِ قد أثنى الله عليه ووعده بالأجر العظيم قال تعالى : :"إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ" ، ومن عظيم بركة القرآن مضاعفة الحسنات لقارئه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:( مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ)  فكم من الحسنات ضيعت يا عباد الله بالإعراض عن تلاوة القرآن وتدبره . 

وبالقرآنِ وحفظه يرتقِي المؤمنُ يومَ القيامةِ درجاتِ الجنانِ قَالَ صلى الله عليه وسلم:( يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا) قال بعض شراح الحديث:وصاحبُ القرآنِ هُوَ مَنْ يُلَازِمُهُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْعَمَلِ.

وفي ذلكم اليوم العظيم الذي تقترب فيه الشمس من الرؤوس ويلجم العرق الناس، يأتي القرآن شفعيا لأصحابه، فعن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " أي السحرة . رواه مسلم.  
  
بل إن في تعلم القرآن أجر وفضيلة تعلو وتزيد على أنفس الأموال وأغلاها ثمنا في الدنيا، فروى مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ :خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ – والناقة الكوماء هي العظيمة السنام وهي من أفضل أنواع النوق عند العرب- فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ قَالَ أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الْإِبِلِ" 

فإذا خرجت أخي المسلم إلى المسجد لتتعلم كتاب ربك وتقرؤه فأبشر بهذه البشارة العظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ» فإذا جلست في حلقات القرآن فأنت في خير عظيم وفضل عميم قال صلى الله عليه وسلم: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ " 

فاللهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ العظيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ أبصارِنَا، وَجِلاَءَ همومِنَا، وَذَهَابَ أحزانِنَا، وارزُقْنَا تلاوتَهُ، ووفِّقْنَا للعملِ بهِ والتخلُّقِ بأخلاقِهِ 



الخطبة الثانية : أيهَا المسلمونَ: مِنْ ثمراتِ التمسُّكِ بالقرآنِ استقامةُ الإنسانِ علَى طاعةِ الرحمنِ، فيتلُو القرآنَ الكريمَ حقَّ تلاوتِهِ، ويتَّبِعُهُ حقَّ اتِّبَاعِهِ، فيعملُ بآياتِهِ، ويقِفُ عنْدَ حُدودِهِ، ويُحِلُّ حلالَهُ، ويُحَرِّمُ حرامَهُ، ويتخلَّقُ بأخلاقِ القرآنِ، فقَدْ سُئِلَتِ أم المؤمنين عَائِشَةُ رضي الله عنها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وسلمفَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ " . 
والتمسُّكُ بالقرآنِ الكريمِ سببٌ لسعادةِ الأُسر والبيوت واستقرارِهَا، والبركةِ فِي حياتِهَا، وكَثْرَةِ خيراتِهَا، وكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ في الْبَيْتُ إذَا تُلِيَ فِيهِ كِتَابُ اللهِ اتَّسَعَ بِأَهْلِهِ، وَكَثُرَ خَيْرُهُ، وَحَضَرَتْهُ الْمَلائِكَةُ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ، وَالْبَيْتُ إذا لَمْ يُتْلَ فِيهِ كِتَابُ اللهِ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، وَقَلَّ خَيْرُهُ، وَحَضَرَتْهُ الشَّيَاطِينُ 

ومِنْ ثمراتِ التمسُّكِ بالقرآنِ شفاءُ الإنسانِ، قالَ عزَّ وجلَّ:( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ففيه الشفاء من أمراض الشبهات والشهوات، والأوجاع والأسقام وما يصيب القلوب من هموم وغموم وأحزان . 

جماعة المسلمين: لقد انشغل الكثير منا بأمور الدنيا وتغافلنا عن كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وفي ذلك علامة على مرض القلوب قال ابن القيم: فالقلب الطاهر، لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث، لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذى لم يطهره الله تعالى، فإنه يتغذى من الأغذية التى تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا تلائمه الأغذية التى تلائم الصحيح " 

فبعض الناس لا يقرأ القرآن إلا يوم الجمعة إذا حضر قبل الإمام، وبعضهم يقرؤه في رمضان، وبعضهم إذا وجد فسحة من وقته وملل، فأعطينا القرآن ما زاد من أوقاتنا وفضُل، واستبدلت تلاوة القرآن بقراءة الصحف والمجلات بل قد يمضي العبد أكثر من ساعة وهو يتصفح جريدة أو يطالع مجلة وإذا ما أراد قراءة القرآن فتكفيه دقائق، وهذا خلاف فعل السلف رحمهم الله الذين عرفوا قدر كتاب ربهم، فعن أبي الزناد رحمه الله قال: كنت أخرج من السحر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أمر ببيت إلا وفيه قارئ " وقيل لأخت مالك بن دينار رحمه الله: ما كان شغل  مالك في بيته ؟ قالت المصحف والتلاوة " وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره " 

فاعمروا قلوبكم وبيوتكم بتلاوة كتاب ربكم، واحفظوه وحفظوه أولادكم،  فمَنْ علَّمَ أبناءَهُ القرآنَ أُلْبِسَ تاجاً مِنْ نُورٍ عنْدَ الرحمنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:( مَن قَرَأَ الْقُرآنَ وَتَعَلَّمَهُ، وَعَمِلَ بِهِ أُلْبِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجَاً مِنْ نُورٍ، ضَوْؤُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَيُكْسَى وَاْلِدَيْهِ حُلَّتَانِ لاَ تُقَوَّمُ بِهِمَا الدُّنْيَا، فَيَقُولاَنِ: بِمَ كُسِينَا؟ فَيُقَاْلُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرآنَ)

الخميس، 12 سبتمبر 2013

حل المشكلات الزوجية والطلاق

الخطبة الأولى : يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "  
ينوِّه الله جلّ وعلا إلى نعمةٍ عظيمة امتنَّ بها على عباده، ألا وهي العلاقة بين الزّوجين التي يحصُل بها السّكون والطمأنينة في هذه الحياة، فيجِب على العبدِ أن يرعاها حقَّ رعايتها، ولا يتسبَّب في زوالها وفِصامها بعدَ توكيد عُراها. 

ولقد بين الإسلام حقوقَ كلٍ من الزوجين أتمَ بيان ، وأوصى كلاً منهم بالآخر ، لأن من الأهدافِ المرعية في الشريعة الإسلامية في ما يخصُ جانبَ الأسرةِ هو استمرارها ودوامُها فقال تعالى: " وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"  فإذا عرف الزوج الحقوقَ والواجباتِ التي عليه تجاه زوجته وقام بها ، وعرفت الزوجةُ الحقوقَ والواجبات تجاهَ زوجها وبيتها وأدتها على حسب استطاعتها ، دام الزواج واستمر وكانت نتيجته بيتا مسلما وذرية طيبة تخدم الدين والوطن .  

وإذا ما تنكر أحد الزوجين للآخر فأهمل في واجباته وحقوقه حصل الخصام والشقاق حتى يصل الأمر إلى الفراق والطلاق ، وهذا الذي يفرح به الشيطان ويسعى له، فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ "  

أيها المسلم : إن حصول المخاصمات والمشاحنات بين الزوجين أمر واقعٌ لا محالة ، لاختلاف الطباع والأمزجة ، ولكن شريعتنا السمحة وضعت من الحلول ما يكفل إصلاح الخلل تجنبا للفراق فقال تعالى:" وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا" فأمر الله تعالى إذا ما عصت المرأة وخالفت طاعة زوجها أن يعظها ويذكرها بالله فالذكرى تنفع المؤمنين ، فإذا ما استجابت هجرها بأن لا يكلمها ولا يضاجعها في نوم ولا غيره ، فإن لم تستجب شرع للزوج ضرب الزوجة ضربا غير شديد وإنما القصد منه التأديب والزجر لا الإيلام والإعاقة . 

فإن لم يحصل بذلك صلح ووفاق قال تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا" فيختار كل من الزوجين رجلا عدلا عاقلا من أهل العلم والديانة لينظرا في حالهما فيقربا وجهات النظر ويسعيا إلى لم الشمل ورأب الصدع ، فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماع الزوجين وإصلاحهما إلا على وجه المعادات والقطيعة فلهما التفريق بينهما .

جماعة المسلمين أيها الأزواج قال : " وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" وقال نبينا صلى الله عليه وسلم " لا يفرُك مؤمن مؤمنة – أي لا يبغض زوج زوجته - إن كره منها خلقا رضي منها آخر "  
فهذا توجيه من الله ورسوله للمسلمين أن يحسنوا لزوجاتهم بالمعروف، فإذا رأى الزوج من زوجته خطأ أو تقصيرا فلا يكون ذلك سببا للعداوة والخصام بل عليه أن يلحَظَ ما في زوجتِه من الأخلاقِ الحميدة والحسنات التي لا تحصل إلا بوجودها، وأن يجعلها في مقابَلة ما كرِه من أخلاقها، وليعلَم الرجل أنّ الكمالَ متعذِّر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرشد الأزواج ويوصيهم بالنساء خيرا فقال : اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَىْءٍ فِى الضِّلَعِ أَعْلاَهُ ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ"  وفي رواية لمسلم قال صلى الله عليه وسلم "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا " قال أهل العلم في الحديث دليل على أنه لا يمكن للرجل الاستمتاع بالمرأة إلا بالصبر عليها .  

