الخميس، 25 سبتمبر 2014

النهي عن التفرق والتحزب في الإسلام وذكر صفات الخوارج

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين: اعلموا رحمكم الله أن من المقاصد العظيمة التي جاءت النصوص بتقريرها وتأكيدها وحدة الدين والتمسك به وعدم التفرق فيه، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " قال ابن كثير رحمه الله : " يقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْمُصَدِّقِينَ بِرَسُولِهِ: أنْ يَأْخُذُوا بِجَمِيعِ عُرَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، وَالْعَمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ جَمِيعِ زَوَاجِرِهِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ ذَلِكَ " ، ولتحقيق هذا المقصد نهى الله ورسوله عن التفرق في الدين وتوعدوا من فعل ذلك بالعقاب الأليم، فقال سبحانه: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  " ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ « هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيماً » ، قَالَ: ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ « هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلاَّ عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ». ثُمَّ قَرَأَ : " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ " ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصراط الذي ينبغي للمسلم سلوكه عند الافتراق والاختلاف فقال صلى الله عليه وسلم: أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ " وبين صلى الله عليه وسلم هذه الجماعة بقوله : " وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً» فَقِيلَ لَهُ: مَا الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» ، وأكد صلى الله عليه وسلم ذلك في وصية عظيمة فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وكل بِدعَة ضَلَالَة"

عباد الله: إن الاختلاف بين المسلمين والخروج على الجماعة المسلمة شر عظيم، وعواقبه عظيمة على الإسلام والمسلمين، قال تعالى : " وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ " أي تذهب قوتكم ، فكل أمة متفرقة هي أمة فاشلة ضعيفة، وقد روى الإمام أحد عن الحسن قال: شهدتهم يوم تراموا بالحصى في أمر عثمان، حتى جعلت أنظر فما أرى أديم السماء من الرَّهَجِ – أي من الغبار- فسمعت كلام امرأة من بعض الحجر ، فقيل لي هذه أم المؤمنين فسمعتها تقول: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب"

فالحزبيات مقيتة يذكي شررها الشيطان ، ويجمع حطبها أهل الأهواء والبدع، ويشب نارها أهل الكفر، فَفرِقت الأمة وشُتت شملها ومُزقت صلات أبنائها، إذ جعلهم يتقاتلون ويتهارجون، حتى لا يعلم القاتل لم قَتل، ولا يعلم المقتول فيم قُتل  .

ولقد كان أول اختلاف وتحزب في صف الإسلام الخروج على عثمان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنها،إذ تحزبت جماعات، ورأسوا عليهم أميرا منهم، وخرجوا منكرين على خليفة المسلمين، بدعوى الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم رفعوا السلاح في وجه إخوانهم المسلمين، فماذا كانت النتيجة ؟
وقع القتال وسفكت الدماء وقتل خير أهل الأرض في زمانهم، وهما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما،فكان ذلك أول اختلاف وقع في الإسلام على أيدي الخوارج الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الآجري رحمه الله في كتابه الشريعة  في بيان حقيقة الخوارج :" لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْخَوَارِجَ قَوْمُ سُوءٍ عُصَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ صَلَّوْا وَصَامُوا، وَاجْتَهَدُوا فِي الْعِبَادَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَهُمْ، يُظْهِرُونَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى مَا يَهْوُونَ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَحَذَّرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَذَّرَنَاهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، .. وَالْخَوَارِجُ هُمُ الشُّرَاةُ الْأَنْجَاسُ الْأَرْجَاسُ، ..َيَخْرُجُونَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَيَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ "  

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فتنهم وجلى حقيقتهم ليحذرهم أهل العقول والنهى، ولا يغترون بهم .
فمن صفاتهم جرأتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة الأفاضل والعلماء الأكارم، فهذا أول الخوارج ظهورا في الإسلام يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِالْجِعْرَانَةِ وَهُوَ يَقْسِمُ التِّبْرَ –أي الذهب -وَالْغَنَائِمَ، وَهُوَ فِي حِجْرِ بِلَالٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟» فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا فِي أَصْحَابٍ، أَوْ أُصَيْحَابٍ لَهُ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»  
وجرهم ذلك للطعن في الصحابة رضوان الله عليهم فحاصروا عثمان وقتلوه، ثم اقتتلوا مع الصحابة والتابعين في معركة النهروان، ثم قتلوا علي بين أبي طالب رضي الله عنه.

الخطبة الثانية : جماعة المسلمين : ومن صفات الخوارج جرأتهم على دماء المسلمين وأعراضهم فيقتلون أهل الإسلام ويستحلون أموالهم وأعراضهم ففي "الصحيحين" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنهم يقتُلُون أهلَ الإسلام، ويدَعون أهلَ الأوثان، لئن أدركتُهم لأقتُلنَّهم قتلَ عاد».
وفي زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أسروا عبد الله ابن الصحابي خباب بن الأرت ومعه زوجته وكانت حاملا، فقطعوا رأسه أمامها، ثم قتلوا زوجته وشقوا بطنها.
ومن صفاتهم أنهم صغار السن يرفعون شعار الإسلام، ويتكلمون بالقرآن، وهم من أبعد الناس عنهم قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
ومن صفات الخوارج خروجهم على ولاة أمر المسلمين وتكفيرهم لمن لا يكون معهم، قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا بِالْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا عَرَفَ الإِسْلامَ، وَرَأَى عَلَيْهِ بَهْجَتَهُ اخْتَرَطَ سَيْفُهُ فَضَرَبَ بِهِ جَارَهُ، وَرَمَاهُ بِالْكُفْرِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْكُفْرِ، الرَّامِي أَمِ الْمَرْمِيٌّ؟ قَالَ: " بَلِ الرَّامِي ".
عباد الله: ولخطر الخوارج على الإسلام والمسلمين وصفهم النبي صلى الله عليهم وسلم بأنهم كلاب النار وأنهم شر الخلق والخليقة فقال : " الخوارج كلاب النار" وقال : "هم شر الخليقة" وتوعدهم بالقتل فقال : "  لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ "  ، ووصف قتلاهم بأنهم شر القتلى، وأثنى على من قاتلهم أو قتلوه ، فعن  عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنُهْ رَأَى رُءُوس الخوارج مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: " كِلَابُ النَّارِ كِلَابُ النَّارِ، ثَلَاثًا، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ. خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} فقيل لِأَبِي أُمَامَةَ أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمْ " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ السَّمَاءِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ "
عباد الله : عليكم بجماعة المسلمين فالزموها واحذروا ممن يشق وحدة الصف ويكفر الأمة ويدعو لسفك دماء أبنائها قال تعالى : وإن هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ "
وقال صلى الله عليه وسلم: من خرجَ من الطاعة، وفارقَ الجماعة، فمات ماتَ ميتةً جاهليةً، ومن قاتلَ تحت رايةٍ عُمِّيََّة، يغضبُ لعُصبةٍ أو يدعُو لعُصبةٍ، أو ينصُرُ عُصبةً، فقُتِل فقِتلةٌ جاهليَّةٌ، ومن خرجَ عن أمَّتي يضرِبُ برَّها وفاجِرَها، ولا يتحاشَى من مؤمنِها، ولا يفِي لذي عهدٍ عهدَه فليس منِّي ولستُ منه».



