الخميس، 16 أكتوبر 2014

خطورة الفتن وتأثيرها على الشباب

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين : اعلموا رحمكم الله أن الله خلق الخلق وابتلاهم قال تعالى:الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ " فبه يظهر الصادق من الكاذب، والسعيد من الشقي قال سبحانه : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ،وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" واقتضت حكمة الباري سبحانه وتعالى أن دار السلام وهي الجنة لا تنال إلا بعد الِابْتِلَاء والامتحان وَالصَّبْر وَالْجهَاد وأنواع الطَّاعَات قال تعالى : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " ، وإنما يبتلى العبد على قدر دينه وإيمانه ، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً , قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ حَتَّى يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ صَلْبَ الدِّينِ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ , أَوْ قَدْرِ ذَلِكَ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ , وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ "

والابتلاء قد يقع في أمور الدين وفي أمور الدنيا، وفي الشبهات وفي الشهوات، والسلامة يوم القيامة لا تتحقق إلا بالسلامة من آثار هذا الابتلاء قال تعالى : يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ،إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " والقلب السليم هو الذي سَلِمَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ ومن كُلِّ شَهْوَةٍ تُعَارِضُ أَمْرَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ إِرَادَةٍ تُزَاحِمُ مُرَادَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ قَاطِعٍ يَقْطَعُ عَنِ اللَّهِ، وَلَا تَتِمُّ للقلب سَلَامَتُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ شِرْكٍ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ، وَبِدْعَةٍ تُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَشَهْوَةٍ تُخَالِفُ الْأَمْرَ، وَغَفْلَةٍ تُنَاقِضُ الذِّكْرَ، وَهَوًى يُنَاقِضُ التَّجْرِيدَ وَالْإِخْلَاصَ، فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللَّهِ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، تَتَضَمَّنُ أَفْرَادًا لَا تَنْحَصِرُ، وَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ حَاجَةُ الْعَبْدِ بَلْ ضَرُورَتُهُ، إِلَى أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ في كل صلاة يصليها، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحْوَجَ مِنْهُ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا.

وإن من أعظم الابتلاءات والفتن والمحن التي يواجهها المسلم الابتلاء في الدين، فإن الدين هو روح العبد وسعادته، فإذا فقده فقد الخير كله، ولأجل ذلك كان صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يحفظ له دينه وأن يثبته عليه إلى أن يلقاه، فكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه : «اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري، وأصَلِح لي دُنيَايَ التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعَل الحياة زيادة لي في كلِّ خيرٍ، واجعل الموتَ راحة لي من كل شَرٍّ»  وَكَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "يَا مُقّلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ"

وأثر الفتن على الدين عظيم جدا إذ قد يخرج الرجل من دينه بسببها قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَأَنَّهَا قِطَعُ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيَبِيعُ فِيهَا أَقْوَامٌ خَلَاقَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا" ، قال الحسن البصري وهو ممن عاصر بعض الفتن وأصحابها : وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ صُوَرًا وَلَا عُقُولَ، أَجْسَامًا وَلَا أَحْلَامَ، فَرَاشَ نَارٍ وَذِبَّانَ طَمَعٍ، يَغْدُونَ بِدِرْهَمَيْنِ، وَيَرُوحُونَ بِدِرْهَمَيْنِ، يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دَيْنَهُ بِثَمَنِ الْعَنْزِ"

فإذا وقت الفتنة خصوصا فتن الدين- فلا تنفع العقول ويضيع الدين، ويصبح الحليم حيرانا، عن حذيفة رضي الله عنه قال : " ما الخمر صرفا بأذهب بعقول الرجال من الفتنة " ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا " أَنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ ". قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: " الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ ". قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ  الْآنَ. قَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ ". قَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ ومَعَنَا عُقُولُنَا ‍‍‍؟ قَالَ: " لَا. إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكُم  الزَّمَانِ حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ "

ولا تزال الفتن في ازدياد وظهور حتى تسوق الناس إلى أعظم الفتن التي عرفتها البشرية إنها فتنة الدجال قال صلى الله عليه وسلم: " وَمَا صُنِعَتْ فِتْنَةٌ مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ، إِلَّا [تَتَّضِعُ] لِفِتْنَةِ الدَّجَّالِ"

جماعة المسلمين : إذا علمنا خطورة الفتن على المسلم فكيف نتجنبها ؟
لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم العلاج بعد أن بين الفتن وجلاها، فمن المنجيات من الفتن التعوذ بالله منها والالتجاء إليه ليعصمك من الوقوع فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» فقال الصحابة: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ " .

ومن المنجيات من مهلكات الفتن اجتنابها وعدم المشاركة فيها ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي فِيهَا وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي إِلَيْهَا أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ قَالَ يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي قَالَ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ

ومن المنجيات من مهلكات الفتن التمسك بالسنة وترك البدع المحدثات ولزوم الجماعة والسمع والطاعة لولي أمر المسلمين قال صلى الله عليه وسلم: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله, وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ, وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا, فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي, وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ "



الخطبة الثانية : عباد الله من جملة الفتن التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها وحذر منها فتنة الخوارج، وتكمن فتنهم في أنهم أهل عبادة وصلاح، فكلامهم معسول بالكتاب والسنة، وشعارهم الدين، وسماتهم العبادة، فيتغتر بهم من لا علم له بهم، ولكنهم كما قال صلى الله عليه وسلم كلاب النار، شر الخلق ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ .
ومن سوء فتنهم أنها تحصد الشباب حدثاء الأسنان، صغار الأعمار، فيغرونهم حتى يتأثروا بشبهاتهم فيرون أنهم على الحق وغيرهم كفار على الباطل، ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بأن منهم  الشباب الصغار الذين لا حكمة لديهم ولا حسن تدبير، بل تدفعهم العواطف، وتحركهم الحماسة، فروى البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  "

فكم من والدين فجعا بخبر انضمام ولدهما لطوائف الخوارج، وكم منهم من فجع بسفر ولده وفلذة كبده إلى بلاد الفتن وأماكن الصراع، بحجة إقامة دولة الخلافة المزعومة، ورفع راية الإسلام .

شعارات حق أريد بها باطل كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رفع الخوارج شعار " لا حكم إلا لله" فاستمالوا به قلوب الأغمار، وعقول الجهال، حتى كونوا جيشا قوامه ستة آلاف جندي، فقال علي : كلمة حق أريد بها باطل.

يا معاشر الشباب : الزموا سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وهديه، فالسنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ..