أيتها الزوجة : اعلمي أن حق الزوج عليك عظيم جدا قال صلى الله عليه وسلم: " لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا" فاعرفي لزوجك عليك حقه، واسعي إلى إرضائه وطاعته ما استطعت إلى ذلك سبيلا، روى الإمام أحمد في المسند عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ، أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: " كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ " قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: " فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ " 

فلا تتعاملي مع زوجك تعامل الند مع نده، بل وإن أخطأ في حقك فاسعي إلى مراضاته وتطييب خاطره فإن ذلك من صفات نساء أهل الجنة قال صلى الله عليه وسلم: " نساؤكم من أهل الجنة الودود العؤود على زوجها التي إذا غضبت جاءت حتى تضع يدها في يده ثم تقول : لا أذوق غمضا حتى ترضى " 

وليكن مبدأ الصلح هو شعارك دائما في خصومتك مع زوجك قال تعالى : " وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " 
إخواني في الله : إن في التزام الزوجين للوصايا الشرعية في طريقة التعامل بينهما خير معين لهما على استمرار حياتهما الزوجية، وشكر الله عليها . 


الخطبة الثانية : عباد الله لقد أباح الإسلام الطلاق ولكن جعله آخر الحلول بين الزوجين ، فإذا تكدرت الحياة الزوجية واستحال الاستمرار فيها وخيف من معصية الله ورسوله شُرع للرجل أن يطلق زوجته وشرع للمرأة أن تطلب الخلعَ من زوجها أو أن ترفع أمرها للقاضي ليفرق بينهما .

ولكن ليس للمرأة أن تطلب الطلاق لغير سبب أو عذر شرعي قال صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة "  

 وعلى الرجل أن يحكم عقله في أمر بيته وأسرته ، فلا يجعل كلمة الطلاق وسيلة للتهديد والوعيد ، أو يمينا يحلف به متى ما احتاج إلى ذلك وربما لأتفه الأسباب ، أو أن يتكلم بالطلاق هازلا فإن ذلك من الحمق والسفه ، وعقوبة له أوقع الإسلام طلاق الهازل ولو لم يرده .

إن محاكمنا الشرعية لتشتكي من كثرة قضايا الطلاق وما يتعلق بها من مسائل وأحوال ، وإنما يرجع ذلك إلى عدم الفقه السليم للطلاق وأحكامه من قبل الزوجين، فالشريعة الإسلامية بينت أحكام الطلاق ولم تجعله عبثا ،  فجعلت للرجل أن يطلق المرأة عند الحاجة طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدتها، ثم إن بدا له في تلك الفترة أن يراجعها فله ذلك بلا مهر ولا عقد جديدين، وإن انقضت عدتها قبل أن يراجعها بانت منه، ولم تحل له إلا بعقد جديد قال الله تعالى: " الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ "، والطلاق المحرم كأن يطلقها ثلاثاً بلفظ واحد أو يطلقها وهي حائض أو نفساء، أو يطلقها في طهر وطئها فيه ولم يتبين حملها. كل هذا يعد من الطلاق المنهي عنه .

يا أيها الآباء والأمهات انصحوا لبناتكم أن يحسن عشرة أزواجهن والصبر عليهم ولا يتسرعن بطلب الطلاق فهذا من تمام تربتكم لابنتكم، فهذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينصح ابنته حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها ذات مرة:)أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ قَالَتْ نَعَمْ . فقال : قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ ، أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم – فَتَهْلِكِى، لاَ تَسْتَكْثِرِى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ تُرَاجِعِيهِ فِى شَىْءٍ ، وَلاَ تَهْجُرِيهِ ، وَسَلِينِى مَا بَدَا لَكِ ، وَلاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - - يُرِيدُ عَائِشَةَ  " 

أما أن يكون الأب والأم سببا لطلاق ابنتهما من زوجها لأتفه الأسباب، فهذا مما يرفضه العقل وتمجه الفطر السليمة . 

كماأنبه الرجال على وجوب تنفيذ الشروط التي اشترطت عند عقد الزواج، فالكثير منهم يوافق عند العقد ثم لا يوفي به بعد الزواج، وقد قال صلى الله عليه وسلم:( أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ) ، وكذلك الزوجة لا يحق لها طلب الطلاق من أجل أن زوجها قد تزوج عليها، بل تتقي الله وتصبر لأن هذا من شرع الله تعالى الذي أباح التعدد للرجال بشرط العدل بين الزوجات.

فاتقوا الله جميعا في أنفسكم واجعلوا همكم طاعة ربكم والاستعداد لليوم الآخر، واهتموا بتربية أولادكم على طاعة الله ليكونوا لكم ذخرا في ميزان حسانكم يوم القيامة . 





الخميس، 5 سبتمبر 2013

خطبة: فضل العلم -بداية العام الدراسي الجديد-

الخطبة الأولى :جماعة المسلمين ؛ منذ شهور مضت ودع أبناؤنا عاما دراسيا ماضيا ، وها هي الأيام قد مضت وولت ، وإذا هم على أبواب عامهم الجديد ، فتأملوا حال الدنيا ، أيام تمضي وسنوات تمر ، وينقضي عمر ابن آدم وينتهي وهو لاه عن حقيقة ما خلق له من عبادة الله وتوحيده ، وهو معرض عن ما ينتظره من أهوال من بعد موته إلى الجنة أو النار ، عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ  . فتأملوا ذلك واتعظوا 

عباد الله : لقد مدح الله سبحانه وتعالى , العلم وأهله وحث عباده على العلم والتزود منه ، فالعلم من أفضل الأعمال الصالحة قال الإمام أحمد رحمه الله ( العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته قالوا : كيف ذلك ، قال ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره ) ، وذلك لأن الأصل في الإنسان أنه جاهل يحتاج إلى العلم ليحيا حياة طيبة قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)  ، فصاحب العلم حي القلب مستنير البصيرة يسير إلى ربه على نور وهدى بخلاف صاحب الجهل فإنه متخبط في ظلمات الجهل أشبه الميت وهو حي قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وهذا العلم الذي حث عليه الشرع هو العلم الشرعي ، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله " فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيهما والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك ، والاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه أولا ثم الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيا ، وفي ذلك كفاية لمن عقل " أ.هـ  
والعلم الشرعي – إخواني في الله – هو ميراث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو سبيل للرفعة في الدنيا والآخرة ، وتأملوا هذا الحديث النبوي في ذكر فضائل العلم الشرعي روى الترمذي عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي فَقَالَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ . قَالَ : لَا . قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ 
وقال الله عز وجل في فضل أهل العلم ورفع منزلتهم في الدنيا والآخرة (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، وهذه الرفعة في الدنيا بسمو المنزلة وعلو الشأن بين الناس، ورفعة في درجات الجنة . 

إخوة الإسلام: إن ديننا يشجع المسلم على كسب العلوم والمعارف الدنيوية التي تزود الأفراد والمجتمع بكل صالح ونافع يحقق عمار الأرض ومصالح العباد وفق ما أراد الله جلّ وعلا قال سبحانه (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) لكن لا بد أن تبنى هذه العلوم الدنيوية على العقيدة الصحيحة وعلى الأسس التربوية الشرعية السليمة وعلى الأخلاق الفاضلة، أمّا إذا تجرَّد التعليمُ وأهدافه من الإيمان فأضحَتِ الوسائل والمقاصِد مادّيةً بحتة فهو الوبالُ والشقاء ، وهذه حضارةُ اليوم شاهِدٌ حيّ على هذا النتاج، فشقِيت أمَمٌ بصِناعاتها واختِراعاتها، وأصبح التّسابُقُ في وسائِلِ الدمار لا في العَمَار والاستقرار، وأضحَى الظلمُ والطغيان وسرقةُ الأوطانِ هو شعار أقوَى الدّوَل وأظهرِها في الحضارة المادية ، فما الرّبح في كثرةِ المتعلِّمين إذا غُيِّبتِ المبادئ والحقائِق وصودِرَ الدين وشُغِل العامّة بالشّهوات واللّهَثِ وراءَ المادّة في غفلةٍ عن الآخرة؟! قال تعالى (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) 

أيها المسلمون : إن التربية والتعليم منظومة متكاملة وسلسلة متصلة لا ينفك بعضها عن بعض ، ومع بداية العام الدراسي الجديد يتحمل الجميع مسؤوليات كثيرة ، والواجب علينا جميعا أن نقوم بهذه المسؤولية على أكمل وجه  

أيها الطلاب والطالبات ، إن عليكم واجبات فقوموا بها على الوجه الصحيح ، استحضروا النية الصالحة عند ذهابكم إلى المدرسة بطلبكم العلم النافع فتنفعوا أنفسكم ودينكم ووطنكم، ثم احرصوا على الاجتهاد في الدراسة ومتابعتها والحرص عليها ، فدولتنا بفضل من الله ثم بتوجيهات من حكامنا أطال الله أعمارهم وأمدهم بالصحة والعافية وعلى رأسهم رئيس الدولة قد أولوا اهتماما بالغا بالتعليم فوفروا لك أيها المتعلم كل وسائل التعلم ، وكل ذلك من أجل خدمتكم يا معاشر المتعلمين ، فهذه نعمة لا بد أن تقابل بالشكر للمنعم وهو الله عز وجل ثم لهذه الدولة ، وشكرها يكون بالاجتهاد والمثابرة على طلب العلم وتحصيله، وهذا الاجتهاد يحتاج إلى صبر فالعلم لا يرام براحة الجسد .