الخميس، 4 سبتمبر 2014

فضل العلم ووبيان الأدوار المشتركة في التربية والتعليم

الخطبة الأولى :
جماعة المسلمين: لقد مدح الله سبحانه وتعالى , العلم وأهله وحث عباده على العلم والتزود منه ، فالعلم من أفضل الأعمال الصالحة قال الإمام أحمد رحمه الله ( العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته قالوا : كيف ذلك ، قال ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره ) ، فصاحب العلم حي القلب مستنير البصيرة يسير إلى ربه على نور وهدى، بخلاف صاحب الجهل فإنه متخبط في ظلمات الجهل أشبه الميت وهو حي قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وهذا العلم الذي حث عليه الشرع هو العلم الشرعي .

والعلم الشرعي – إخواني في الله – هو ميراث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتأملوا هذا الحديث النبوي في ذكر فضائل العلم الشرعي روى الترمذي عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي فَقَالَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ . قَالَ : لَا . قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ

وقال الله عز وجل في فضل أهل العلم ورفع منزلتهم في الدنيا والآخرة (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله –في بيانها " ورفعة الدرجات تدل على الفضل إذ المراد به كثرة الثواب وبها ترتفع الدرجات ، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت ، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة" ، وفي صحيح مسلم أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ مَنْ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي فَقَالَ ابْنَ أَبْزَى . قَالَ: وَمَنْ ابْنُ أَبْزَى ؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا . – والمولى هو العبد الذي اعتق-  قَالَ فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى ! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هكذا العلم يزيد الشريف شرفا ويجلس المَمْلوكَ على الأسرة" ، وفي سير أعلام النبلاء للذهبي أن الخليفة هارون الرشيد قدم الرقة، فانجفل الناس خلف عبد الله ابن المبارك، - وقد وصفه الذهبي بقوله : الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته- وتقطعت النعال،وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب ، فقالت: ما هذا ؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم.فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَطٍ وأعوان"

إخوة الإسلام: إن ديننا يشجع المسلم على كسب العلوم والمعارف الدنيوية التي تزود الأفراد والمجتمع بكل صالح ونافع يحقق عمار الأرض ومصالح العباد وفق ما أراد الله جلّ وعلا قال سبحانه (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) لكن لا بد أن تبنى هذه العلوم الدنيوية على العقيدة الصحيحة وعلى الأسس التربوية الشرعية السليمة وعلى الأخلاق الفاضلة، أمّا إذا تجرَّد التعليمُ وأهدافه من الإيمان فأضحَتِ الوسائل والمقاصِد مادّيةً بحتة فهو الوبالُ والشقاء ، وهذه حضارةُ اليوم شاهِدٌ حيّ على هذا النتاج، فشقِيت أمَمٌ بصِناعاتها واختِراعاتها، وأصبح التّسابُقُ في وسائِلِ الدمار لا في العَمَار والاستقرار، وأضحَى الظلمُ والطغيان وسرقةُ الأوطانِ هو شعار أقوَى الدّوَل وأظهرِها في الحضارة المادية ، فما الرّبح في كثرةِ المتعلِّمين إذا غُيِّبتِ المبادئ والحقائِق وصودِرَ الدين وشُغِل العامّة بالشّهوات واللّهَثِ وراءَ المادّة في غفلةٍ عن الآخرة؟! قال تعالى (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)

أيها المسلمون : إن التربية والتعليم منظومة متكاملة وسلسلة متصلة لا ينفك بعضها عن بعض ، ومع بداية العام الدراسي الجديد يتحمل الجميع مسؤوليات كثيرة ، والواجب علينا جميعا أن نقوم بهذه المسؤولية على أكمل وجه  :
أيها الطلاب والطالبات ، إن عليكم واجبات فقوموا بها على الوجه الصحيح ، استحضروا النية الصالحة عند ذهابكم إلى المدرسة بطلبكم العلم النافع فتنفعوا أنفسكم ودينَكم ووطنَكم، ثم احرصوا على الاجتهاد في الدراسة ومتابعتها والحرص عليها ، فدولتنا بفضل من الله ثم بتوجيهات من حكامنا أطال الله أعمارهم وأمدهم بالصحة والعافية وعلى رأسهم رئيس الدولة قد أولوا اهتماما بالغا بالتعليم فوفروا لك أيها المتعلم كل وسائل التعلم ، وكل ذلك من أجل خدمتكم يا معاشر المتعلمين ، فهذه نعمة لا بد أن تقابل بالشكر للمنعم وهو الله عز وجل ثم لهذه الدولة ، وشكرها يكون بالاجتهاد والمثابرة على طلب العلم وتحصيله، وهذا الاجتهاد يحتاج إلى صبر فالعلم لا يرام براحة الجسد .
كما أوصيكم إخواني الطلاب والطالبات باحترام المعلمين جميعا ، وبذل الوسع في الاستفادة من علومهم وأخلاقهم الحسنة ، فالمعلم هو أساس التعلم ، فإن أحببت معلمك وأحبك بذل لك كل ما في وسعه لتعليمك ، وإن احتقرته وتطاولت عليه فاتك علم كثير ،وهذا مثال من واقع الصحابة ، ابنُ عباس ابنُ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعه نسبه وعلو منزلته حين يبلغه الحديث عن رجل أن يأتي بابه وهو قائلٌ نائم، فيقول رضي الله عنهما: فأتوسّد ردائي على بابه، تسْفِي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟! هلاّ أرسلت إليّ فآتيك؟! فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث. هذا هو الأدب حقًا.
كما أن سعة الصدر والتواضع من سمات طلبة العلم، فقد قال أحد العلماء: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. وأدبك في مدرستك انعكاس لتربية والديك لك، فإن أحسن والدك تربيتك فسيظهر ذلك في حسن تعاملك وخلقك في مدرستك، وإن أسأت فهو عنوان فساد تربية والديك لك في المنزل.                        وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.