يا معاشر الشباب لا تغتروا بشعارات الخوارج وأصحاب الرايات السود في زماننا فإنهم كلاب النار وشر الخلق توعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل فقال : لِأَن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثَمُود"

فالخوارج أهل غلو في الطاعة إذ قد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم أكثر صلاة من الصحابة وأكثر قراءة للقرآن منهم، ومع ذلك توعدهم بالنار فقال : الخوارج كلاب النار" وها هو عبد الله بن عباس رضي الله عنه لما ذهب يناظر الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه قال في وصفهم: " فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِلُونَ فَإِذَا هُمْ مُسْهَمَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ، قَدْ أَثَّرَ السُّجُودُ فِي جِبَاهِهِمْ كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ ثَفِنُ الْإِبِلِ " أي غليظة كركب الإبل من طول بروكها .

وها هو الإمام الآجري أبو بكر محمد بن الحسن يحذرنا من الاغترار بهم وهو المتوفى عام: 360 للهجرة يقول : لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن صلوا وصاموا ، واجتهدوا في العبادة ، فليس ذلك بنافع لهم ، يظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس ذلك بنافع لهم ؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون ، ويموهون على المسلمين ، وقد حذرنا الله تعالى منهم ، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم ، وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده ، وحذرناهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان ، والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس ، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج يتوارثون هذا المذهب قديما وحديثا ، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين" ا.هـ
فاحذروهم يا رعاكم الله ..

يا شباب الإسلام : هل الإسلام الصحيح يحث على مبايعة مجهول لا يعرف إلا بكنيته مختبئ في الكهوف والجبال ؟

هل من الإسلام الصحيح قتل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟

هل من الإسلام الصحيح أن يخرج المجاهد وهو يحمل رؤوس من قتلهم بيده ؟

هل من الإسلام الصحيح  الخروج إلى الجهاد دون أذن والديك وأذن ولي أمرك ؟

الجواب : لا ، بل هي شبهات تلقى في قلوبكم فاحذروها ..

أيها الآباء اعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ تقدمونه لِلأَبْنَاءِ هو تَرْبِيَتُهُمْ تَرْبِيَةً حَسَنَةً، وَوِقَايَتُهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيْ عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ. وَاعْلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَتَرَبَّصُ بِشَبَابِنَا لِيُغْرُوهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْحَاكِمِ، وَالسَّفَرِ إِلَى مَوَاقِعِ الصِّرَاعِ وَالْفِتَنِ بَحْثًا عَنِ الشَّهَادَةِ، فَنَنْصَحُ الآبَاءَ أَنْ يُوَجِّهُوا أَبْنَاءَهُمْ وَيُبَيِّنُوا لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ خَاطِئٌ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الأَعْدَاءِ
اغرسوا في أبنائكم عقيدة السمع والطاعة لولي الأمر، وأن ذلك من الإسلام
اغرسوا في أبنائكم حب الوطن الذي يعيشون فيه، وينعمون بالأمن والسكينة، فيعبدون الله ، ويعمرون الأرض .
واعلموا أن أفضل وسيلة لتحقيق الأمن الفكري في أبنائنا هو ربطهم بالله وبالعقيدة الصحيحة وبالعلماء الربانيين من أهل السنة والجماعة.



الجمعة، 10 أكتوبر 2014

الإسلام دين اليسر

الخطبة الأولى: جماعة المسلمين اعلموا رحمكم الله أن من مقاصد الإسلام وحكمه التيسير ورفع الحرج والضيق عن الناس، فهو دين يكفل للناس أجمعين تحقيق السعادة والمنافع في الدارين، قال الله تبارك وتعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " قال أهل التفسير: "أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أشد تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله "

فالتيسيرُ شِعَارُ الدين في العبادات والأخلاقِ والمعاملاتِ، وسِمَةٌ العاداتِ والعباداتِ، فهو خيرُ مَا يَدِينُ بهِ المسلِمُ ربَّهُ، قالَ صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ" فالله سبحانه وتعالى شرع الدين وأمر به العباد دون أن يتضمن أية مشاق تخرج عن الاستطاعة بل متى ما وقعت المشقة وتحققت وجد التيسير، ولأجل ذلك اتفقت كلمة أهل العلم والدين على وضع قاعدة: المشقة تجلب التيسير ، وهذا من سماحة الإسلام ويسره ووسطيته.

قَالَ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْيُسْرَ، وَكَرِهَ لَهَا الْعُسْرَ".  وَلَقَدْ أَرسَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم باليسر والسهولة قال صلى الله عليه وسلم:" بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ " وجَبَلهُ الله بأوصافِ الرحمةِ والتيسيرِ، فقالَ تعالَى:( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) قال السعدي رحمه الله: " فالله يسر رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا"  فَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ التخفيفَ والتيسير والتبشيرَ، ويقول: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ"  أَيِ الشريعةُ السمحةُ السهلةُ فِي العمَلِ، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَين إِلَّا اختَارَ أَيْسَرهُمَا مَا لَمْ يَكُن إِثْمًا، فإِذا كَان إِثْمًا كَان أَبْعَد النَّاسِ مِنْهُ"  

 بل كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث بعثا أو أرسل رسولا إلى قوم أوصاهم بالتيسير، فلما بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لهما: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا"

جماعة المسلمين : لقد شمل التيسير كافة مجالات الدين فقَدْ يسَّرَ اللهُ عَلَى عبادِهِ فِي التكليفِ، ورَفَعَ عَنْهُمُ المشقَّةَ، قالَ اللهُ سبحانَهُ:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقَدْ سهَّلَ القرآنَ الكريمَ لِلذِّكْرِ لِمَنْ أرادَ التذكُّرَ بهِ، قالَ سبحانَهُ:( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)

والصلاةُ عمودُ الدينِ، أوجبَهَا اللهُ عزَّ وجلَّ عَلَى جميعِ عبادِهِ، وقَدْ رَاعَى التيسيرَ فِي أدائِهَا، فرخَّصَ للمسافِرِ قَصْرَهَا، وللمريضِ أَنْ يُصَلِّيَ بالهيئة التي يستطيعها، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حينَ أصابَهُ مرَضٌ:" صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" ومعَ أهميةِ الصلاةِ ومكانَتِهَا فقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالتخفيفِ عَلَى المصلِّينَ فَقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ" ويسر على المسافر فشرع له القصر والجمع، ويسر على من فقد الماء للوضوء بأن شرع له التيمم .

