الجمعة، 27 مارس 2015

خطبة جمعة : نعمة الأمن والاستقرار

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين اعلموا رحمكم الله أن الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ مِنْ ضَرُورياتِ الْحَيَاةِ، تَصْلُحُ بِهِمَا الْأَحْوَالُ، وَيَنْمُو الْعُمْرَانُ، وَتُقَامُ الشَّعَائِرُ، وتتحقق العبودية لله تعالى. وَالْإِنْسَانُ لَا يَجِدُ هَنَاءً فِي عَيْشِهِ، وَطُمَأْنِينَةً فِي نَفْسِهِ إِلَّا بِأَمْنٍ وَاسْتِقْرَارٍ؛ فَالْخَوْفُ يُنَغِّصُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ، وَالِاضْطِرَابُ وَالتَّشْرِيدُ يَسْلُبُهُ مُقَوِّمَاتِ عَيْشِهِ،  وَلِأَهَمِّيَّةِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ عِنْدَ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى وَعَدَ المُؤْمِنِينَ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ، فَهُمْ آمِنُونَ مِنْ فَقْدِ نَعِيمِهَا، وَآمِنُونَ مِنْ كُلِّ مُكَدِّرٍ فِيهَا ، قال تعالى :" إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ،ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ " وَهُمْ مُسْتَقِرُّونَ فِيهَا، لَا يَخْشَوْنَ خُرُوجًا مِنْهَا، وَلَا اضْطِرَابًا فِيهَا، وَنَعِيمُهُمْ فِيهَا مُسْتَقِرٌّ فَلَا يَخَافُونَ نَقْصَهُ وَلَا انْقِطَاعَهُ قال تعالى : "خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا"

وَحِينَ أَذِنَ اللهُ تَعَالَى بِإِسْكَانِ الْبَشَرِ الْأَرْضَ، بَسَطَ لَهُمْ فِيهَا الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ وَسَخَّرَ لهم مَا عَلَيْهَا ، قال تعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَهْبَطَهُ الْأَرْضَ: "وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ"وَمِنْ البلاغة القرآنية  فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ قُدِّمَ فِيهَا الِاسْتِقْرَارُ عَلَى المَتَاعِ، وَالمَتَاعُ هُوَ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ النَّاسُ مِنَ المَآكِلِ وَالمَشَارِبِ وَالمَرَاكِبِ وَالمَلَابِسِ وَالمَسَاكِنِ، وَكُلُّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا بِلَا اسْتِقْرَارٍ، فَكَانَ الِاسْتِقْرَارُ هُوَ الرُّكْنَ الْأَهَمَّ لِلْعَيْشِ فِي الْأَرْضِ، وَفَقْدُهُ يُؤَدِّي إِلَى فَقْدِ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي لَا اسْتِقْرَارَ فِيهَا يُفَارِقُهَا أَهْلُهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَلَوْ عَظُمَتْ خَيْرَاتُهَا، وَتَفَجَّرَتْ ثَرَوَاتُهَا، فَلَا قِيمَةَ لَهَا بِلَا اسْتِقْرَارٍ. وَالْأَرْضُ المُسْتَقِرَّةُ يُبَارَكُ فِي رِزْقِ أَهْلِهَا، وَيَهْنَئُونَ بِعَيْشِهِمْ فِيهَا، وَلَا يفارقونها إِلَى غَيْرِهَا، فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَهُمْ يَجِدُونَ الِاسْتِقْرَارَ

وَبِالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ تَعْمُرُ الْأَرْضُ، وَيُقَامُ فِيهَا دِينُ اللَّـهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ الَّتِي تُسَبِّبُ الْخَوْفَ وَالِاضْطِرَابَ، وَتَسْلُبُ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ؛ تَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْعِبَادَةِ، وَتُمَكِّنُ لِلْكُفْرِ وَأَهْلِهِ فِي الْأَرْضِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ" ولذلك حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الإقبال على العمل الصالح حال الاضطراب والفتن فقال : "بَادِرُوا بِالأعْمَال فتناً كقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ ، يُصْبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً ، وَيُمْسِي مُؤمِناً ويُصبحُ كَافِراً ، يَبيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا " رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ" ، فأرشد صلى الله عليه وسلم في زمن الفتنة وعدم الاستقرار  إلى الانشغال بعبادة الله جلّ وعلا والإقبال على طاعته ، لأن الفتن والاضطرابات وعدم الاستقرار تشغل العبد عما خلق له من عبادة الله والتقرب إليه