كما أوصيكم إخواني الطلاب والطالبات باحترام المعلمين جميعا ، وبذل الوسع في الاستفادة من علومهم وأخلاقهم الحسنة ، فالمعلم هو أساس التعلم ، فإن أحببت معلمك وأحبك بذل لك كل ما في وسعه لتعليمك ، وإن احتقرته وتطاولت عليه فاتك علم كثير ،وهذا مثال من واقع الصحابة ، ابنُ عباس ابنُ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعه نسبه وعلو منزلته حين يبلغه الحديث عن رجل أن يأتي بابه وهو قائلٌ نائم، فيقول رضي الله عنهما: فأتوسّد ردائي على بابه، تسْفِي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟! هلاّ أرسلت إليّ فآتيك؟! فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث. هذا هو الأدب حقًا.

كما أن سعة الصدر والتواضع من سمات طلبة العلم، فقد قال أحد العلماء: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. وأدبك في مدرستك انعكاس لتربية والديك لك، فإن أحسن والدك تربيتك فسيظهر ذلك في حسن تعاملك وخلقك في مدرستك، وإن أسأت فهو عنوان فساد تربية والديك لك في المنزل.                        وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه. 


الخطبة الثانية : أيها المعلم والمعلمة : اتقوا الله عز وجل في الرعية التي استرعاكم الله إياها قال صلى الله عليه وسلم" مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، فاخلصوا في عملكم وابذلوا جهدكم في تعليم أبنائِكم وإخوانِكم من المتعلمين ولا تقصروا أبدا  ، وكونوا أمامهم قدوة حسنة ، وعلموهم كل ما ينفعهم ، واعلموا أنكم تعملون بوظيفة الأنبياء جميعا وهي التعليم ولكم الأجر العظيم قال النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  (مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ  ) وقال عليه الصلام والسلام في خطاب للمعلمين: سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاقْنُوهُمْ – أي علموهم- " رواه ابن ماجة بإسناد حسن

أيها الأب والأم ، إنَّ مهمّةَ تربيةِ الأولاد مهمّةٌ عظيمة، خصوصًا في هذا الزّمنِ الذي تَلاطمَت فيه أمواجُ الفتن واشتدَّت غربةُ الدين وكثُرت فيه دواعي الفساد، حتى صار المربِّي مع أولاده كراعِي الغَنَم في أرضِ السّباع الضارية إن غفَل عنها أكلَتها الذئاب.
 فليس دوركم هو توفير الحاجيات المدرسية والنفقات اليومية فقط بل هذا واجب عليكم تجاه أبنائكم ، ولكنك أيها الأب عليك واجب عظيم وهو تحمل المسؤولية الكبرى في تعليم ولدك وتربيته ومتابعته، فالوالد هو المخاطَب بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وهذه الآية أصل في تعليم الأهل والذرية، وليست التربية والتعليم مقتصرة على المدارس والمعلمين بل هي عمل مشترك بين الوالدين وبين المدارس   ، فراقبوا أولادكم ولاحظوا دروسهم ،لا تسمحوا لهم بالسهر الطويل في اللعب واللهو والجلوس على الفضائيات التي أفسدت التربية والتعليم في كل بقاع الأرض ، راقبوا استعمالهم للانترنت فإن سلاح ذو حدين، وقد سهل استعماله في زماننا وانتشر حتى صار في الهواتف النقالة مع كل شخص، مما سهل الانفتاح على العالم الخارجي بمفاسده ومنافعه.  

لاحظ على ولدك أو ابنتك من يصاحبون فأصحاب السوء مرض عضال فتاك لا علاج له إلا ببتره وقطعه وكما قيل (الصاحب ساحب ) و على الوالدين أن يخصصوا لأولادهم جزءا من أوقاتهم للإشراف على مذاكرتهم وتعليمهم ، وعليهم أن يسألوا عنهم في مدارسهم وعن أحوالهم الدراسية ، فالبيت جزء من التعليم لا ينفك عنه ، وأذكّركم قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سائل كل رجل عما استرعاه: أحفظ ذلك أم ضيّعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته)) .

الجمعة، 23 أغسطس 2013

خطبة جمعة : تأملات في سورة الضحى

الخطبة الأولى :  أيها المسلمون يقول ربنا عز وجل في محكم التنزيل : "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ  " فمن عظيم مقاصد إنزال القرآن تدبر آياته ومعانيه، وقد حث الله سبحانه على هذه العبادة ورغبهم فيها فقال :" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"  ، فبتدبر كلام الله يتعرف العبد على ربه ومولاه، فيزيد إيمانه، وتقوى علاقته بربه، قال ابن القيم: فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر... فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها " 
ومن سور القرآن التي بين الله فيها سبحانه وتعالى مكانة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلوَّ قدره، والنعم التي أسبغها عليه وعلى أمته سورة الضحى . 

فروى البخاري عن جُنْدُب بْنِ سُفْيَانَ - رضى الله عنه - قَالَ اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَالضُّحَى،  وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى 

فأقسم ربنا سبحانه وتعالى في بداية السورة بالضحى وهو النهار وبالليل إذا أقبل فغطى كل شيء بظلمته الحالكة، وسكون الخلق فيه، وهذا قسم عظيم بطرفي الزمان وهو الليل والنهار، ورب العزة لا يقسم إلا بعظيم، والخلق لا يجوز لهم أن يقسموا إلا بالله العظيم وحده دون سواه أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته، فروى الإمام أحمد عَنِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَحَلَفَ رَجُلٌ بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيْحَكَ لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فقد أشرك" . 

وأما المقسم عليه فهو قوله تعالى : "مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" فيخبر الله سبحانه وتعالى عن امتنانه على نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه ما تركه وما أبغضه، بل هو خليل الله، والخلة أعلى أنواع المحبة، قال صلى الله عليه وسلم:" فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِى خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً " ، وما تركه ربه بل رعاه وحماه وحفظه قبل ولادته وقبل بمبعثه وبعد موته .قال تعالى : " وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا" 

ثم بين الله سبحانه وتعالى عظيم الأجر والثواب المعد للنبي عليه الصلاة والسلام فقال :(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى)  أَيْ: أَنَّ مَا أعدَّهُ اللهُ تعالَى لكَ فِي الآخرةِ خيرٌ مِنَ الدنيَا ومَا فيهَا، فلاَ تحزَنْ علَى مَا فاتَكَ منْهَا، فإِنَّ الذِي لكَ عنْدَ اللهِ خيرٌ منْهَا، فكانَ  أزهَدَ الناسِ فِي الدنيَا، ولَمَّا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  فِي آخِرِ عُمرِهِ بيْنَ الْخُلْدِ فِي الدنيَا وَبينَ اللحاقِ بربِّهِ عزَّ وجلَّ، اختارَ مَا عندَ اللهِ تعالَى طلباً لذلكَ النعيمِ، فعَن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ  أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خرجَ فِي مَرَضِهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ... فَقَالَ:« إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ» 

وقد بين هذه الخيرية وأكدها بقوله تعالى : "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى"  ولقد أعطاه الله تعالى ما يرضيه صلى الله عليه وسلم،  فقال تعالى : "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" ، وبين صلى الله عليه وسلم هذا المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى يوم القيامة، فإن الخلق يأتون الأنبياء من أولي العزم ليشفعوا لهم عند الله، فيعتذرون، ثم يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا نبي الله أنت الذي فتح الله لك وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك فيقول أنا صاحبكم فيخرج يجوس بين الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب فيقرع الباب فيقول من هذا فيقول محمد فيفتح له حتى يقوم بين يدي الله عز وجل فيسجد فينادى ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فذلك المقام المحمود  " رواه الطبراني . 