والصيامُ ركنٌ مِنْ أركانِ الإسلامِ، وقَدْ خُفِّفَ عَنِ المريضِ والمسافرِ، وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ أرادَ التطَوُّعَ بهِ أَنْ يعتدِلَ ولا يشدد على نفسه فيه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r : يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ أي لمن يزورك من الأضياف- عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»

والزكاةُ لَمْ تُفْرَضْ إلاَّ عَلَى مَنْ ملكَ النِّصَابَ، وحددها الله بمقدار لا يشق على الناس، وَفِي الحجِّ رَاعَى اللهُ تعالَى فيهَا أحوالَ الناسِ، فلَمْ يُكَلِّفْ بهِ إلاَّ القادرَ المستطيعَ . وقَدْ وضعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هديًا للناسِ فِي التَّدَيُّنِ، لاَ يشقُّونَ عَلَى أنفسِهِمْ، ولاَ عَلَى غيرِهِمْ قال صلى الله عليه وسلم:" خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا "



  
الخطبة الثانية : أيهَا المسلمونَ: إنَّ التيسيرَ لاَ يقتَصِرُ عَلَى العلاقةِ بينَ العبدِ وربِّهِ، بَلْ يشمَلُ كذلِكَ العلاقاتِ بينَ الناسِ معَ بعضِهِمْ، فالكلامُ هوَ وسيلةُ التواصلِ بينَهُمْ، ومَنْ أرادَ الوصولَ إلَى قلوبِهِمْ فعليهِ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ بأيسَرِ الكلامِ، وقَدْ أرسلَ اللهُ تعالَى موسَى وهارونَ عليهِمَا السلامُ إلَى فرعونَ، فقالَ لهُمَا:( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) فإذَا كانَ هذَا معَ مَنْ قالَ:( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) فكيفَ بِمَنْ سجدَ لربِّهِ وقالَ: سبحانَ ربِّي الأعْلَى؟

وفِي العلاقاتِ الأُسَرِيَّةِ لَنْ ينالَ الابنُ بِرَّ والدَيْهِ حتَّى يترَفَّقَ معَهُمَا فِي الحديثِ، ويختارَ مِنَ الكلامِ ألْيَنَهُ، ومَنْ تعامَلَ معَ الناسِ فِي بيعٍ وشراءٍ، وجَبَ عليهِ أَنْ ينتهِجَ التيسيرَ هديًا لهُ،  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحاً إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى»

ومَنْ كَانَ لهُ دَيْنٌ عَلَى الناسِ فَلْيُيَسِّرْهُ عَلَيْهِمْ لعَلَّ اللهَ أَنْ يُيَسِّرَ عليهِ، قالَ تعالَى:( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَقَّتْ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَقَالُوا أَعَمِلْتَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا قَالَ لَا قَالُوا تَذَكَّرْ قَالَ كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَوَّزُوا عَنْ الْمُوسِرِ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَجَوَّزُوا عَنْهُ " رواه مسلم .

والتيسيرُ لاَ يعنِي تَتَبُّعَ الرُّخَصِ دون سبب معتبر أو دليل صحيح والتَّهاونَ بِشَرْعِ اللَّهِ تعَالَى، فَمَا أَمَرَ اللَّهُ سبحانَهُ بهِ فَهُوَ وَاجِبُ التنفيذِ والاتباعِ، ومَا نَهَى عنْهُ يَقْتَضِي الانتهاءَ والإقلاعَ، لكِنَّ الإسلامَ فِي أَمْرِهِ ونَهْيِهِ يُراعِي أَحْوَالَ الناسِ وقُدُرَاتِهِمْ، قالَ اللهُ تعالَى:( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»

واعلموا رحمكم الله أن التدين الصحيح: هو الذي يتميزُ بالاعتدالِ والوسطيةِ، والاتباعِ لا الابتداع، فلا غلوَّ ولا تفريط، ولا تشدَّدَ ولا تساهل، هذا هو الصراطُ المستقيم الذي ندعوا ربَّنا في كل صلاةٍ أن يهدينا إليه، ومعالمُ هذا الصراط تتبينُ من خلال نصوصِ الكتاب والسنةِ الصحيحةِ الثابتةِ عن الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وما سار عليهِ العلماءُ الربّابنيونَ الصالحون من سلفِ هذه الأمةِ رضوانُ الله عليهم، قال صلى الله عليه وسلم : "تركتُ فيكُم أمرينِ لنْ تضلّوا ما إِنْ تمسَّكتُم بهما: كتابُ الله وسنّتي" وقال: "أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإن كانَ عبداً حبشياً، فإنه مَنْ يعشْ منكُم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكُم ومحدثاتِ الأمور؛ فإن كلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة".


وقَدْ منَّ اللهُ تعالَى علينَا فِي دولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ بِنِعَمِهِ الوافرةِ، فنحنُ نحيَا فِي خيرٍ واستقرارٍ ورغَدٍ مِنَ العيشِ، فلْنَشْكُرِ اللهَ عَلَى مَا خَصَّنَا بهِ مِنْ تمامِ فضلِهِ، وعَلَى مَا أنعَمَ بهِ علينَا مِنْ قيادةٍ رشيدةٍ، ووطَنٍ مُستقِرٍّ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الفتَنِ وسَفْكِ الدماءِ وتدميرِ الأوطانِ، وتشريدِ الإنسانِ، كمَا يحدثُ فِي كثيرٍ مِنَ البلدانِ الأُخرَى، ولنحذر جحود النعم بمعصية الله تعالى، فإن النِّعمَ إذا شُكرت استقرَّت وزادت، وإذا جُحدت سُلبت وزالت، قال تعالى: (وإذ تأذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد)

الخميس، 2 أكتوبر 2014

خطبة عيد الأضحى 1435 هـ

الخطبة الأولى: : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
معاشر المسلمين: قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ ) فأعظم أيام الدنيا عند الله يوم عيد الأضحى- يوم النحر- ويوم القر هو أول أيام التشريق حيث يقر الحجيج في منى بعد أدائهم لأعمال اليوم العاشر من الرمي والذبح والحلق والطواف والسعي.

ففي يوم النحر تجتمع عبادتان من أجلِّ العبادات وهي عبادة الصلاة وعبادة النحر، وقد جمعهما الله سبحانه في آية واحدة فقال :"فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ" فالصلاة صلاة العيد والنحر نحر الأضاحي.
والحكمة من مشروعية ذبح الأضاحي هو إقامة ذكر الله وتحقيق التقوى بامتثال الأمر قال تعالى "وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ "

وذبح الأضاحي أفضل من التصدق بثمنها لفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده فعَنْ أَنَسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ وَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا.أي وضع رجله على أعناقها لئلا تضطرب الأضحية.
وأفضل الأضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم، وأفضلها أسمنها وأغلاها ثمنا، فعن سَهْل بْن حنيف قال : كُنَّا نُسَمِّنُ الأضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ .

ويُتقى من الأضاحي العوراء البين عورها والعمياء من باب أولى، والعرجاء البين عرجها والذي يمنعها من اللحاق بالسليمة من الماشية، ومن باب أولى التي لا تمشي، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء الهزيلة التي لا لحم فيها. ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :لَا يَجُوزُ مِنْ الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي"
ويشترط في المُضحى به من بهيمة الأنعام بلوغ السن المعتبرة شرعا، فالإبل ما أتمت خمسا ودخلت في السادسة، والبقر ما أتمت سنتان ودخلت في الثالثة، والمعز وما أتمت سنة ودخلت في الثانية.

وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، فعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته ، فيأكلون ويطعمون" وإذا كانت العائلة كثيرة وهي في بيت واحد فيجزئ عنهم أضحية واحدة ، وإن ضحوا بأكثر من واحدة فهو أفضل .وتجزئ الإبل والبقر عن سبعة.

والسنة أن يذبح المضحي  بنفسه، أو يوكل غيره، فإذا أراد الذبح سمى وكبر، ثم يأكل منها لأمر الله تعالى حيث قال " فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ" ، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حيث أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُورٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلُوا مِنْ اللَّحْمِ وَحَسَوْا مِنْ الْمَرَقِ. ثم يهدي لأرحامه وجيرانه ويتصدق على الفقراء والمحتاجين.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد

  
جماعة المسلمين :لقد عاشت البشرية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في ظلمات الجهل والغواية ، قال صلى الله عليه وسلم:" وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ "

فبعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور الإسلام  والتوحيد قال تعالى : " هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " فأدى الأمانة وكشف الغمة وأزال الله به الظلمة،  قال تعالى : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " فاجتهد صلى الله عليه وسلم في تبليغ هذا الدين، وحرص على هداية الخلق.
وفي حجة الوداع أرسى النبي صلى الله عليه وسلم أهم القواعد التي تحقق للناس صلاحهم وسعادتهم في العاجل والآجل ، حتى قال ابن عباس رضي الله عنه في وصف خطبة حجة الوداع: " فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته صلى الله عليه وسلم إلى أمته "

بل لأجل عظم هذه الوصية فتح الله عز وجل أسماع الناس في ذلكم اليوم فكانوا يسمعون كلامه صلى الله عليه وسلم وهم في منازلهم، فعن معاذ بن جبل رضي الله عته قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى فَفَتَحَ اللَّهُ أَسْمَاعَنَا حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا.

ومن الأسس التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم والتي تبين وسطية هذا الدين قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته بعرفة "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هذا" فتضمنت تحريم  دماء المسلمين  وأموالهم ، وأكد على ذلك ببيان أن حرمة دماءهم وأموالهم شديدة كحرمة بلد الله الحرام في اليوم الحرام وفي الشهر الحرام، فما أعظمها من حرمة .
وقد   توعد الله من اعتدى على دماء المسلمين بغير وجه حق بالعذاب الأليم قال تعالى: "
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا "  ، بل قتل مسلم بلا حق أعظم عند الله سبحانه من زوال الدنيا بأسرها قال صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا  أهون على الله من قتل رجل مسلم" ، وقال صلى الله عليه وسلم: لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار"
فما بال أقوام يتسرعون في دماء المسلمين، ويتهاونون فيها، ويتجرؤون على سفكها دون مراعاة لحرمتها.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد

أيها المسلمون : من الأسس التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قوله "
وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ"  
فأبطل أمور الجاهلية التي تخالف الإسلام من القتل ونهب الأموال وانتهاك الأعراض وأكل أموال الناس بالباطل كالربا ونحوه

ومن أحيا شيئا من سنن الجاهلية فقد أبغضه الله، قال صلى الله عليه وسلم : " أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ" 
ومن أمور الجاهلية التي نهى عنها الشرع الحنيف قول نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ وَقَالَ النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ

أيها المسلمون : من الأسس التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قوله : "
 وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ "  فهذه وصية بكتاب الله تعالى الذي يدعو لكل خير وفضيله وينهى عنن كل شر وفساد قال تعالى : " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  "  فمن اتبعه اهتدى وسلم من الهلكة، ومن أعرض عنه توعده الله بالعقوبة قال تعالى  : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى"
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد


الخطبة الثانية : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد
من الوصايا النبوية في حجة الوداع قوله صلى لله الله عليه وسلم: " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ "
وفي هذا التوجيه وصية للرجال بالنساء ، بأن يتقوا الله تعالى فيهن ، فيؤدون حقوقهن التي أوجب الله عليهم، وفيه توجيه للنساء أيضا بحفظ بيتها وزوجها وأن تؤدي ما اوجبه الله عليها من حق له ، وفي تحقيق ذلك استقرار الأسر وحماية المجتمعات  .

يا معاشر النساء : اسعينَ رحمكنَّ الله إلى فكاك أنفسكُنُّ من النار، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " وَنَظَرْتُ فِي النَّارِ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ " وقال -صلى الله عليه وسلم- « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ فَإِنِّى رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ قَالَ « تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ "  ، وروى أحمد في المسند قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْفُسَّاقَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَنْ الْفُسَّاقُ ؟ قَالَ النِّسَاءُ. قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَوَلَسْنَ أُمَّهَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا وَأَزْوَاجَنَا ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ إِذَا أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ وَإِذَا ابْتُلِينَ لَمْ يَصْبِرْنَ "

والسبيل إلى الخلاص من النار هو أن تأَدينَ حقَّ الله عليكُنَّ بأداءِ ما فرضه الله، وانتهينَ عما نهاكُنَّ عنه تَكنَّ من أهل الفوز والسعادة قال صلى الله عليه وسلم (إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ) .

أختي المسلمة : اعلمي أن سبب نهضة الأمة هو قرارك في مملكتك وهو بيتك، والتزامك بحجابك وحشمتك، فإن فعلت ذلك فقد صُنتِ المجتمع من فتنة عمياء صماء مهلكة، قال عليه الصلاة والسلام: ألا فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النساءَ، فإنَّ أولَ فتنةِ بَني إسرائيلَ كانتْ في النساءِ "
وإياك والتبرج فإنه سبب للعذاب قال صلى الله عليه وسلم: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا : نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلاَتٌ مُمِيلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَمْثَالِ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ

ولتؤدي المرأة حق زوجها عليها فإنه من أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم:وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَة حَقَّ رَبّهَا حَتَّى تُؤَدِّي حَقَّ زَوْجهَا وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسهَا وَهِيَ عَلَى قَتَب لَم ْتَمْنَعهُ " ، وفي رواية  : ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها.."