الخطبة الثانية : أيها المعلم والمعلمة : اتقوا الله عز وجل في الرعية التي استرعاكم الله إياها قال صلى الله عليه وسلم" مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، فاخلصوا في عملكم وابذلوا جهدكم في تعليم أبنائِكم وإخوانِكم من المتعلمين ولا تقصروا أبدا  ، وكونوا أمامهم قدوة حسنة ، وعلموهم كل ما ينفعهم ، واعلموا أنكم تعملون بوظيفة الأنبياء جميعا وهي التعليم قال تعالى : "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ " قال صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت معلما "

ولكم الأجر العظيم في تعليمكم الناس، قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ  ) وقال صلى الله عليه وسلم في بيان فضل معلن الناس الخير:« إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»

ووأمر النبي صلى الله عليه وسلم المعلمين أن يترفقوا بالمتعلمين فقال : سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاقْنُوهُمْ – أي علموهم- " رواه ابن ماجة بإسناد حسن

أيها الأب والأم ، إنَّ مهمّةَ تربيةِ الأولاد مهمّةٌ عظيمة، خصوصًا في هذا الزّمنِ الذي تَلاطمَت فيه أمواجُ الفتن واشتدَّت غربةُ الدين وكثُرت فيه دواعي الفساد، حتى صار المربِّي مع أولاده كراعِي الغَنَم في أرضِ السّباع الضارية إن غفَل عنها أكلَتها الذئاب.
 فليس دوركم هو توفير الحاجيات المدرسية والنفقات اليومية فقط بل هذا واجب عليكم تجاه أبنائكم ، ولكنك أيها الأب عليك واجب عظيم وهو تحمل المسؤولية الكبرى في تعليم ولدك وتربيته ومتابعته، فالوالد هو المخاطَب بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فليست التربية والتعليم مقتصرة على المدارس والمعلمين بل هي عمل مشترك بين الوالدين وبين المدارس   ، فراقبوا أولادكم ولاحظوا دروسهم ،لا تسمحوا لهم بالسهر الطويل في اللعب واللهو والجلوس على الفضائيات التي أفسدت التربية والتعليم في كل بقاع الأرض ، راقبوا استعمالهم للانترنت فإن سلاح ذو حدين، وقد سهل استعماله في زماننا وانتشر حتى صار في الهواتف النقالة مع كل شخص، مما سهل الانفتاح على العالم الخارجي بمفاسده ومنافعه.  

لاحظ على ولدك أو ابنتك من يصاحبون فأصحاب السوء مرض عضال فتاك لا علاج له إلا ببتره وقطعه وكما قيل (الصاحب ساحب ) و على الوالدين أن يخصصوا لأولادهم جزءا من أوقاتهم للإشراف على مذاكرتهم وتعليمهم ، وعليهم أن يسألوا عنهم في مدارسهم وعن أحوالهم الدراسية ، فالبيت جزء من التعليم لا ينفك عنه .

 ولقَدْ أدركَ الصالحونَ قيمةَ التعليمِ لأبنائِهِمْ، فحرصُوا علَى بذلِهِ لَهُمْ، وتوفيرِ الجوِّ المناسِبِ لذلكَ، فهذهِ أُمُّ سفيانَ الثورِيِّ ماتَ زوجُهَا، وأرادَ ولدُهَا أَنْ يترُكَ العلمَ لِيَكْفُلَ أُمَّهُ وإخوتَهُ، فقالَتْ لَهُ تلكَ الأمُّ الصالحةُ العارفةُ لأهميةِ العلمِ وفضلِهِ: يَا بُنَيَّ اطْلُبِ الْعِلْمَ وَأَنَا أَعُولُكَ بِمِغْزَلِي فانطلَقَتْ الأمُّ تغزِلُ صُوفَهَا، وتكافِحُ فِي حياتِهَا، حتَّى أصبحَ ولدُهَا سفيانُ علماً مِنْ أعلامِ المسلمينَ، وإماماً مِنْ أئمةِ الْهُدَى.


فمتابعةُ الوالدَيْنِ لأبنائِهِمْ فِي سلوكِهِمْ ودراستِهِمْ لَهُ أبلغُ الأثَرِ فِي تقويةِ عَزْمِهِمْ ونجاحِهِمْ وتَفَوُّقِهِمْ فِي تحصيلِهِمُ العلْمِيِّ. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وإنَّ لولدك عليك حقا»

الخميس، 28 أغسطس 2014

نعمة الوطن والخدمة الوطنية

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه ، مُعافى في جَسَدِهِ ، عندهُ قوتُ يومِه ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها " في الحديث تذكير بنعم الله على العبد، فإن الله –سبحانه وتعالى- خلق العباد لعبادته وتوحيده فقال: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" وأهم النعم التي يحتاجها العابد لتحقيق هذا الهدف السامي هي أمن في نفسه وجماعته وبلده، وعافية في صحته وجسده، وطعام يتقوى به على طاعة الله.
أيها المسلمون: الأرض التي تتوافر فيها هذه النعم من الأمن والعافية والغذاء حري بأهلها أن يتعاونوا على حفظها والعمل على الدفاع عنها وحفظ مكتسباتها، وهذا أمر مجبولة عليه النفوس السليمة، وهو محبة الوطن والدفاع عنه .

فحب الوطن –عباد الله- غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجم، ويغضب له إذا انتُقص، أخرج الترمذي، بسندٍ صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق مكة عند هجرته منها:  (مَا أطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأحَبَّكِ إليَّ، وَلَوْلا أن قَوْمِي أخْرَجونِي مِنْكِ مَا سَكَنْت غيْرَكِ). وحيث أن حب الوطن غريزة في الإنسان، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم من ربه بأن يرزقه حب المدينة لما انتقل إليها، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد). ومما يدل على مشروعية حب الوطن كما قرره الأئمة الأعلام ما أخرجه البخاري، وأحمد وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة (أي حدود المدينة ) أوضع ناقته أي (حملها على السير السريع )، وإن كانت دابة حركها" قال أبو عبد الله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: "حركها من حبها".قال ابن حجر في "الفتح" "وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه".