وأعطاه الله الوسيلة وهي منزلة عالية لا تنبغي إلا لعبد واحد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ. رَوَاهُ مُسلم 

ثم بين الله امتنانه على نبيه صلى الله عليه وسلم بجملة من النعم في الدنيا فقال : " أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى" فقد ولد صلى الله عليه وسلم يتيم الأب، ثم توفيت أمه ولما يتجاوز السادسة من عمره، ولكن الله يسر من قام على تربيته والعناية به .
ومن هذه الرعاية قوله تعالى :" وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى" أي غير عالم فمنحك العلم بالوحي قال تعالى : " وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" 

ومن رعاية الله به أن أغناه بعد فقر  فقال : "وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى" حتى فاض المال يوم حنين فأعطى عطاء من لا يخشى الفقر. 
هذه منزلة نبيا صلى الله عليه وسلم عند ربه، ألا فاعرفوا له قدره، واتبعوا سنته، واقتفوا أثره، تكونوا من المفلحين . 


الخطبة الثانية : أيهَا المسلمونَ: وقَدْ أشارَتْ سورةُ الضحَى إلَى أهميةِ رعايةِ الأيتامِ الذينَ فقدُوا آباءَهُمْ، قالَ تعالَى:(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) فكانَ صلى الله عليه وسلم يحنُو علَى الأيتامِ ويرعاهُمْ، ويُشجِّعُ علَى كفالتِهِمْ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :"أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَلِيلًا" فهنيئاً  لكافلِ اليتيمِ، بِهذَا المقامِ العظيمِ.

كمَا أشارَتِ السورةُ إلَى رعايةِ الفقراءِ والمحرومينَ، قالَ تعالَى:( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) فكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعطِي عطاءَ مَنْ لاَ يخشَى الفقْرَ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ:« مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»

وقَدْ حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ استغلالِ ضعافِ النفوسِ لهذَا التوجيهِ القرآنِيِّ، بإظهارِ المسكنةِ وفقْرِ الحالِ، تَهَرُّباً مِنْ مَؤونةِ العملِ والكسبِ الحلالِ، وطلباً للاستزادةِ مِنَ المالِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»

واعلمَوا عبادَ اللهِ أنَّ الصدقاتِ والمساعداتِ الاجتماعيةَ، التِي تُقدِّمُهَا الجهاتُ الخيريةُ والرسميةُ، لاَ تَحِلُّ إلاَّ لِمَنْ يَستحِقُّ تلكَ العطيةَ، وفقَ الضوابطِ الشرعيةِ، والشروطِ القانونيةِ، فلاَ يَحِقُّ لأحدٍ أَنْ ينتَزِعَ حقًّا مِنْ حُقوقِ المحتاجينَ، بتقديمِ معلوماتٍ أَوْ مُستنداتٍ تُخالفُ الواقعَ وتُضلِّلُ الْمَانِحِينَ، فهذَا عمَلٌ يُنَافِي المروءةَ والدِّينَ، ويُوجِبُ لفاعلِهِ الجزاءَ يومَ الدِّينِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«إنَّ رِجالًا يتَخَوَّضُونَ في مالِ اللّهِ بِغيْرِ حقٍّ فلَهُمْ النّارُ يوم الْقِيامَةِ»

عباد الله :اعلمُوا أنَّ التحدُّثَ بِنِعَمِ اللهِ تعالَى نوعٌ مِنَ الشكْرِ للهِ علَى مَا أنعَمَ وأَوْلَى، ولذلكَ أمَرَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بذلكَ فِي ختامِ سُورةِ الضُّحَى فقالَ:( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) وقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ، وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ والجَماعةُ رَحمةٌ، والفُرقةُ عَذاب»
فنحمَدُ اللهَ تعالَى علَى نِعَمِهِ العُظْمَى التِي نتفَيَّأُ ظلالَهَا فِي إماراتِنَا الحبيبةِ، فالقلوبُ مُتآلِفَةٌ بكَرَمِ اللهِ، وبلادُنَا مستقرَّةٌ برعايةِ اللهِ، وقادَتُنَا نُحبُّهُمْ ويُحبونَنَا بِحُبِّ اللهَ، وندعُو اللهَ عزَّ وجلَّ أَنْ يحفظَهُمْ بِحفْظِهِ، ويَزيدَهُمْ بتوفيقِهِ" 
فلندع لهم بالخير والصلاح، ولنسع إلى تثبيت الأمن في بلادنا، ولنسمع ولنطع لمن ولاه الله أمرنا في المعروف، وأن لا نشق وحدة صفنا. 
ولا يغرنكم ويخدعكم دعاة الضلال الذين يزينون الخروج على ولاة الأمر باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الطغاة فإنهم دعاة على أبواب جنهم، فبسببهم سفكت دماء المسلمين، وضيع الأمن في بلادهم، وانتهبت الأموال، وربما حرضوا على الجهاد دون إذن ولي الأمر وهم جلوس في بيتوهم ومع أسرهم . 
فلنحمد الله على ما منّ به علينا من نعم في بلادنا، فبالشكر تزيد النعم وتدوم، وبالكفر وبنكرانها تضمحل وتزول. 

الأحد، 11 أغسطس 2013

خطبة عيد الفطر 1434 هـ .

الخطبة الأولى
أيها المسلمون؛ من النعم العظيمة على العبد أن يوفقه الله لإدراك شهر رمضان المبارك، إذ به تزيد حسناته، وترتفع درجاته، ويستكمل أركان دينه، عن طلحة بن عبيد الله أَنَّ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخِّرَ الآخَرُ بَعْدَ الْمَقْتُولِ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ. قَالَ طَلْحَةُ: رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فِي الْمَنَامِ، فَرَأَيْتُ الآخَرَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَوَّلِ، فَأَصْبَحْتُ فَحَدَّثْتُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَبَلَغْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى بَعْدَهُ سِتَّة آلَاف رَكْعَة وَكَذَا كَذَا رَكْعَة " فقد دلت هذه القصة على فضيلة إدراك رمضان، فعلينا أن نشكر المنعم بأن نحسن في عباداتنا فنؤديها كما أمرنا سبحانه وتعالى، فننال شرف العبودية وعظيم الأجر والجزاء. 

والصائم موعود بفرحتين ينالهما جزاء عبادته، قال صلى الله عليه وسلم: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ " فهذا يوم الفرح والسرور بإكمال العبد لعبادة عظيمة يرجو ثوابها، وبقيت فرحة اللقاء بالرب الجليل الكريم، ليوفي العاملين أجرهم، وقد وعدهم به والله لا يخلف الميعاد. 

ولكن ليقف المسلم مع نفسه وقفة محاسبة قبل أن يقف بين يدي ربه ليحاسبه، هل صام وأدى العبادة كما أمره ربه، أم فرط وقصر، فالصيام الشرعي ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب فقط وإنما يشمل صوم الجوارح عن ما حرم الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم "

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد

أيها المسلمون : اعبدوا ربكم وأخلصوا له، فإنه حق الله عليكم أجمعين، ولذلك خلقكم، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) وروى البخاري ومسلم عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  " 

بإخلاص العبادة لله تعالى تتحقق للعباد السعادة في الدارين، أمن وهداية في الدنيا وعند الموت وفي القبر ويوم الحساب والجزاء قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) 

بالتوحيد ونبذ الشرك يتحقق التمكين للعباد في البلاد، وبضده ينقلب الأمن خوفا، والسعادة شقاء، قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

وحقيقة التوحيد أن تفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة وأن لا تصرفها لمخلوق كائنا من كان، ولو كان ملكا مقربا، أو نبيا مرسلا، أو وليا صالحا، فمن صرف شيئا من العبادة لهم فقد أشرك،  قال تعالى : "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ "  ، وأبطل الله صرف شيء من العبادة لغيره وأخبر عن عجزهم عن جلب النفع لأنفسهم أو دفع الضر عنها فضلا عن غيرهم فقال : " وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ " 

ومن الشرك بالله دعاءُ غير الله تعالى وسؤالُهُ جلبَ المنافع ودفع المضار، كأن يتوجه للجن كما يفعل السحرة والكهان، وقد قال تعالى : "وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا " ، أو يتوجه بذبحه ودعائه لقبر ولي صالح، والدعاء عبادة لا تصرف إلا لله قال صلى الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة" 

ومن صور الشرك الذهاب للسحرة والعرافين وسؤالُهم علاجَ المس والعين أو جلب منفعة موهومة أو دفع مضرة، أو لطلب التفريق بين زوجين أو عملِ ما يزيد المحبة بينهم، فكله باطل محرم. قال تعالى : "وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ " وقال صلى الله عليه وسلم: -صلى الله عليه وسلم- قال « من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد

أيها المسلمون: عليكم بإتباع سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ففيها النجاة لمن أراد السعادة في الدارين، وفيها الخلاص من الفتن والاختلاف، قال صلى الله عليه وسلم مبينا ما سيحصل في هذه الأمة من الاختلاف والتفرق ، فقال عليه الصلاة والسلام: مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا" ثم ذكر الدواء فقال :  فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا " فالنجاة في الإتباع الحقيقي لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنة السلف الصالح من الصحابة والتابعين . 