 واصبري على زوجك فإنه من نعم الله عليك روى البخاري في الأدب المفرد الأدب عن أسماء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ قَالَ بِيَدِهِ إِلَيْهِنَّ بِالسَّلَامِ فَقَالَ: (إِيَّاكُنَّ وَكُفْرَانَ الْمُنْعِمِينَ إِيَّاكُنَّ وَكُفْرَانَ الْمُنْعِمِينَ) قَالَتْ: إِحْدَاهُنَّ نَعُوذُ بِاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ كُفْرَانِ نِعَمِ اللَّهِ. قَالَ: (بَلَى إِنَّ إِحْدَاكُنَّ تَطُولُ أَيْمَتُهَا ثُمَّ تَغْضَبُ الْغَضْبَةَ فَتَقُولُ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ سَاعَةً خَيْرًا قَطُّ فَذَلِكَ كُفْرَانُ نِعَمِ اللَّهِ وذلك كفران المنعمين"

ولا تكثري من طلب الطلاق لأتفه الأسباب فإنه من كبائر الذنوب والموبقات قال صلى الله عليه وسلم: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلاَقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ لَمْ تَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ "

  وأنت أيها المسلم، يا من جعلك الله وليا على هذه المرأة، أبا كنت أو زوجا أو أخا، فإنك مأمور بوقاية نسائك ومن هم تحت ولايتك من النار بتأديبهم وتعليمهم أمور الدين وحملهم عليها قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ، ثم ستحاسب على ذلك بين يدي الله قال صلى الله عليه وسلم: إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته"

معاشر الرجال : استوصوا بالنساء خيرا فهذه وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لنا نحن الرجال فقال ( وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا " وقال صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله) فأدوا إليهن حقهن ، واصبروا عليهن قال تعالى { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} ، ومن كان ذا زوجتين فليعدل بينهن قال صلى الله عليه وسلم: من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط"

 الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد


الخميس، 25 سبتمبر 2014

النهي عن التفرق والتحزب في الإسلام وذكر صفات الخوارج

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين: اعلموا رحمكم الله أن من المقاصد العظيمة التي جاءت النصوص بتقريرها وتأكيدها وحدة الدين والتمسك به وعدم التفرق فيه، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " قال ابن كثير رحمه الله : " يقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْمُصَدِّقِينَ بِرَسُولِهِ: أنْ يَأْخُذُوا بِجَمِيعِ عُرَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، وَالْعَمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ جَمِيعِ زَوَاجِرِهِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ ذَلِكَ " ، ولتحقيق هذا المقصد نهى الله ورسوله عن التفرق في الدين وتوعدوا من فعل ذلك بالعقاب الأليم، فقال سبحانه: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  " ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ « هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيماً » ، قَالَ: ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ « هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلاَّ عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ». ثُمَّ قَرَأَ : " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ " ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصراط الذي ينبغي للمسلم سلوكه عند الافتراق والاختلاف فقال صلى الله عليه وسلم: أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ " وبين صلى الله عليه وسلم هذه الجماعة بقوله : " وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً» فَقِيلَ لَهُ: مَا الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» ، وأكد صلى الله عليه وسلم ذلك في وصية عظيمة فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وكل بِدعَة ضَلَالَة"

عباد الله: إن الاختلاف بين المسلمين والخروج على الجماعة المسلمة شر عظيم، وعواقبه عظيمة على الإسلام والمسلمين، قال تعالى : " وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ " أي تذهب قوتكم ، فكل أمة متفرقة هي أمة فاشلة ضعيفة، وقد روى الإمام أحد عن الحسن قال: شهدتهم يوم تراموا بالحصى في أمر عثمان، حتى جعلت أنظر فما أرى أديم السماء من الرَّهَجِ أي من الغبار- فسمعت كلام امرأة من بعض الحجر ، فقيل لي هذه أم المؤمنين فسمعتها تقول: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب"

فالحزبيات مقيتة يذكي شررها الشيطان ، ويجمع حطبها أهل الأهواء والبدع، ويشب نارها أهل الكفر، فَفرِقت الأمة وشُتت شملها ومُزقت صلات أبنائها، إذ جعلهم يتقاتلون ويتهارجون، حتى لا يعلم القاتل لم قَتل، ولا يعلم المقتول فيم قُتل  .

ولقد كان أول اختلاف وتحزب في صف الإسلام الخروج على عثمان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنها،إذ تحزبت جماعات، ورأسوا عليهم أميرا منهم، وخرجوا منكرين على خليفة المسلمين، بدعوى الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم رفعوا السلاح في وجه إخوانهم المسلمين، فماذا كانت النتيجة ؟
وقع القتال وسفكت الدماء وقتل خير أهل الأرض في زمانهم، وهما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما،فكان ذلك أول اختلاف وقع في الإسلام على أيدي الخوارج الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الآجري رحمه الله في كتابه الشريعة  في بيان حقيقة الخوارج :" لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْخَوَارِجَ قَوْمُ سُوءٍ عُصَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ صَلَّوْا وَصَامُوا، وَاجْتَهَدُوا فِي الْعِبَادَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَهُمْ، يُظْهِرُونَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى مَا يَهْوُونَ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَحَذَّرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَذَّرَنَاهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، .. وَالْخَوَارِجُ هُمُ الشُّرَاةُ الْأَنْجَاسُ الْأَرْجَاسُ، ..َيَخْرُجُونَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَيَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ "  

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فتنهم وجلى حقيقتهم ليحذرهم أهل العقول والنهى، ولا يغترون بهم .
فمن صفاتهم جرأتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة الأفاضل والعلماء الأكارم، فهذا أول الخوارج ظهورا في الإسلام يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِالْجِعْرَانَةِ وَهُوَ يَقْسِمُ التِّبْرَ أي الذهب -وَالْغَنَائِمَ، وَهُوَ فِي حِجْرِ بِلَالٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟» فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا فِي أَصْحَابٍ، أَوْ أُصَيْحَابٍ لَهُ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»  
وجرهم ذلك للطعن في الصحابة رضوان الله عليهم فحاصروا عثمان وقتلوه، ثم اقتتلوا مع الصحابة والتابعين في معركة النهروان، ثم قتلوا علي بين أبي طالب رضي الله عنه.