أيها المسلمون: من نعم الله علينا أن أسكننا هذه الأرض – دولة الإمارات العربية المتحدة – وجعل لنا فيها الأمن والأمان والراحة والطمأنينة ، وهي الوطن الذي نشأنا فيه وترعرعنا وتعلمنا على أرضه وذلك بفضل من الله المنعم ثم بفضل ما يسر لهذه البلاد من الخيرات وولاة الأمر من الحكام- أعزهم الله- حيث لم يبخلوا علينا في شيء بل وفروا لنا كل ما نحتاج إليه في حياتنا، فإذا تقرر هذا؛ فما هو الواجب علينا ؟ إن الواجب على أبناء هذا الوطن أولا شكر الله تعالى على هذه النعم بأن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، فمن شكر وعد بالمزيد قال سبحانه : " وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ "  ، ثم على أبناء هذا الوطن محبته، و التكاتف بين أفراد مجتمعه والتلاحم فيما بينهم، فإذا كنا لبنة واحدة؛ عجز عنا العدو وباء طمعه بالخسران

عباد الله : وهذه النعم محل حسد من أصحاب القلوب المريضة، والدول المبغضة، فيسعون بكل جهد ومال لإفسادها وتغييرها، واستبدالها بالنقم، فسعوا جاهدين لتهييج أهل الفتن في البلدان، بحجة المطالبة بالحقوق ومشاركة السلطان، وسخروا لهم وسائل الإعلام، وجندوا فيها الروبيضة سفهاء الأحلام، فنعقوا بالشبهات وحرفوا الرواسخ الثابتات، وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: "الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" ، فغرروا الناس بالفتن حتى أحرقوهم بنيرانها، وأصلوهم بحرها وسمومها، وهم يظنون أنهم يسعون للحريات، وحقيقة الفتن أن أولها يسر وأوسطها يغر وآخرها علقم مر ، وهذا ما كشفه التاريخ والواقع، فما أتت هذه الثورات بخير على بلاد المسلمين.

  فلو قلبتم أنظاركم في ما جاوركم من البلدان، التي كانت تنعم بالخير والأمان، فاغتر أهلها بالفتن فانقلبت أحوالهم، فلم يحصدوا من الثورات إلا الخوف والحَزن، والجوع والمحن، أمن مرفوع، وخير مقطوع، وشتات وجوع، سُفكت دماؤهم وضاعت أموالهم ، وخربت ديارهم ،و سَلب الأعداء الخيرات، وتركوهم في الفتن المتلاطمات، والعاقل من اعتبر بعبر الزمان.
عن معاوية رضي الله عنه قال : "إياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة وتورث الاستئصال" فحذار حذار أيها الناس " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" وتأملوا قول ربنا سبحانه : " سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" فسنة الله ثابتة أن من كفر نعمهُ سلبه خيره، وأن من اتبع أهواه أشقاه.
فاحمدوا الله واشكروه على نعمه علينا في هذه البلاد، التي صارت بفضل الله مضرب الأمثال في العالم.



الخطبة الثانية : اعلموا رحمكم الله أن من موجبات حب الوطن الدفاع عنه بالمال والنفس والقلم، لأنه بلد إسلامي، أهله مسلمون، تظهر فيه شرائع الإسلام، وإن من حرص دولتنا علينا  وعلى هذه الأرض أن أمرت بالتجنيد العسكري لجميع رجال الدولة خدمة وطنية، يتسلح من خلالها شباب الوطن للدفاع عنه، والذود عن حياضه والمحافظة على مكتسباته، وحفظ أمنه وثرواته، فهذه مصالح عظيمة، وتربوية متينة تصب في صالح الدين والوطن.

أيها الناس لا يخفى على عاقل أننا في زمانِ تحدٍ وقوة، والوطن برجاله والدين بحماته، وقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجانب غاية الاهتمام، فكان هو الفارس المقدام والمحارب الشجاع، فربى أصحابه على ذلك فكان يتلو على المنبر قول الله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ " ثم قال : ألا إنِ القوةَ الرمْيُ، ألاَ إِن القوةَ الرمْيُ، ألا إن القوةَ الرمْيُ" ، ومَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ –أي يرمون بالسهام - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا "  قال بعض أهل العلم: دل هذا الحديث أن للسلطان أن يأمر رجاله بتعلم الفروسية وأن يحض عليها" ، وقال صلى الله عليه وسلم :" من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها" وقال في رواية: من علم الرمي ثم تركه فليس منا "  وفي هذا الترهيب من تضييع القوة التي بها يُنتصر على العدو ، وكان الخلفاء يكتبون إلى عمالهم بتدريب الرجال على أعمال القتال والجهاد، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الشام: أن علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل" وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يَقُولُ: «أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ وفيه: أَمَّا بَعْدُ، .َإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ، وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ، وَاخْشَوْشِنُوا-من الخشونة وترك التنعم- وَاخْلَوْلِقُوا- أي تهيؤوا استعدادا لما يراد منكم- وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ، واقطعوا الرُّكُب، وَانْزُوا نَزْوًا " أي أن يقفزوا على الخيل بلا ركاب وهو موضع القدم في السرج.

قال ابن القيم: " هذا تعليم منه للفروسية وتمرين البدن على التبذل وعدم الرفاهية والتنعم .."

وفي القيام بالخدمة الوطنية اكتساب للأجر والمثوبة، ففيها طاعة لله ورسوله بالاستعداد للجهاد ولقاء العدو، وطاعة لولي الأمر، والله يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ "
وقال صلى الله عليه وسلم: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية ٍ فإذا أمر بمعصية ٍ فلا سمع ولا طاعة"

وفي التدريب العسكري تعليم للقوة وتدريب عليها، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير.