وتأملوا رحمكم الله إلى أثر تطبيق السنة في حصول النصر والظهور لهذا الدين، فروى ابن عساكر عن أبى هريرة – رضي الله عنه- قال : والذى لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبد الله، ثم قال الثانية ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة .  فقال إن رسول الله  - صلى الله عليه وسلم -  وجَّه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم – فقالوا: رُدَّ هؤلاء. تُوجِهُ هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟

 فقال: والذى لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبى  - صلى الله عليه وسلم -  ما رددت جيشا وجهه رسول الله  - صلى الله عليه وسلم - ، ولا حللت لواءً عقده ،فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام. 

فتأملوا رحمكم الله : توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب حول المدينة، وظهر مانعوا الزكاة، فالأمور مضطربة، والخوف مسيطر، والمنطق البشري يدل على بقاء الجيش لحماية المدينة وقتال المرتدين، إلا أن أبا بكر -رضي الله عنه- وببصيرة المتبع للكتاب والسنة، يُنفذُ جيشَ النبي صلى الله عليه وسلم، تطبيقا لأمره، وسيرا على سنته، فكانت النتيجة أن انتصر الجيش، وغنموا، وسلموا، واندحرت حركات الردة بغير قتال، إنها بركت تطبيق السنة . قال الزهري رحمه الله: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة " 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد

عباد الله : في هذه الأزمان اختلطت الأمور على أهل العقول، حتى صار الحليم حيرانا، فتفرقت صفوف المسلمين، وسفكت دماءهم، وانتهبت أموالهم، وهتكت أعراضهم، وضعفت قواهم، وضاعت أحكام دينهم، وللأسف أن يتم كل ذلك بأيديهم لا بأيدي عدوهم. 
لقد نجح دعاة الفتنة في تأجيج نارها بين صفوف المسلمين، فقاموا يوقدون عليها بحطب المناداة بالحريات المنتهكة، وباسم قمع الظلم ورد الحقوق المغتصبة، وتحت شعار الديمقراطية وأحقية الشعوب في المشاركة في الحكم والرقابة على المال العام. 

فكانت نتيجة هذا الربيع العربي أن دُمرت بعض بلاد المسلمين دمارا لا يرجى إصلاحه إلا بعد عقود من الزمن، وانقلبت الحريات التي ينادي بها دعاة الفتنة إلى ذعر وقتل،  وظهرت نواياهم التي يرمون من خلالها إلى تمكين أحزابهم ولو على حساب دماء المسلمين. 

فلا تغتروا يا عباد الله بهم ولا بصلاحهم فإنهم دعاة ضلال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف الخوارج بالاجتهاد في العبادة فقال عنهم: يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يجوز تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ "  وعلى الرغم من ذلك توعدهم فقال : "وَاللَّهِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ"
فالزموا –رحمكم الله – عبادة ربكم وأخلصوا له، واتبعوا سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام، فإن فيها النجاة والسعادة، والزموا جماعة المسلمين وإمامهم، وعليكم بالجماعة وإياكم والفرقة. 
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد 


  الخطبة الثانية :

أيها المسلمون:  لقد كنتم في شهر الصيام في عبادة وإقبال على الله –سبحانه وتعالى- تصومون نهاره، وتقومون ليله، تقرؤون كتاب الله وتتدبرون آياته، تتصدقون بالمال والطعام، فداوموا على الطاعات، واطلبوا مرضاة رب الأرض والسموات. 

فمما سنّه رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-، ورغّبَ فيه بعد رمضان صيامُ سِتٍّ مِن شوال. فإنّ مِنْ جملةِ شُكْرِ العبدِ لِرَبِّهِ على توفِيقِهِ لِصيامِ شَهْرِ رمضانَ، وقِيامِه؛ أنْ يَصومَ عَقِبَ ذلك شُكْراً  للهِ تعالى، وتأسِّيًا برسولِه-صلى الله عليه وسلم-، وموافَقةً له فيما رغَّبَ مِنَ الخير. قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ؛ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ " [رواه مسلم] . 

وسارعوا إلى إصلاح ذات البين فإن العيد أعظم مناسبة لذلك ، فمن كانت له خصومة مع أخيه المسلم فليبادر إلى التسامح منه والعفو عما بدر منه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهم الذي يبدأ بالسلام والذي يبدأ بالسلام يسبق إلى الجنة"

يا معاشر النساء : اسعينَ –رحمكنَّ الله – إلى فكاك أنفسكُنُّ من النار، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " وَنَظَرْتُ فِي النَّارِ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ " وقال -صلى الله عليه وسلم- « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ فَإِنِّى رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ قَالَ « تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ "  ، وروى أحمد في المسند قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْفُسَّاقَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَنْ الْفُسَّاقُ ؟ قَالَ النِّسَاءُ. قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَوَلَسْنَ أُمَّهَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا وَأَزْوَاجَنَا ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ إِذَا أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ وَإِذَا ابْتُلِينَ لَمْ يَصْبِرْنَ " 

والسبيل إلى الخلاص من النار هو أن تأَدينَ حقَّ الله عليكُنَّ بأداءِ ما فرضه الله، وانتهينَ عما نهاكُنَّ عنه تَكنَّ من أهل الفوز والسعادة قال صلى الله عليه وسلم (إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ) . 

أختي المسلمة : اعلمي أن سبب نهضة الأمة هو قرارك في مملكتك وهو بيتك، والتزامك بحجابك وحشمتك، فإن فعلت ذلك فقد صُنتِ المجتمع من فتنة عمياء صماء مهلكة، قال عليه الصلاة والسلام: ألا فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النساءَ، فإنَّ أولَ فتنةِ بَني إسرائيلَ كانتْ في النساءِ " 

وإياك والتبرج فإنه سبب للعذاب قال صلى الله عليه وسلم: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا : نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلاَتٌ مُمِيلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَمْثَالِ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ

وأنت أيها المسلم، يا من جعلك الله وليا على هذه المرأة، أبا كنت أو زوجا أو أخا، فإنك مأمور بوقاية نسائك ومن هم تحت ولايتك من النار بتأديبهم وتعليمهم أمور الدين وحملهم عليها قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ، ثم ستحاسب على ذلك بين يدي الله قال صلى الله عليه وسلم: إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" 

معاشر الرجال : استوصوا بالنساء خيرا فهذه وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لنا نحن الرجال فقال ( وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا " وقال صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله) فأدوا إليهن حقهن ، واصبروا عليهن قال تعالى { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} ، ومن كان ذا زوجتين فليعدل بينهن قال صلى الله عليه وسلم: من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط" 

جماعة المسلمين: من سنن العيد أن من جاء من طريق رجع من طريق آخر، ولم يكن من هديه في العيد زيارة القبور فإن العيد يوم سرور فلا تدخلوا الحزن على أنفسكم، ومن فاتته صلاة العيد قضاها كما يصلي في المصلى ، ومن السنن أيضا التي تركها الناس في الأعياد خاصة المصافحة أثناء السلام فالسنة هي المصافحة باليد ، واحذروا من مصافحة النساء فإن هذا مما انتشر وعم بين الناس . وهو محرم . 



الاثنين، 29 يوليو 2013

مسألة : نقض الوتر

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد : 
فإن من المعلوم لدى المسلمين عموما فضل شهر رمضان، وأنه شهر العبادات، والزيادة في الحسنات، والرفعة في الدرجات، ومن العبادات المشروعة في هذا الشهر المبارك عبادة صلاة القيام أو التراويح أو التهجد فكلها مسميات لعبادة واحدة، وقد حث عليها نبيا صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله. 
ومن فضل القيام ما رواه البخاري في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ– رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .
 وروى ابن خزيمة عن عمرو بن مرة الجهني قال جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال : يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وصمت الشهر وقمت رمضان وآتيت الزكاة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء ) . 

ومن فضل صلاة التراويح أو القيام أن من صلى خلف إمامه حتى ينتهي من صلاته كتب له أجر قيام ليلة . فأخرج الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»

وهذه الفضيلة لا تتحصل إلا لمن أتم صلاته خلف إمامه حتى ينتهي من الوتر وينصرف. 
وقد لوحظ أنَّ بعض المصلين - ممن يريد الخير – ينصرف من صلاة التراويح بعد الركعة الثامنة، لأجل أن يصلي في بيته آخر الليل. 

والصحيح أن المصلي يتم صلاته مع إمامه حتى ينتهي منها كلها ليدرك فضيلة احتساب أجر قيام ليلة، ثم له أن يصلي من الليل ما شاء بشرط أن لا يعيد الوتر. لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا وتران في ليلة "  

وقد دل على ذلك فعل الصحابة رضوان الله عليهم. 