الخطبة الثانية : جماعة المسلمين : ومن صفات الخوارج جرأتهم على دماء المسلمين وأعراضهم فيقتلون أهل الإسلام ويستحلون أموالهم وأعراضهم ففي "الصحيحين" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنهم يقتُلُون أهلَ الإسلام، ويدَعون أهلَ الأوثان، لئن أدركتُهم لأقتُلنَّهم قتلَ عاد».
وفي زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أسروا عبد الله ابن الصحابي خباب بن الأرت ومعه زوجته وكانت حاملا، فقطعوا رأسه أمامها، ثم قتلوا زوجته وشقوا بطنها.
ومن صفاتهم أنهم صغار السن يرفعون شعار الإسلام، ويتكلمون بالقرآن، وهم من أبعد الناس عنهم قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
ومن صفات الخوارج خروجهم على ولاة أمر المسلمين وتكفيرهم لمن لا يكون معهم، قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا بِالْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا عَرَفَ الإِسْلامَ، وَرَأَى عَلَيْهِ بَهْجَتَهُ اخْتَرَطَ سَيْفُهُ فَضَرَبَ بِهِ جَارَهُ، وَرَمَاهُ بِالْكُفْرِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْكُفْرِ، الرَّامِي أَمِ الْمَرْمِيٌّ؟ قَالَ: " بَلِ الرَّامِي ".
عباد الله: ولخطر الخوارج على الإسلام والمسلمين وصفهم النبي صلى الله عليهم وسلم بأنهم كلاب النار وأنهم شر الخلق والخليقة فقال : " الخوارج كلاب النار" وقال : "هم شر الخليقة" وتوعدهم بالقتل فقال : "  لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ "  ، ووصف قتلاهم بأنهم شر القتلى، وأثنى على من قاتلهم أو قتلوه ، فعن  عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنُهْ رَأَى رُءُوس الخوارج مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: " كِلَابُ النَّارِ كِلَابُ النَّارِ، ثَلَاثًا، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ. خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ، ثُمَّ قَرَأَ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} فقيل لِأَبِي أُمَامَةَ أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمْ " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ السَّمَاءِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ "
عباد الله : عليكم بجماعة المسلمين فالزموها واحذروا ممن يشق وحدة الصف ويكفر الأمة ويدعو لسفك دماء أبنائها قال تعالى : وإن هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ "
وقال صلى الله عليه وسلم: من خرجَ من الطاعة، وفارقَ الجماعة، فمات ماتَ ميتةً جاهليةً، ومن قاتلَ تحت رايةٍ عُمِّيََّة، يغضبُ لعُصبةٍ أو يدعُو لعُصبةٍ، أو ينصُرُ عُصبةً، فقُتِل فقِتلةٌ جاهليَّةٌ، ومن خرجَ عن أمَّتي يضرِبُ برَّها وفاجِرَها، ولا يتحاشَى من مؤمنِها، ولا يفِي لذي عهدٍ عهدَه فليس منِّي ولستُ منه».



الخميس، 4 سبتمبر 2014

فضل العلم ووبيان الأدوار المشتركة في التربية والتعليم

الخطبة الأولى :
جماعة المسلمين: لقد مدح الله سبحانه وتعالى , العلم وأهله وحث عباده على العلم والتزود منه ، فالعلم من أفضل الأعمال الصالحة قال الإمام أحمد رحمه الله ( العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته قالوا : كيف ذلك ، قال ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره ) ، فصاحب العلم حي القلب مستنير البصيرة يسير إلى ربه على نور وهدى، بخلاف صاحب الجهل فإنه متخبط في ظلمات الجهل أشبه الميت وهو حي قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وهذا العلم الذي حث عليه الشرع هو العلم الشرعي .

والعلم الشرعي إخواني في الله هو ميراث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتأملوا هذا الحديث النبوي في ذكر فضائل العلم الشرعي روى الترمذي عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي فَقَالَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ . قَالَ : لَا . قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ

وقال الله عز وجل في فضل أهل العلم ورفع منزلتهم في الدنيا والآخرة (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله –في بيانها " ورفعة الدرجات تدل على الفضل إذ المراد به كثرة الثواب وبها ترتفع الدرجات ، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت ، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة" ، وفي صحيح مسلم أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ مَنْ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي فَقَالَ ابْنَ أَبْزَى . قَالَ: وَمَنْ ابْنُ أَبْزَى ؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا . والمولى هو العبد الذي اعتق-  قَالَ فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى ! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هكذا العلم يزيد الشريف شرفا ويجلس المَمْلوكَ على الأسرة" ، وفي سير أعلام النبلاء للذهبي أن الخليفة هارون الرشيد قدم الرقة، فانجفل الناس خلف عبد الله ابن المبارك، - وقد وصفه الذهبي بقوله : الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته- وتقطعت النعال،وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب ، فقالت: ما هذا ؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم.فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَطٍ وأعوان"

إخوة الإسلام: إن ديننا يشجع المسلم على كسب العلوم والمعارف الدنيوية التي تزود الأفراد والمجتمع بكل صالح ونافع يحقق عمار الأرض ومصالح العباد وفق ما أراد الله جلّ وعلا قال سبحانه (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) لكن لا بد أن تبنى هذه العلوم الدنيوية على العقيدة الصحيحة وعلى الأسس التربوية الشرعية السليمة وعلى الأخلاق الفاضلة، أمّا إذا تجرَّد التعليمُ وأهدافه من الإيمان فأضحَتِ الوسائل والمقاصِد مادّيةً بحتة فهو الوبالُ والشقاء ، وهذه حضارةُ اليوم شاهِدٌ حيّ على هذا النتاج، فشقِيت أمَمٌ بصِناعاتها واختِراعاتها، وأصبح التّسابُقُ في وسائِلِ الدمار لا في العَمَار والاستقرار، وأضحَى الظلمُ والطغيان وسرقةُ الأوطانِ هو شعار أقوَى الدّوَل وأظهرِها في الحضارة المادية ، فما الرّبح في كثرةِ المتعلِّمين إذا غُيِّبتِ المبادئ والحقائِق وصودِرَ الدين وشُغِل العامّة بالشّهوات واللّهَثِ وراءَ المادّة في غفلةٍ عن الآخرة؟! قال تعالى (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)

أيها المسلمون : إن التربية والتعليم منظومة متكاملة وسلسلة متصلة لا ينفك بعضها عن بعض ، ومع بداية العام الدراسي الجديد يتحمل الجميع مسؤوليات كثيرة ، والواجب علينا جميعا أن نقوم بهذه المسؤولية على أكمل وجه  :
أيها الطلاب والطالبات ، إن عليكم واجبات فقوموا بها على الوجه الصحيح ، استحضروا النية الصالحة عند ذهابكم إلى المدرسة بطلبكم العلم النافع فتنفعوا أنفسكم ودينَكم ووطنَكم، ثم احرصوا على الاجتهاد في الدراسة ومتابعتها والحرص عليها ، فدولتنا بفضل من الله ثم بتوجيهات من حكامنا أطال الله أعمارهم وأمدهم بالصحة والعافية وعلى رأسهم رئيس الدولة قد أولوا اهتماما بالغا بالتعليم فوفروا لك أيها المتعلم كل وسائل التعلم ، وكل ذلك من أجل خدمتكم يا معاشر المتعلمين ، فهذه نعمة لا بد أن تقابل بالشكر للمنعم وهو الله عز وجل ثم لهذه الدولة ، وشكرها يكون بالاجتهاد والمثابرة على طلب العلم وتحصيله، وهذا الاجتهاد يحتاج إلى صبر فالعلم لا يرام براحة الجسد .
كما أوصيكم إخواني الطلاب والطالبات باحترام المعلمين جميعا ، وبذل الوسع في الاستفادة من علومهم وأخلاقهم الحسنة ، فالمعلم هو أساس التعلم ، فإن أحببت معلمك وأحبك بذل لك كل ما في وسعه لتعليمك ، وإن احتقرته وتطاولت عليه فاتك علم كثير ،وهذا مثال من واقع الصحابة ، ابنُ عباس ابنُ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعه نسبه وعلو منزلته حين يبلغه الحديث عن رجل أن يأتي بابه وهو قائلٌ نائم، فيقول رضي الله عنهما: فأتوسّد ردائي على بابه، تسْفِي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟! هلاّ أرسلت إليّ فآتيك؟! فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث. هذا هو الأدب حقًا.
كما أن سعة الصدر والتواضع من سمات طلبة العلم، فقد قال أحد العلماء: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. وأدبك في مدرستك انعكاس لتربية والديك لك، فإن أحسن والدك تربيتك فسيظهر ذلك في حسن تعاملك وخلقك في مدرستك، وإن أسأت فهو عنوان فساد تربية والديك لك في المنزل.                        وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.