فيا معشر الشباب: لبوا نداء حكامكم والتفوا حولهم وكونوا يدهم وعينهم، فالبيت المتوحد أمان وعصمة، والمجتمع المتحد درع وقوة ، وهذه وصية باني دولتنا شيخنا الشيخ زايد رحمه الله رحمة واسعة ورفع درجته في الجنة إذ قال : اعلموا يا أبنائي أن وطنكم أمانة في أعناقكم فصونوا هذه الأمانة وذودوا عن حياضه وشرفه واعملوا على عزة ورفعة شأنه ، فعليكم تقع مسؤولية عظيمة جدا، فكونوا عند حسن ظن قيادتكم وأهلكم بكم، وثقة شعبكم الذين هم سندكم، تزودوا يا أبنائي بالعلم والإيمان والأخلاق واغرفوا من مناهل الثقافة والعلوم الفكرية ما يؤهلكم لاستيعاب أحدث الأسلحة والخطط العسكرية المتطورة وليكن النظام والطاعة والانضباط أسلوبكم في التعامل اليومي، واعلموا أن قوة الجيش في نظامه وإخلاصه وولائه وتمسكه بعقيدته"


ملاحظة : اقتبست بعض هذه الخطبة من خطبة للشيخ الدكتور الفاضل محمد غيث حفظه الله وغفر الله له 

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

أدلة ومصادر الفقه - 2 -

المصدر الثالث: الإجماع

هو الأصل الثالث من الأصول التي تستمد منا الشريعة الأحكام ، ويذكره علماء الأصول بعد الحديث عن الكتاب والسنة

تعريفه : اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على  أمر من أمور الدين .

قوله " اتفاق " ليخرج الخلاف في المسألة

مجتهدي : ليخرج غيرهم، والمجتهد هو الفقيه الذي استكمل شروط الاجتهاد .

العصر : أي الفترة الزمنية التي وقعت فيها تلكم الحادثة.

من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: يخرج المجتهدين من أتباع الأمم الأخرى كاليهود والنصارى فلا يعتد بخلافهم أو إجماعهم.

بعد وفاته : فلا إجماع في حياته صلى الله عليه وسلم .

في أمر من أمور الدين: قيد يخرج الإجماع في الأمور غير الشرعية ، فالإجماع الشرعي هو ما كان في الأمور الشرعية  فقط .

وهو حجة قد دل على حجيته الكتاب والسنة .

فمن الكتاب قول الله تبارك وتعالى : " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا "
الله توعد بالعذاب من شاق الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين أي الطريق الذي اختاروه لأنفسهم ، وهذا يدل على وجوب متابعتهم سبيلهم وعدم مخالفته ، ولا يصح إطلاق القول بأن ذلك القول أو الفعل هو سبيل المؤمنين إلا باجتماع قولهم أو فعلهم على رأي موحد.
ومن السنة قال صلى الله عليه وسلم: لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار " رواه أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم والألباني .
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن أمته لا تجتمع على ضلالة أبدا، فدل على أنها معصومة إن اجتمعت على أمر .

وللإجماع أقسام بعدة اعتبارات منها :
أولا باعتبار صدوره من أهله ينقسم إلى :
إجماع الأمة : بأن يجمع المجتهدون من هذه الأمة على حكم مسألة ما
إجماع الصحابة: قال الشوكاني: إجماع الصحابة حجة بلا خلاف
إجماع أهل المدينة : وهو اتفاق أهل المدينة في القرون المفضلة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما إذا خالفهم آخرون في أمر من أمور الاجتهاد
اشتهر به الإمام مالك بن أنس كأصل من أصوله وأكثر من الاستدلال به في الفروع الفقهية
وقد قسم ابن القيم عمل أهل المدينة إلى ثلاثة أقسام :
الأول: أن لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيره
الثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم
الثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم
فأما الأول فهو حجة بلا شك
أما الثاني فحمل خلاف بين المالكية والجمهور
أما الثالث فلا عبرة به إذ أن قول البعض ليس بحجة على الآخرين .

ثانيا : باعتبار النطق به ينقسم إلى :
أولا : الإجماع الصريح أو اللفظي
وهو اتفاق مجتهدي الأمة في عصر ما على حكم شرعي عن طريق إبداء كل منهم رأيه صراحة
وهو الذي يعتبر في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة .

الثاني : الإجماع السكوتي
وهو أن يعمل بعض المجتهدين في عصر عملا أو يبدي رأيا صريحا في مسألة اجتهادية ويسكت الباقي من المجتهدين بعد علمهم بذلك الرأي
وهو محل اختلاف بين العلماء هل هو إجماع وحجة أم لا ؟

الاعتبار الثالث : من حيث القطع والظن
الإجماع القطعي وهو المنقول بالتواتر، المصرح به من قبل المجتهدين لا أن يكون سكوتيا ، وأن يكون مستند الإجماع دليلا قطعيا
الإجماع الظني : ما اختل فيه أحد الشروط السابقة كالإجماع السكوتي ونحوه ..


ولأجل إعمال الإجماع كمصدر ودليل في الاستدلال الفقهي لا بد من التحقق من صحته، لأن مجرد حكاية الإجماع لا تكفي  ، حيث يحكي بعض العلماء الإجماع ويريد به الجمهور، وبعضهم يحكي الاتفاق ويعني علماء المذهب  كالكاساني الحنفي ي كتابه بدائع الصنائع إذ قد يحكي الإجماع ويريد إجماع علماء المذهب الحنفي دون غيرهم
وبعض الفقهاء يستعمل الاجماع  في  اتفاق مجتهدي الأمة ويستخدم لفظ (الاتفاق) للاتفاق بين علماء المذهب كالعيني في كتابه البناية في الفقه الحنفي ، مثال : قال : " لو أمنى بعد البول أو النوم لا غسل عليه بالاتفاق، وعند الشافعي يجب في الحال " فحكى الخلاف بعد ذكر الاتفاق في نفس السياق.

ومن الدراسات الحديثة التي اعتنت بدراسة تحقق الإجماع من عدمه دراسة بعنوان : موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي لمجموعة من الباحثين بلغت عشر مجلدات طبعت في دار الفضيلة .

ومن العلماء الذين ينقلون الإجماع :
ابن المنذر في كتبه وخصوصا كتاب الإجماع ، وله الأوسط والإشراف على مذاهب العلماء
النووي في المجموع وفي شرحه على مسلم
ابن قدامة في المغني
ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع والمحلى
وابن عبد البر في كتابه الاستذكار

رابعا : القياس
تعريفه هو : إلحاق فرع بأصل في الحكم الشرعي الثابت له لاشتراكهما في علة الحكم.
الفرع : المقصود به هنا : المقيس، أي الصورة أو المسألة التي يراد إثبات حكمها بالقياس.

الأصل : المقصود به هنا : المقيس عليه، أي : الصورة أو المسألة التي ثبت حكمها بنص أو إجماع، أو اتفق عليه الخصمان المتناظران.

الحكم المقصود به هنا : أي حكم من الأحكام الشرعية، كالوجوب والتحريم والندب.