فروى أبوداود بسند صحيح عن قيس بن طلق قال زارنا طلق بن على في يوم من رمضان وأمسى عندنا وأفطر ثم قام بنا تلك الليلة وأوتر بنا ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه حتى إذا بقى الوتر قدم رجلا فقال أوتر بأصحابك فإنى سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول « لا وتران فى ليلة » 

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمار قال: أما أنا فأوتر فإذا قمت صليت مثنى مثنى وتركت وتري الأول كما هو" وعن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول لرجل: إذا أوترت الليل فلا تشفع بركعة وصل شفعا حتى تصبح. 

وأما حديث " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" فقد قال ابن حجر فيه:  محمول على من صلى آخر الليل " أي لم يصل ولم يوتر أوله .   والله أعلم . 


الأربعاء، 24 يوليو 2013

الأصاغر (حقيقتهم - صفاتهم - موقفهم من الاستدلال بالنصوص )

بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد..
ففي خضم هذه الفتن المتلاطمة برز في الساحة جملة من المنتفعين لبسوا لباس الدين، وركبوا مطية الدعوة والجهاد، فاغتر بهم العامة، وهم في الحقيقة دعاة ضلالة، تطاولوا على الشرع رغم أنهم أصاغر، وافتروا على نصوصه بعقولهم القاصرة، وسوء نواياهم الخبيثة، وقد حذر منهم نبينا صلى الله عليه وسلم ومن طلب العلم على أيديهم.
وأود من خلال هذا المقال أن أبين حقيقتهم وصفاتهم وطريقة استدلالهم بالنصوص التي يموهون بها على الناس سوء طريقتهم، ودورهم في إثارة الفتن . فأقول مستعينا بالله

أولا: المقصود بالأصاغر . 
الأصاغر هم أهل البدع والأهواء الذين حذرنا منهم النبي صلى الله عليه وسلم. 
روى الإمام عبد الله بن المبارك و اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة عن أبي أمية الجمحي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر .."  والحديث صحيح . 

وقد بين السلف رحمهم الله المراد بالأصاغر. 

فروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم، وتفرقت أهواؤهم؛ هلكوا". 

ورواه أبو نعيم في "الحلية"، ولفظه: قال: "لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم، فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم؛ فقد هلكوا "
قال ابن المبارك : الأصاغر : أهل البدع "
قال الألباني: سنده جيد . 

وليس المقصود بالأصاغر صغار السن ممن تلقوا العلم والدين على العلماء الكبار ، فلقد سئل عبد الله بن المبارك مَنِ الْأَصَاغِرُ؟ قَالَ: " الَّذِينَ يَقُولُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَأَمَّا صَغِيرٌ يَرْوِي عَنْ كَبِيرٍ; فَلَيْسَ بِصَغِيرٍ ".

قال إبراهيم الحربي رحمه الله (ت285ه):"الصغير إذا أخذ بقول رسول الله والصحابة والتابعين فهو كبير، والشيخ الكبير إن ترك السنن فهو صغير"

وبوب الإمام أبو عمر ابن عبد البر المالكي في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) فقال: بابٌ، حال العلم إذا كان عند الفساق والأرذال. 
 ثم قال رحمه الله (ت463هـ): "وقال بعض أهل العلم: إن الصغير المذكور في الحديث إنما يراد به الذي يستفتى ولا علم عنده، وإن الكبير هو العالم في أي شيء كان، وقالوا: الجاهل صغير وإن كان شيخاً، والعالم كبير وإن كان حدثاً .." 
إلى أن قال: ومما يدل على أن الأصاغر من لا علم عنده ما ذكره عبدالرزاق وغيره، عن معمر، عن الزهري قال:"كان مجلس عمر مغتصاً من القراء شباباً وكهولاً، فربما استشارهم ويقول: لا يمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه؛ ولكن الله يضعه حيث يشاء " 

ثانيا : هؤلاء الأصاغر والأقزام – أهل البدع والأهواء -  تجنوا على الشريعة بجهلهم، فاعتدوا على النصوص الشرعية، وحرفوا معاني الاستدلال بها لصالح أهوائهم وأغراضهم الخاصة، ووضعوا قواعد تخدم استنباطاتهم خالفوا بها طريقة أهل العلم.

 ولذلك حذرنا الله – سبحانه وتعالى – منهم، وحذرنا منهم النبي صلى الله عليه وسلم . 
فروى البخاري ومسلم حديث حذيفة المشهور وفيه سؤاله رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا " 
قال ابن حجر: أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا . 
وقوله (على أبواب جهنم) : أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم.. 

وروى الترمذي عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ " 
وفسر أهل العلم (الأئمة المضلين) بـ : أي الداعين إلى البدع والفسق والفجور " 
ينظر عون المعبود وتحفة الأحوذي . 

وفي زمان الفتن يكثر خروج الأصاغر الذين يلبسون لباس العلم، ويركبون مطية الدين لأجل الوصول إلى مآربهم الخاصة . 
وروى مسلم : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; قَالَ : سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ ، يَأْتُونَكُمْ بِبِدْعٍ مِنَ الْحَدِيثِ ، لَمْ تَسْمَعُوهُ أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ، فَإِيَّاكُمْ إِيَّاهُمْ لَا يَفْتِنُونَكُمْ"

ثالثا : من أهم أسباب خروج الأصاغر وتمكنهم في زماننا. 

1 – موت العلماء الكبار، فتخلوا الساحة لهم فينشطون.   عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزعهُ مِنَ النَّاسِ،وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً ، فَسُئِلُوا فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا )) . متفقٌ عَلَيْهِ.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه – قال : (( لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله ، أما إني لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام ، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاً ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم )) وفي رواية : ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه " 
وتأملوا زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر وعمر و أول خلافة عثمان رضي الله عنهم  لم يكن لهم ظهور، وأي ظهور لهم أو رأي يخالف الشرع يجتث من أصله مباشرة. 
ومن الأمثلة على ذلك قصة صبيغ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال من أنت قال أنا عبد الله صبيغ فأخذ عرجونا فضربه وقال أنا عبد الله عمر فجعل له ضربا حتى دمي رأسه فقال يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي " رواها مالك بن أنس وعبد الرزاق في المصنف . 
وكذلك  ما رواه مسلم عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِى الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِىُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِىُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِى الْقَدَرِ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِى أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِى سَيَكِلُ الْكَلاَمَ إِلَىَّ فَقُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ - وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ . قَالَ فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّى بَرِىءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّى وَالَّذِى يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ. 

2 –فشو الجهل بين الناس، وهذا السبب نتيجة للسبب السابق، فيمجدون الأصاغر، وقد جاء في قوله عليه الصلاة والسلام:  (حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً ، فَسُئِلُوا فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا) 
وربما كان ذلك ناتجا عن حسن قصد ونية، فالناس يحبون الدين، فإذا سمعوا من يذكر قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم انجذبوا إليه .
والإعلام له دور كبير جدا في شهرة أمثال هؤلاء الأصاغر بين الناس، وبسبب إقبال الناس على الإعلام زاد الإقبال على الأصاغر والتعلق بهم. 

3 – حب الظهور والشهرة والمخالفة ، وقديما قيل : خالف تعرف . فيحمله ذلك على التصدر ومخالفة المعلوم من الدين . 
 روى عبد الرزاق في مصنفه وأبوداود عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: تَكُونُ فِتَنٌ يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ الْقُرْآنُ، حَتَّى يَقْرَأَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَيَقْرَأَهُ الرَّجُلُ فَلَا يُتَّبِعُ، فَيَقُولَ: وَاَللَّهِ لَأَقْرَأَنَّهُ عَلَانِيَةً، فَيَقْرَأَهُ عَلَانِيَةً فَلَا يتبعه أحد، فيقول: قد قرأته علانية فلا أراهم يتبعوني، فَيَتَّخِذُ مَسْجِدًا وَيَبْتَدِعُ فيه قولا أوحديثا، ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ " 

4 – الإعلام والانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها، فقد سهلت ظهور أمثال هؤلاء الأصاغر، وسهلت متابعة الناس لهم ولآرائهم الفاسدة .