الخطبة الثانية : أيها المعلم والمعلمة : اتقوا الله عز وجل في الرعية التي استرعاكم الله إياها قال صلى الله عليه وسلم" مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، فاخلصوا في عملكم وابذلوا جهدكم في تعليم أبنائِكم وإخوانِكم من المتعلمين ولا تقصروا أبدا  ، وكونوا أمامهم قدوة حسنة ، وعلموهم كل ما ينفعهم ، واعلموا أنكم تعملون بوظيفة الأنبياء جميعا وهي التعليم قال تعالى : "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ " قال صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت معلما "

ولكم الأجر العظيم في تعليمكم الناس، قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ  ) وقال صلى الله عليه وسلم في بيان فضل معلن الناس الخير:« إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»

ووأمر النبي صلى الله عليه وسلم المعلمين أن يترفقوا بالمتعلمين فقال : سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاقْنُوهُمْ أي علموهم- " رواه ابن ماجة بإسناد حسن

أيها الأب والأم ، إنَّ مهمّةَ تربيةِ الأولاد مهمّةٌ عظيمة، خصوصًا في هذا الزّمنِ الذي تَلاطمَت فيه أمواجُ الفتن واشتدَّت غربةُ الدين وكثُرت فيه دواعي الفساد، حتى صار المربِّي مع أولاده كراعِي الغَنَم في أرضِ السّباع الضارية إن غفَل عنها أكلَتها الذئاب.
 فليس دوركم هو توفير الحاجيات المدرسية والنفقات اليومية فقط بل هذا واجب عليكم تجاه أبنائكم ، ولكنك أيها الأب عليك واجب عظيم وهو تحمل المسؤولية الكبرى في تعليم ولدك وتربيته ومتابعته، فالوالد هو المخاطَب بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فليست التربية والتعليم مقتصرة على المدارس والمعلمين بل هي عمل مشترك بين الوالدين وبين المدارس   ، فراقبوا أولادكم ولاحظوا دروسهم ،لا تسمحوا لهم بالسهر الطويل في اللعب واللهو والجلوس على الفضائيات التي أفسدت التربية والتعليم في كل بقاع الأرض ، راقبوا استعمالهم للانترنت فإن سلاح ذو حدين، وقد سهل استعماله في زماننا وانتشر حتى صار في الهواتف النقالة مع كل شخص، مما سهل الانفتاح على العالم الخارجي بمفاسده ومنافعه.  

لاحظ على ولدك أو ابنتك من يصاحبون فأصحاب السوء مرض عضال فتاك لا علاج له إلا ببتره وقطعه وكما قيل (الصاحب ساحب ) و على الوالدين أن يخصصوا لأولادهم جزءا من أوقاتهم للإشراف على مذاكرتهم وتعليمهم ، وعليهم أن يسألوا عنهم في مدارسهم وعن أحوالهم الدراسية ، فالبيت جزء من التعليم لا ينفك عنه .

 ولقَدْ أدركَ الصالحونَ قيمةَ التعليمِ لأبنائِهِمْ، فحرصُوا علَى بذلِهِ لَهُمْ، وتوفيرِ الجوِّ المناسِبِ لذلكَ، فهذهِ أُمُّ سفيانَ الثورِيِّ ماتَ زوجُهَا، وأرادَ ولدُهَا أَنْ يترُكَ العلمَ لِيَكْفُلَ أُمَّهُ وإخوتَهُ، فقالَتْ لَهُ تلكَ الأمُّ الصالحةُ العارفةُ لأهميةِ العلمِ وفضلِهِ: يَا بُنَيَّ اطْلُبِ الْعِلْمَ وَأَنَا أَعُولُكَ بِمِغْزَلِي فانطلَقَتْ الأمُّ تغزِلُ صُوفَهَا، وتكافِحُ فِي حياتِهَا، حتَّى أصبحَ ولدُهَا سفيانُ علماً مِنْ أعلامِ المسلمينَ، وإماماً مِنْ أئمةِ الْهُدَى.


فمتابعةُ الوالدَيْنِ لأبنائِهِمْ فِي سلوكِهِمْ ودراستِهِمْ لَهُ أبلغُ الأثَرِ فِي تقويةِ عَزْمِهِمْ ونجاحِهِمْ وتَفَوُّقِهِمْ فِي تحصيلِهِمُ العلْمِيِّ. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وإنَّ لولدك عليك حقا»

الخميس، 28 أغسطس 2014

نعمة الوطن والخدمة الوطنية

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه ، مُعافى في جَسَدِهِ ، عندهُ قوتُ يومِه ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها " في الحديث تذكير بنعم الله على العبد، فإن الله سبحانه وتعالى- خلق العباد لعبادته وتوحيده فقال: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" وأهم النعم التي يحتاجها العابد لتحقيق هذا الهدف السامي هي أمن في نفسه وجماعته وبلده، وعافية في صحته وجسده، وطعام يتقوى به على طاعة الله.
أيها المسلمون: الأرض التي تتوافر فيها هذه النعم من الأمن والعافية والغذاء حري بأهلها أن يتعاونوا على حفظها والعمل على الدفاع عنها وحفظ مكتسباتها، وهذا أمر مجبولة عليه النفوس السليمة، وهو محبة الوطن والدفاع عنه .

فحب الوطن عباد الله- غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجم، ويغضب له إذا انتُقص، أخرج الترمذي، بسندٍ صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق مكة عند هجرته منها:  (مَا أطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأحَبَّكِ إليَّ، وَلَوْلا أن قَوْمِي أخْرَجونِي مِنْكِ مَا سَكَنْت غيْرَكِ). وحيث أن حب الوطن غريزة في الإنسان، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم من ربه بأن يرزقه حب المدينة لما انتقل إليها، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد). ومما يدل على مشروعية حب الوطن كما قرره الأئمة الأعلام ما أخرجه البخاري، وأحمد وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة (أي حدود المدينة ) أوضع ناقته أي (حملها على السير السريع )، وإن كانت دابة حركها" قال أبو عبد الله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: "حركها من حبها".قال ابن حجر في "الفتح" "وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه".