العلة : المراد بها هنا : المعنى الذي ثبت الحكم في المسألة المقيس عليها لأجله، سواء عرف ذلك بنص أو باجتهاد ونظر.

فمعنى التعريف : أن القياس هو تسوية المجتهد في الحكم بين مسألتين : إحداهما ثبت حكمها بنص أو إجماع أو اتفاق من المتناظرين، والأخرى لا نص فيها، فيقوم المجتهد بإلحاقها بالأولى المتفق على حكمها لأجل اشتراك المسألتين في الوصف الذي يغلب على الظن أنه علة ثبوت الحكم في المسألة المقيس عليها.

مثال : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « البر بالبر مثلا بمثل » الحديث، فقاس جمهور العلماء الذرة على البر، وحكموا بتحريم بيعها بجنسها مع التفاوت في المقدار، ولم يخالف في هذا إلا الظاهرية، فالأصل في هذا المثال البر، والفرع الذرة، والعلة الجامعة أن كلا منهما مكيل يمكن ضبط مقداره بالكيل، والحكم هو تحريم التفاضل إذا بيع بجنسه.

حجيته :
القياس الصحيح حجة شرعية ودليل يعتمد عليه في تقرير الأحكام واستنباطها وقد دل على ذلك الكتاب والسنة
أما الكتاب فقول الله تعالى : " فاعتبروا يا أولي الأبصار"
وجه الدلالة : القياس فيه معنى المجاوزة والتعدية، والمجاوزة اعتبار ، والاعتبار مأمور به، فيكون القياس مأمور به ، وما أمر به فهو معتبر شرعا ويعمل به

ومن السنة  : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» ، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟» ، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» ، قَالَ: فَإِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: «فَأَنَّى تَرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا قَالَ: «فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ» ، قَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا قَالَ: «فَأَنَّى تَرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا قَالَ: «فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ»
وجه الدلالة : النبي صلى الله عليه وسلم قاس الغلام الأسود على البعير الأورق ، بجامع العرق الذي نزع كل واحد منهما ، ونبه الرجل على أن يحكم للغلام بحكم نظيره .

ومنه كذلك عنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : هَشِشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ : إِنِّى صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْراً عَظِيماً قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ. قَالَ :« أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ ». قُلْتُ : إِذاً لاَ يَضِيرُ. قَالَ :« فَفِيمَ؟ »
فالنبي صلى الله عليه وسلم قاس حكم القبلة في رمضان على المضمضمة بجامع عدم التفطير، فكما أن المضمضة لا تفطر الصائم فكذلك القبلة .

وهنا مسألة تتعلق بالقياس وهي هل يقع القياس في العبادات ؟

وذلك لأن القياس مبني على وجود العلة ، والعبادات العلة فيها تعبدية محضة .
لذلك قرر العلماء أنه  لا يمكن إثبات عبادة مستقلة بالقياس ولكن قد يجري القياس بين الشروط والأسباب ونحوها إذا أمكن تعليلها مع تساوي العبادات في المعنى
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " المراد بقول أهل العلم لا قياس في العبادات أي في إثبات عبادة مستقلة، أما شروط  في عبادة وما أشبه ذلك مع تساوي العبادتين في المعنى فلا بأس ، وما زال العلماء يستعملون هذا كقولهم: تجب التسمية في الغسل والتيمم قياسا على الوضوء "
(الشرح الممتع 6/524 )

ومثاله كذلك ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم إلى جواز الاستنجاء بغير الماء والحجر من الجمادات الطاهرات غير المحترمة كالورق والخرق ونحوها .

وعللوا ذلك بأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى هاهنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها .."  (ابن قدامة .المغني . 1/200 )

ومثله تثنية الخطبة في العيدين ، فالأئمة الأربعة وغيرهم على أن خطيب العيد إذا صلى العيد قام فخطب خطبتين كالجمعة، ومستندهم القياس .
وتوجد بعض مسائل العبادات وقع فيها خلاف في استعمال القياس .

 (ينظر للفائدة : القياس في العبادات وتطبيقاته في المذهب الشافعي . رامي بن محمد جبرين . دار ابن حزم )

هذه الأدلة المتفق عليها في باب الاستدلال لأحكام الفقه .
وأما غير المتفق عليها فهي :

1 -  الاستصحاب وهو : الحكم باستمرار وجود ما ثبت وجوده ، حتى يدل الدليل على ذهابه، والحكم باستمرار عدم ما لم يثبت وجوده حتى يقوم الدليل على وجوده

مثاله : لو ادعى شخص على آخر دينا فأنكر المدعى عليه فالقول قوله لأن الأصل براءة ذمته حتى يثبت قوله بالبينة
لو تطهر مصل ثم شك في الحدث فإنه يحكم له باستصحاب الطهارة حتى يثبت خلاف هذا الوصف .

2- شرع من قبلنا : وهو ما نقل إلينا من أحكام شرائع الأمم السابقة التي كانوا مكلفين بها على أنها شرع لهم، فهذه الأحكام هل تكلف بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم أم خاصة بأممهم .

3 – قول الصحابي :  اتفق الفقهاء على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين
واختلفوا إذا ورد عن الصحابي قول في مسألة ولم يكن فيه مخالفة صريحة لدليل شرعي ولم يعلم اشتهاره بين الصحابة ، ثم شاع ذلك القول بعدهم في التابعين ، ولم يرد عن غيره من الصحابة ما يخالف ذلك ، فهل يعتبر حجة أم لا ؟
والذي عليه الجمهور أنه حجة .

(ينظر : حجية قول الصحابي عند السلف . د ترحيب الدوسري . دار المنهاج )

4 – الاستحسان : اختلف في تعريفه فقيل : العدول عن قياس إلى قياس أقوى
وقيل : العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى
وقال الشيخ يعقوب باحسين في كتابه الاستحسان حقيقته أنواعه حجيته ص 41 : العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه، لوجه يقتضي التخفيف ويكشف عن وجود حرج عند إلحاق تلك الجزئية بنظائرها في الحكم "
وله أنواع ذكرها أهل الأصول والفقه .
ومن الأمثلة عقد الاستصناع وهو طلب العمل من صانع في شيء خاص على وجه مخصوص
كالخياط والبناء وما يسمى بعقد المقاولة والنجار .
فأجيز استحسانا مع مخالفته للقياس لأنه بيع معدوم، لحاجة الناس إليه وتعامل الناس به دون نكير .