5 – رغبة الناس عن تعلم الأحكام الشرعية كالعقيدة وأحكام العبادات، والإقبال على القصاصين والمواعظ ومفسري الأحلام، وغالب من سلك هذا المسلك إنما هم من الأصاغر . 
قال صلى الله عليه وسلم: القصاص ثلاثة : أمير أو مأمور أو محتال " 
قال عبد الله بن عمر:لم يكن يُقص في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، إنما كان القصص في زمن الفتنة"وفي رواية: وإنما هو شيء أحدث بعدما وقعت الفتنة " 
عن عمرو بن دينار ، أن تميما الداري استأذن عمر في القصص ، فأبى أن يأذن له ، ثم استأذنه فأبى أن يأذن له ، ثم استأذنه فقال : إن شئت وأشار بيده ، يعني الذبح.
وبسبب القصص وإقبال الناس على القاص يحدث الغرور في نفس القاص، روى أحمد في المسند عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْكِنْدِىِّ أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَنْ ثَلاَثِ خِلاَلٍ. قَالَ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَهُ عُمَرُ مَا أَقْدَمَكَ قَالَ لأَسْأَلَكَ عَنْ ثَلاَثِ خِلاَلٍ. قَالَ وَمَا هُنَّ قَالَ : ... و عَنِ الْقَصَصِ فَإِنَّهُمْ أَرَادُونِى عَلَى الْقَصَصِ فَقَالَ مَا شِئْتَ. كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَمْنَعَهُ. قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْتَهِىَ إِلَى قَوْلِكَ. قَالَ أَخْشَى عَلَيْكَ أَنْ تَقُصَّ فَتَرْتَفِعَ عَلَيْهِمْ فِى نَفْسِك. ثُمَّ تَقُصَّ فَتَرْتَفِعَ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْكَ أَنَّكَ فَوْقَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الثُّرَيَّا. فَيَضَعَكَ اللَّهُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ " 


رابعا: طريقة الأصاغر – أهل الأهواء والبدع – مع نصوص الشرع  وفهمها . 

الأصل أن المسلم مستسلم ومنقاد لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا   " 
يفهم نصوص الشرع على وفق مراد الله ورسوله، وسلف هذه الأمة . 
وفهم السلف معتبر في معرفة مراد الله ورسوله، وسبب ذلك يرجع إلى أن الله ورسوله قد زكيا هذا الفهم وأحالا عليه .
قال تعالى : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا " 
ومن السنة قوله عليه الصلاة والسلام: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ... 
وقوله : وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يارسول الله قال : ما أنا عليه اليوم وأصحابي. 
وقال عليه الصلاة والسلام: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " 

 وأما الأصاغر الذين حذرنا منهم النبي صلى الله عليه وسلم فلهم موقف آخر من النص الشرعي، وإن كانوا في الظاهر متمسكين وقائلين به، فيغتر بهم العامة. 
حيث جعلوا النص الشرعي تابعا لهم ولآرائهم وأهوائهم، فإذا جاء النص موافقا لما معهم ذكروه اعتضادا لا اعتمادا ، وإذا خالف النص ما هم عليهم حرفوا معناه بمعاول التأويل
وقد ذم الله هذا المسلك قال تعالى: (  أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )، وفي وصية عمر بن عبد العزيز لابنه قال له : ( ولا تكن ممن يقبله إذا وافق هواه، ويدعه إذا خالف هواه، فإذا أنت لم تؤجر فيما قبلت منه، ولم تنج من الإثم فيما دفعت منه إذا خالفك" 
والإمام الأوزاعي رحمه الله شدد في الإنكار على فعل ذلك بنصوص الشرع فقال في معرض رده عليهم: وما رأي امريء في أمر بلغة فيه عن النبي إلا اتباعه ولو لم يكن فيه عن رسول الله وقال فيه أصحابه من بعده كانوا أولى فيه بالحق منا لأن الله أثنى على من بعدهم باتباعهم إياهم فقال والذين اتبعوهم بإحسان فقلتم أنتم لا بل نعرضها على رأينا في الكتاب فما وافقه منه صدقناه وما خالفه تركناه وتلك غاية كل محدث في الإسلام رد ما خالف رأيه من السنة " 
فمن مواقفهم تجاه النصوص الشرعية : 
أولا : ترك المحكم واتباع المتشابه، وعدم رد المتشابه إلى المحكم، قال تعالى في بيان وصفهم: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)
فأخبر الله سبحانه عن سوء مقصدهم باتباعهم المتشابه وتركهم المحكم وهو إرادة الفتنة، وذلك بسبب الزيغ والانحراف الواقع في قلوبهم. 
روى البخاري ومسلم عن عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: تَلاَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذِهِ الآيَةَ (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فيَتَّبِعُون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) إِلَى قَوْلِهِ (أُولُو الأَلْبَابِ)  قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ " 
قال المفسر ابن كثير في تفسير قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل { فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: { ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم " 
قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى : (وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ) أي يتعلقون بالمتشابه من الكتاب، فيشككون به على المؤمنين، ويجعلونه دليلا على ما هم فيه من البدع المائلة عن الحق" 

ثانيا : يعتقدون ويؤصلون ثم يستدلون، فيطوعون نصوص الشرع لإثبات ما قرروه من أفكار واعتقادات . 
قال النخعي – رحمه الله- في وصف حالهم : دققوا قولا واخترعوا دينا من قبل أنفسهم، ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا هو الحق وما خالفه باطل " 
وهنا فرق بين أهل الاتباع والحق، وأهل الباطل والهوى ، فالسني منطلقه النص الشرعي، إذ طلبه ليستهدي به ، أما أهل الأهواء فإنما طلبوا النص ليقوي به بدعته ورأيه. 
قال وكيع بن الجراح : من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي به رأيه فهو صاحب بدعة " 
قال ابن تيمية في بيان طريقتهم : وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعا لهم فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم . مجموع الفتاوى (17/ 355) 

ثالثا : يكتمون النصوص الشرعية الصحيحة التي تخالف مذاهبهم
قال ابن تيمية في وصف حالهم : فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ويبغض من يفعل ذلك كما قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه" درء تعارض النقل والعقل . 
قال ابن القيم:فسبحان الله كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم أن لو لم ترد، وكم من حرارة في أكبادهم منها، وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها، ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر " 

 ومصداق ذلك ما رواه البخاري -رحمه الله- في كتاب خلق أفعال العباد بسنده أن جهما قرأ في المصحف، فلما أتى على هذه الآية {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}  قال: "والله لو قدرت لحككتها من المصحف".  
 وما لا يستطيعون كتمه وإخفاءه إما أن يضعفوا إسناده أ يحرفنا معناه بما يخدم عقائدهم المنحرفة . 
ومن الأمثلة على ذلك ما رواه مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : 
« يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ». قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ « تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ » 
فلما كان ذلك صريحا في رد عقيدتهم في الثورات والخروج على السلطان، ضعفوا الحديث بقول لبعض أهل العلم، ولو كانوا منصفين لنظروا في كلام الحفاظ والمحدثين في هذا التضعيف وكيف أنهم بينوا صحته بالبراهين الصحيحة . 

ومثله : أثر ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)المائدة: ٤٤ قال هو كفر دون كفر . وفي رواية: هي به كفر ،وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله " وفي رواية : إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة " 
فقد سارعوا إلى تضعيف الأثر لأنه يخالف اعتقادهم ومنهجم في تكفير الحكام، وقد صحح هذا الأثر جهابذة الحديث كالإمام أحمد والحاكم والذهبي وابن تيمية والألباني وغيرهم وبينوا ما أعل به وردوا على من ضعفه .

فإن لم يستطيعوا تضعيفه صرفوا معناه بما يناسبهم، مثال ذلك أحاديث السمع والطاعة لولاة الأمر وعدم الخروج عليهم وإن ظلموا ، ثابتة في الصحيحين وفي كتب السنن وعليها شروح جهابذة أهل العلم، صرفوا معناها بأن المقصود بها الخليفة الواحد على جميع ديار المسلمين ولا تنصرف إلى هؤلاء الحكام. 
وقد رد العلماء على ذلك وبينوا ضعف هذا القول ، وأنه يلزم منه لوازم باطلة تعطل مقاصد الإسلام الخمسة. 

رابعا : صفات الأصاغر – أهل البدع والأهواء – 
من أبرز صفاتهم التي يعرفون بها : 
أولا : الطعن في العلماء الربانيين، الذين يبينون شبههم ويردون على بدعهم، وهذه طريقة أهل البدع منذ قديم الزمن 
قال الإمام أبو عثمان الصابوني في بيان علامات أهل البدع فقال : وعَلاماتُ أَهلِ البدَعِ عَلى أَهلها بادية ظاهرة ، وأَظهرُ آياتهم وعَلاماتهم شدَةُ مُعاداتهم لحمَلة أَخبار النبِيِّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واحتقارهم لهُم ، وتَسميتهم حَشويَّة ، وجَهلة ، وظاهرية ، ومُشبهة ؛ اعتقادا منهُم في أَخبار رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّها بمعزل عن العلم ، وأَن العلم ما يُلقيهِ الشيطانُ إِليهِم من نتائجِ عُقولهم الفاسدة ، ووساوس صُدورهم المُظلِمَة" 
قال ابن القطان ( وهو من الحفاظ المحدثين ت 250 هـ ): ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، فإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحديث من قلبه "  
وفي هذا الزمان أطلقوا على العلماء الذين ينافحون عن العقيدة الصحيحة ويدعون الناس إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ذيل بغلة السلطان، وعلماء السلاطين، وعلماء الحيض والنفاس، وأنهم من رجال الأمن والمخابرات. 
وانتشر في هذا الوقت بالذات وصفهم بالجامية . 
وهي نسبة إلى الإمام : محمد أمان الجامي رحمه الله ، أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية، والمدرس بالمسجد النبوي ، والذي أثنى عليه علماء البلد الحرام، وكتبه شاهدة على علمه، لكن لما تكلم على الحزبيين وبين عوارهم وكذبهم وافتراءهم على الشرع باسم الشرع أطلقوا على كل من سلك مسلكه لقب جامي . 
ومن الألقاب أيضا : المداخلة ، نسبة إلى الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ، ولذات السبب لأنه بين عوار القوم، وبين انحرافات كبار مفكريهم . 