أيها المسلمون: من نعم الله علينا أن أسكننا هذه الأرض – دولة الإمارات العربية المتحدة – وجعل لنا فيها الأمن والأمان والراحة والطمأنينة ، وهي الوطن الذي نشأنا فيه وترعرعنا وتعلمنا على أرضه وذلك بفضل من الله المنعم ثم بفضل ما يسر لهذه البلاد من الخيرات وولاة الأمر من الحكام- أعزهم الله- حيث لم يبخلوا علينا في شيء بل وفروا لنا كل ما نحتاج إليه في حياتنا، فإذا تقرر هذا؛ فما هو الواجب علينا ؟ إن الواجب على أبناء هذا الوطن أولا شكر الله تعالى على هذه النعم بأن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، فمن شكر وعد بالمزيد قال سبحانه : " وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ "  ، ثم على أبناء هذا الوطن محبته، و التكاتف بين أفراد مجتمعه والتلاحم فيما بينهم، فإذا كنا لبنة واحدة؛ عجز عنا العدو وباء طمعه بالخسران

عباد الله : وهذه النعم محل حسد من أصحاب القلوب المريضة، والدول المبغضة، فيسعون بكل جهد ومال لإفسادها وتغييرها، واستبدالها بالنقم، فسعوا جاهدين لتهييج أهل الفتن في البلدان، بحجة المطالبة بالحقوق ومشاركة السلطان، وسخروا لهم وسائل الإعلام، وجندوا فيها الروبيضة سفهاء الأحلام، فنعقوا بالشبهات وحرفوا الرواسخ الثابتات، وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: "الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" ، فغرروا الناس بالفتن حتى أحرقوهم بنيرانها، وأصلوهم بحرها وسمومها، وهم يظنون أنهم يسعون للحريات، وحقيقة الفتن أن أولها يسر وأوسطها يغر وآخرها علقم مر ، وهذا ما كشفه التاريخ والواقع، فما أتت هذه الثورات بخير على بلاد المسلمين.

  فلو قلبتم أنظاركم في ما جاوركم من البلدان، التي كانت تنعم بالخير والأمان، فاغتر أهلها بالفتن فانقلبت أحوالهم، فلم يحصدوا من الثورات إلا الخوف والحَزن، والجوع والمحن، أمن مرفوع، وخير مقطوع، وشتات وجوع، سُفكت دماؤهم وضاعت أموالهم ، وخربت ديارهم ،و سَلب الأعداء الخيرات، وتركوهم في الفتن المتلاطمات، والعاقل من اعتبر بعبر الزمان.
عن معاوية رضي الله عنه قال : "إياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة وتورث الاستئصال" فحذار حذار أيها الناس " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" وتأملوا قول ربنا سبحانه : " سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" فسنة الله ثابتة أن من كفر نعمهُ سلبه خيره، وأن من اتبع أهواه أشقاه.
فاحمدوا الله واشكروه على نعمه علينا في هذه البلاد، التي صارت بفضل الله مضرب الأمثال في العالم.



الخطبة الثانية : اعلموا رحمكم الله أن من موجبات حب الوطن الدفاع عنه بالمال والنفس والقلم، لأنه بلد إسلامي، أهله مسلمون، تظهر فيه شرائع الإسلام، وإن من حرص دولتنا علينا  وعلى هذه الأرض أن أمرت بالتجنيد العسكري لجميع رجال الدولة خدمة وطنية، يتسلح من خلالها شباب الوطن للدفاع عنه، والذود عن حياضه والمحافظة على مكتسباته، وحفظ أمنه وثرواته، فهذه مصالح عظيمة، وتربوية متينة تصب في صالح الدين والوطن.

أيها الناس لا يخفى على عاقل أننا في زمانِ تحدٍ وقوة، والوطن برجاله والدين بحماته، وقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجانب غاية الاهتمام، فكان هو الفارس المقدام والمحارب الشجاع، فربى أصحابه على ذلك فكان يتلو على المنبر قول الله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ " ثم قال : ألا إنِ القوةَ الرمْيُ، ألاَ إِن القوةَ الرمْيُ، ألا إن القوةَ الرمْيُ" ، ومَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ أي يرمون بالسهام - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا "  قال بعض أهل العلم: دل هذا الحديث أن للسلطان أن يأمر رجاله بتعلم الفروسية وأن يحض عليها" ، وقال صلى الله عليه وسلم :" من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها" وقال في رواية: من علم الرمي ثم تركه فليس منا "  وفي هذا الترهيب من تضييع القوة التي بها يُنتصر على العدو ، وكان الخلفاء يكتبون إلى عمالهم بتدريب الرجال على أعمال القتال والجهاد، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الشام: أن علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل" وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يَقُولُ: «أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ وفيه: أَمَّا بَعْدُ، .َإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ، وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ، وَاخْشَوْشِنُوا-من الخشونة وترك التنعم- وَاخْلَوْلِقُوا- أي تهيؤوا استعدادا لما يراد منكم- وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ، واقطعوا الرُّكُب، وَانْزُوا نَزْوًا " أي أن يقفزوا على الخيل بلا ركاب وهو موضع القدم في السرج.

قال ابن القيم: " هذا تعليم منه للفروسية وتمرين البدن على التبذل وعدم الرفاهية والتنعم .."

وفي القيام بالخدمة الوطنية اكتساب للأجر والمثوبة، ففيها طاعة لله ورسوله بالاستعداد للجهاد ولقاء العدو، وطاعة لولي الأمر، والله يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ "
وقال صلى الله عليه وسلم: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية ٍ فإذا أمر بمعصية ٍ فلا سمع ولا طاعة"

وفي التدريب العسكري تعليم للقوة وتدريب عليها، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير.


فيا معشر الشباب: لبوا نداء حكامكم والتفوا حولهم وكونوا يدهم وعينهم، فالبيت المتوحد أمان وعصمة، والمجتمع المتحد درع وقوة ، وهذه وصية باني دولتنا شيخنا الشيخ زايد رحمه الله رحمة واسعة ورفع درجته في الجنة إذ قال : اعلموا يا أبنائي أن وطنكم أمانة في أعناقكم فصونوا هذه الأمانة وذودوا عن حياضه وشرفه واعملوا على عزة ورفعة شأنه ، فعليكم تقع مسؤولية عظيمة جدا، فكونوا عند حسن ظن قيادتكم وأهلكم بكم، وثقة شعبكم الذين هم سندكم، تزودوا يا أبنائي بالعلم والإيمان والأخلاق واغرفوا من مناهل الثقافة والعلوم الفكرية ما يؤهلكم لاستيعاب أحدث الأسلحة والخطط العسكرية المتطورة وليكن النظام والطاعة والانضباط أسلوبكم في التعامل اليومي، واعلموا أن قوة الجيش في نظامه وإخلاصه وولائه وتمسكه بعقيدته"


ملاحظة : اقتبست بعض هذه الخطبة من خطبة للشيخ الدكتور الفاضل محمد غيث حفظه الله وغفر الله له