5 – المصالح المرسلة  : ما لم يشهد الشرع لاعتباره ولا لإلغائه بدليل خاص
تنقسم المصالح إلى ثلاثة أقسام :
الأول : مصلحة معتبرة وهي ما شهد الشرع باعتباره ، فهذه محل اتفاق على العمل بها
الثاني: مصلحة ملغاة ما شهد الشرع ببطلانه وقد اتفق الفقهاء على ردها كالمصلحة الموجودة في الخمر أو في الربا
الثالث : مصلحة مرسلة لم يأتي دليل خاص على اعتبارها ولا على إلغائها
ومن أمثلة المصالح المرسلة : جمع القرآن الكريم زمن أبي بكر رضي الله عنه، ثم زمن عثمان رضي الله عنه .
اتخاذ الكتاب والدوواين والسجون، وأحكام الأنظمة والقوانين كقوانين السير والمرور ونحو ذلك .

6 – سد الذرائع
الذرائع : جمع ذريعة، والذريعة هي الوسيلة المؤدية إلى الشيء، سواء أكان مصلحة أم مفسدة.
وسد الذرائع : منع الوسائل المفضية إلى المفاسد
مثال ذلك قول الله تعالى : "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ "
وجه الاستدلال : أن الله منع المسلمين من سب آلهة الكفار مع أنها تستحق السب والشتم، ولكن منع من سبها حتى لا يسبوا الله، وهذا ظاهر في سد الذريعة المؤدية إلى المفسدة.

ومثالها : منع الشارع القاضي من أخذ الهدية لئلا يكون ذريعة إلى أخذ الرشوة، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « هدايا العمال غلول » 

الاثنين، 25 أغسطس 2014

أدلة ومصادر الفقه

سبق وأن ذكرنا أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.

فما هي الأدلة التي اعتمد عليها الفقهاء لاستنباط الأحكام الشرعية العملية ؟

هذه الأدلة يطلق عليها الفقهاء مصادر الفقه الإسلامي ، وهي تنقسم إلى أقسام باعتبارات

فمن حيث الاتفاق وعدمه تنقسم إلى :

مصادر متفق عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس
مصادر مختلف فيها وهي ما عداها من المصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع والاستحسان وقول الصحابي وعمل أهل المدينة ونحوها .

ومن حيث كونها منقولة بالرواية أو معتمدة بالرأي والعقل تنقسم إلى :

مصادر نقلية وهي الكتاب والسنة والإجماع
ومصادر عقلية وهي القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ونحوها

وسنتكلم على كل دليل منها وطريقة الاستفادة منه في باب الفقه .

أولا : الأدلة المتفق عليها  
القرآن الكريم .
هو كتاب الله وكلامه (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) .

قد جاء الأمر بلزومه واتباعه (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ )

وجاء الأمر بأن يجعل هو الحكم بين الناس (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ )

ونصوص القرآن قطعية الثبوت لأنه متواتر ، فلا يحتاج إلى إثباتها ، بخلاف السنة التي بعضها متواتر وبالتالي تكون قطعية الثبوت، وبعضها آحاد دون المتواتر وهذه يقول عنها الأصوليون أنها ظنية الثبوت، ولا يسلم لهم ذلك لأن ما تفق عليه الشيخان من الآحاد وهو قطعي الثبوت عند المسلمين .

إلا أن دلالة الآيات على الأحكام الفقهية تنقسم إلى قسمين :

قطعي الدلالة وهو ما يعرف عند الأصوليين بالنص الذي لا يحتمل غير معنى واحد كقوله تعالى : " فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ "
فعدد الأيام التي يصومها المتمتع الذي لا يجد الهدي عشرة لا تزيد ولا تنقص .

ثانيا: ظني الدلالة وهو ما كان من قبيل الظاهر والمشترك ونحوها مما يحتمل معنين فأكثر كقوله تعالى : " وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ " والقرء في المعنى اللغوي يحتمل الطهر ويحتمل الحيض

والأحكام الفقهية في القرآن لها أحوال :

أولا : أن تأتي الأحكام مبينة كما في آيات المواريث، والكفارات، ومقادير العقوبات في الحدود، وطريقة اللعان بين الزوجين،  كقوله تعالى : " وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ "
فالزوج له حالان : أن لا يكون لزوجته أولاد فيرث نصف ما تركت ، فإن كان لها اولاد فله ربع ما تركت بعد انفاذ الوصية وسداد الديون ...
وكقوله في كفارة اليمين : "  لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
فكفارة اليمين كما دلت عليها الآية : إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام أو كسوتهم أو تحرير رقبة فهذه على التخيير ، فإن عجز عن واحدة منها فيصوم ثلاثة أيام .

ثانيا : أن تأتي الأحكام مجملة ولها ثلاثة أحوال :

الأولى : أن تبين في القرآن ، فيأتي الحكم مجملا في موضع ويبين في موضع آخر.
كعام خص أو مطلق قيد ، كقوله تعالى : "  وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ " ثم جاء بعض التفصيل في القرآن كقوله تعالى "إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا" ثم بين هذه الأوقات فقال:
"أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا"

مثال آخر : قوله تعالى " وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ" هذا يشمل كل مطلقة مدخول بها أو غير مدخول بها حامل أو غير حامل تحيض أو لا تحيض.
ثم جاء التخصيص في آيات أخرى فأخرج المطلقة غير المدخول بها فقال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْقَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا"
ثم أخرج الحامل والتي لا تحيض فقال : "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ "

ثانيا : أن يأتي الحكم مجملا وتبينه السنة، كقوله تعالى : " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا" فبينة السنة أن موضع القطع هو كف اليمنى .
ثالثا : أن يبقى على إجماله كالأمر بالشورى في قوله " وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ " ونحوه .

ومن المباحث التي يبحثها الفقهاء في القرآن الكريم النسخ ، رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متأخر عنه . وله أنواع يبينها أصول الفقه .
مثال : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ "
عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم ألا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.

المصدر والدليل الثاني السنة

تعريفها : ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير"

وهي حجة في تقرير  الأحكام ، قال تعالى :  " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا "
والرد إلى الله أي إلى كتابه ، والرد إلى الرسول أي إلى سنته .

وقال سبحانه : "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا "
فلا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله وأن كلا منهما ليس للمؤمن الخيرة في أن يخالفها، وأن عصيان الرسول صلى الله عليه وسلم كعصيان الله تعالى وأنه ضلال مبين.

والسنة وحي من الله تعالى كما قال تعالى : " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ،إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى"

وعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله".