ثانيا : التسرع في إصدار الفتاوى والأحكام فيما يخص مجموع الأمة الإسلامية، ويظهرون أنفسهم أنهم علماء الأمة الذين يجب أن ترجع إليهم في الفتوى. 
فترى الواحد منهم يأمر مجموع الحكام ويطالب ، ويندد ، ويكفر  بالنيابة عن مجموع الأمة.
وهذه الفتاوى قد تشمل دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم دون أدنى مبالاة بها. 
ومن الأمثلة على ذلك البيانات التي يوقعها الدعاة – زعما- ، فتسيل بها الدماء ،كما حصل في فتنة الفلوجة وسوريا ومصر في الآونة الأخيرة

ثالثا : الطعن في ولاة أمر المسلمين ، والتشهير بهم، ونقدهم علانية ، وتكفير بعضهم ، واستعمال لفظ : الطغاة معهم وباستمرار . مع إثارة الشعوب ضدهم . 
وهذا محرم في شرعنا الإسلامي، كما دلت عليه الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة . 
ألم يقل صلى الله عليه وسلم : من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية , وليأخذ بيده فليخل به , فإن قبلها قبلها , وإلا كان قد أدى الذي عليه " 

رابعا : التلون والتلاعب بأحكام الشرع، وهو ما يسمى عندهم ( بفقه الحركة) فما يمنعونه في مرحلة يجيزونه في أخرى .
فقبل الوصول إلى السلطة : الثورات جائزة بل وهي وسيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بعد الوصول : تحرم الثورات والمظاهرات 
قبل الوصول إلى السلطة: لا يجوز قتل المتظاهرين وهم شهداء  ، بعد الوصول : يجوز قتلهم فإن لم يقتلهم الحاكم أفتى بعض أصاغرهم بحل دمهم لجمهور الناس. 
قبل الوصول إلى السلطة : يجوز اللجوء للمنظمات الأجنبية ضد دول الإسلام، بعد الوصول : يقول قائلهم وقد أطلق على نفسه في تويتر : الإمام  : لا يجوز شرعا للوطنيين الشرفاء الاستقواء بالأجنبي ولا الاستعانة به في القضايا الداخلية ، فتلك خيانة عظمى في حق الله تعالى وحق الوطن . 
خلال السنين الماضية : رفعوا شعار الحاكمية ، وكل من ترك الحكم في مسألة من مسائل الشرع فهو جعل من نفسه مشرعا مع الله . 
واليوم يفتي إمامهم الذي نادى بالحاكمية دهرا: الحرية قبل الشريعة  .
قبل الوصول للسلطة يقول قائلهم في بعض حكام دول الخليج : لم تجتمع فيع شروط الولاية ، فلما وصولا إلى الحكم قال عن ولي أمرهم : كأني أرى الملائكة معه ، مع أنه لم يستجمع شروط الولاية على حد تعبيره

قد ثبت عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – أنه قال: ((إنَ الضلالةَ حقَّ الضلالة: أن تعرفَ ما كنتَ تنكرُ, وتنكرَ ما كنت تعرف, وإياكَ والتلوُّنَ فِي دِينِ الله فإن دِين الله واحدٌ)).

عن أبي الشعثاء – رحمه الله – أنه قال: ((خرجنا مع أبي مسعود الأنصاري – رضي الله عنه – فقلنا له: اعهَد إلينا. فقال: عليكم بتقوى الله، ولزوم جماعة محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – ، فإن الله تعالى لن يجمع جماعة محمَّد على ضلالة، وإن دِين الله واحد، وإياكم والتلون في دين الله، وعليكم بتقوى الله، واصبِروا حتى يستريحَ بَرٌّ ويُستراح مِن فاجر)).
وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه. اهـ ، ووافقه الذهبي.

خامسا : الدفاع عن الأحزاب، والجماعات وتنظيمات البدعية ، ومفكريها ، والضيق والحرج إذا ذُكروا بشيء يخدشهم ويُبيِّن مخالفتهم للحقِّ وسبيل السلف الصالح.

     فقد ثبت عن زكريا بن يحيى – رحمه الله – أنه قال: ((سمعتُ أبا بكر بن عياش وقال له رَجلٌ: يا أبا بكر مَن السُّني؟ قال: الذي إذا ذُكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها)).

سادسا : صرف الناس عن العلماء الربانيين والتزهيد فيهم وذمهم، ومدح أهل البدع والأهواء مع مجالستهم . 
     وقد أخرج ابن عساكر – رحمه الله – في كتابه ((تاريخ دمشق)) (8/15) عن عقبة بن علقمة أنه قال: ((كنتُ عند أرطأة بن المنذر، فقال بعضُ أهل المجلس: ما تقولون في الرَّجُل يُجالس أهل السُّنة ويخالطهم فإذا ذُكر أهل البدع قال: دَعُونا مِن ذِكرهم، لا تذكروهم؟ قال: يقول أرطأة: هو منهم، لا يُلبِّس عليكم أمره. قال: فأنكرتُ ذلك من قول أرطأة، قال: فقدمت على الأوزاعي-وكان كشافًا لهذه الأشياء إذا بلغته-فقال: صَدَق أرطأة، والقول ما قال؛ هذا ينهَى عن ذِكرهم، ومتى يُحذَرُوا إذا لم يُشاد بذكرهم)).

ثبت عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: ((اعتبروا الناس بالأخدان؛ فإن الرَّجل لا يُخادن إلا مَن رَضِيَ نحوه أو حاله)).
 وفي لفظٍ آخر: ((اعتبروا الناس بأخدانهم؛ فإن الرَّجُل يُخادن مَن يُعجبه نحوه)). 

خامسا : دور الأصاغر في إثارة الفتن . 
إذا تأملنا تاريخ الفتن في بلاد المسلمين فإنا نجد أن للأصاغر دورا كبيرا جدا في إشعال الفتن وتأجيج نارها، وأضرب مثالا من عهد الصحابة رضوان الله عليهم يبين الحال. 
الخوارج الذين خرجوا زمن علي رضي الله عنه، لما ناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال لهم : أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ صَحَابَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لأُبْلِغَكُمْ مَا يَقُولُونَ وَتُخْبِرُونِى بِمَا تَقُولُونَ فَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْوَحْىِ مِنْكُمْ وَفِيهِمْ أُنْزِلَ وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ " 
فدل قوله رضي الله عنه (وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْوَحْىِ مِنْكُمْ وَفِيهِمْ أُنْزِلَ وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ) أن الخوارج لم يكن معهم أحد من العلماء والأكابر، وإنما هم أصاغر في العلم والسن، وكانوا هم سبب الفتنة زمن علي رضي الله عنه. 

وفي زماننا في فتنة ما يسمى بالربيع العربي نجد دور الأصاغر ظاهرا في إشعال الفتنة التي أريقت فيها الدماء وانتهكت الأعراض وسلبت فيها أموال الدول والأفراد وضيعت فيها أحكام الشرع. 
فالذين يشعلون نار هذه الفتنة إنما هم أهل البدع من رؤوس الأحزاب السياسية التي تنتسب للدين كذبا وزورا ، فيصدرون الفتاوى ويثيرون الناس، ويكفرون الحكام، ويطعنون على الدول والشعوب. 
وأما الأكابر من علماء أهل السنة فإنهم يدعون إلى اجتناب الفتن والسمع والطاعة لولي أمر المسلمين وإن كان ظالما حفظا للدين وحقنا للدماء وحفظا للأعراض والأموال والعقول، وهذا دأبهم من أول الفتنة إلى هذا الوقت. 

وقد أظهرت هذه السنين صدقهم، وأظهرت كذب وزيف الأصاغر في دعواهم وشعاراتهم الذي ينطبق عليها قول علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل.

وأخيرا أسأل الله أن يوفقنا لخدمة دينه ونصر سنته ، والله أعلم .