فهي حجة في تقرير الأحكام إن صح سندها، وهي تنقسم من جهة القبول والرد إلى قسمين :
أحاديث مقبولة ، وأحاديث مردودة .

والأحاديث المقبولة تنقسم من حيث عدد الرواة إلى قسمين :
أحاديث متواترة  وهي ما رواها جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب
وأحاديث آحاد  وهي ما دون المتواتر ، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام :
مشهور : ما رواه ثلاثة فأكثر لا يبلغون حد التواتر
وعزيز : هو أن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين
وغريب : ما تفرد بروايته راو واحد .

وتنقسم من حيث الصحة والضعف إلى أقسام منها :
الصحيح والحسن والضعيف ، ولكل أقسام .

لكن إن صح الحديث وثبت فهو حجة يفيد العلم والقطع ويجب العمل به .

قال الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ص18: " والحق الذي نراه ونعتقده أن كل حديث آحادي صحيح تلقته الأمة بالقبول من غير نكير منها عليه أو طعن فيه فإنه يفيد العلم واليقين سواء كان في أحد الصحيحين أو في غيرهما، وأما ما تنازعت الأمة فيه فصححه بعض العلماء وضعفه آخرون فإنما يفيد عند من صححه الظن الغالب فحسب.."

وهذا خلاف ما يذكره الأصوليون من أن أحاديث الآحاد بدون تفصيل تفيد الظن ولو كانت مما اتفق عليه الشيخان.

ومعنى أنها تفيد الظن أنها محتملة للصحة وللضعف، ولذلك فغالبية أهل الأصول من المتكلمين لا يثبتون بها العقيدة لكونها لا تفيد اليقين، والعقيدة لا تثبت إلا بيقين.

 مسألة : هل تثبت الأحكام الفقهية بالحديث الضعيف ؟

قال النووي: "  و أما الأحكام كالحلال و الحرام و البيع و النكاح و الطلاق و غير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن ، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك  "

قال ابن تيمية : "  ولم يقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف ، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع "

ولكن هذا ليس على إطلاقه عند الفقهاء إذ يجوزن العمل بالحديث المرسل وفق شروط وضوابط.

والمرسل عند المحدثين نوع من أنواع الضعيف ويعرفه المحدثون بقولهم : " ما سقط منه الصحابي ورفعه التابعي، بأن يقول التابعي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"
وأما الفقهاء فالمرسل عندهم أعم وأوسع من تعريف المحدثثين فهو : قول العدل الثقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ..فيدخل فيه المعضل والمنقطع .
وبعض الفقهاء لا يقبل إلا مراسيل كبار التابعين وأن يكون قد التقى بكبار الصحابة كسعيد بن المسيب ، وأن يكون متنه قد روي معناه مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق آخر، أو أن يشهد له بعض أقوال الصحابة، أو أن يقبله جماعة من العلماء ويفتى به، وبعضهم لا يقبل من المراسيل إلا من التابعين أو تابعيهم دون من بعدهم

وبعض الفقهاء كأحمد قد يستعمل لفظ الضعيف ويريد به الحسن وما دونه ، قال ابن القيم : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّعِيفِ عِنْدَهُ الْبَاطِلَ وَلَا الْمُنْكَرَ وَلَا مَا فِي رِوَايَتِهِ مُتَّهَمٌ بِحَيْثُ لَا يَسُوغُ الذَّهَابُ إلَيْهِ فَالْعَمَلُ بِهِ؛ بَلْ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ عِنْدَهُ قَسِيمُ الصَّحِيحِ وَقِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْحَسَنِ، وَلَمْ يَكُنْ يُقَسِّمُ الْحَدِيثَ إلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ، بَلْ إلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ، وَلِلضَّعِيفِ عِنْدَهُ مَرَاتِبُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْبَابِ أَثَرًا يَدْفَعُهُ وَلَا قَوْلَ صَاحِبٍ، وَلَا إجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَهُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ.


وأما منزلة السنة من القرآن في تقرير الأحكام :

السُّنَّةُ مَعَ الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
 أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَيَكُونُ تَوَارُدُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْحُكْمِ الْوَاحِدِ مِنْ بَابِ تَوَارُدِ الْأَدِلَّةِ وَتَظَافُرِهَا.
كالأمر بالصلاة والزكاة والنهي عن الخمر والزنا .

الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِمَا أُرِيدَ بِالْقُرْآنِ وَتَفْسِيرًا لَهُ.
فتبين مجمله ، قال تعالى : " وأقيموا الصلاة " قال صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، وكقوله " وآتوا الزكاة " فجاءت السنة فبينت المقادير والشروط
وكقوله تعالى : "  فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ " احتمل المعنى من تزوجها ولو لم يدخل بها، لأن اسم النكاح يقع بالإصابة ويقع بالعقد، فلما ورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تحلين له حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" تعين أن الإحلال لا يكون إلا بنكاح حصل فيه دخول.
وتخصص عامة كقوله تعالى : " وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ" [النساء: 24] بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا» وَعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ»
وتقيد مطلقه كقوله تعالى : " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا" فبينت السنة مكان القطع

الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِحُكْمٍ سَكَتَ الْقُرْآنُ عَنْ إيجَابِهِ أَوْ مُحَرِّمَةً لِمَا سَكَتَ عَنْ تَحْرِيمِهِ، وَلَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، فَلَا تُعَارِضُ الْقُرْآنَ بِوَجْهٍ مَا .
كتحديد ميراث الجدة ، وتحريم زواج المتعة، ولحوم الحمر الأهلية .
(ينظر : إعلام الموقعين 4/84)

ولا يوجد تعارض بين القرآن والسنة الصحيحة أبدا .
وكل ما يحتاجه الناس قد بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه او في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال ابن تيمية رحمه الله : فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا.."
ويقدم النص على العقل وكل ما خالف الشرع فهو خيال واوهام، قال ابن تيمية : " " ولهذا لا يوجد في كلام أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ عَارَضَ الْقُرْآنَ بِعَقْلِ وَرَأْيٍ وَقِيَاسٍ وَلَا بِذَوْقِ وَوَجْدٍ وَمُكَاشَفَةٍ وَلَا قَالَ قَطُّ قَدْ تَعَارَضَ فِي هَذَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ: فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ "
مجموع الفتاوى (13/ 29)

سنسكمل بقية الأدلة غدا إن شاء الله