عباد الله : بِالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ تُقَامُ الشَّعَائِرُ، وَتُعْمَرُ المَسَاجِدُ، وَيَأْمَنُ السَّبِيلُ فيحج الناس إلى بيت ربهم؛ وذلك لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالِاضْطِرَابَ مَانِعَانِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَمْ عُطِّلَتْ مِنْ جُمَعٍ وَجَمَاعَاتٍ بِسَبَبِ الِاضْطِرَابِ وَالْخَوْفِ، وَكُتُبُ التَّارِيخِ مَمْلُوءَةٌ بِأَخْبَارِ تَعَطُّلِ المَسَاجِدِ ومنع الحجاج من حجب بيت ربهم بِسَبَبِ عدم الاستقرار.

بِالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ يَزْدَهِرُ الْعُمْرَانُ، وَتُبْدِعُ الْعُقُولُ، وَتَنْتَشِرُ المَعَارِفُ وَالْعُلُومُ، وَأَقْوَى سَبَبٍ يُعِيقُ ذَلِكَ وَيُوقِفُهُ الْخَوْفُ وَالِاضْطِرَابُ؛ لِأَنَّ الْعُقُولَ المُبْدِعَةَ، وَالْأَيَادِيَ النَّاجِحَةَ تُفَارِقُ الْبُلْدَانَ المُضْطَرِبَةَ إِلَى حَيْثُ الْأَمْنُ وَالِاسْتِقْرَارُ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الْحَرْبِ وَالدَّمِ يُثِيرُونَ الذُّعْرَ فِي النَّاسِ.

وَبِذَهَابِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ تَسْتَوْحِشُ الْقُلُوبُ وتسوء الأخلاق وتطيش العقول قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ ". فَقَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: " الْقَتْلُ ". قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ إِنَّا لَنَقْتُلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا. قَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ". قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " إِنَّهُ يُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ  هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ يَحْسَبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ  عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ "

وبذهاب الأمن والاستقرار تسفك الدماء وتنهب الأموال وتخرب مكتسبات البلدان طوال السنين الماضية، التي سعت الحكومات والأفراد إلى تأسيسها وبنائها لينعم الإنسان بحياة آمنة سعيدة مستقرة

فَالْأَمْنُ وَالِاسْتِقْرَارُ لَا يُجَازِفُ بِهِمَا إِلَّا مَجْنُونٌ، وَلَا يَسْتَهِينُ بِأَمْرِهِمَا إِلَّا أَحْمَقُ مَخْذُولٌ، وَلَا يَسْعَى لِتَجْرِيبِ ضِدِّهِمَا إِلَّا جَاهِلٌ مَغْرُورٌ.

وَإِذَا كَانَ الْأَمْنُ وَالِاسْتِقْرَارُ بِهَذِهِ الْأَهَمِّيَّةِ الْكَبِيرَةِ كَانَ لِزَامًا عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الْحِفَاظُ عَلَيْهِمَا، وَالسَّعْيُ فِي تَقْوِيَتِهِمَا، وَاجْتِنَابُ مَا يُؤَدِّي لِفَقْدِهِمَا، بل واستخدام القوة إن لزم ذلك لأجل استعادة الأمن والاستقرار في حياة الشعوب في حال فقدهما، قال تعالى " وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "

ففي هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى حكما يتعلق ببغي طائفة من المؤمنين على أخرى، مما أدى إلى الاقتتال وسفك الدماء فنتج عنه الخوف والاضطراب، فأمر الله بقتال الفئة الباغية حتى تعود إلى أمر الله، فينقلب الخوف أمنا، والاضطراب استقرارا.
جماعة المسلمين : كما يقال " كل صاحب نعمة محسود " و نعمة الأمن والاستقرار في بلاد الإسلام محل حسد من قبل الأعداء، فإنهم يسعون إلى تخريب بلاد المسلمين وتدميرها بشتى الطرق والوسائل.

ويعظم الخطب وتكبر المصيبة أن يسعى إلى نشر الفوضى والفتن من يعيش بين أظهرنا فيظهر الإسلام وحب المسلمين ثم يطعنهم في ظهورهم، ومثل ذلك ما حصل زمن عثمان رضي الله عنه فقد كان الناس في رغد من العيش عظيم ولكن أهل الفتن غاضهم ذلك ، قال الحسن البصري رحمه الله: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قل ما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا، يقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية، والأرزاق دارة، والعدو متقى، وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنا، .. وقد كان من ألفته ونصيحته ومودته قد عهد إليهم أنها ستكون أثرة، فإذا كانت فاصبروا ، فلو أنهم صبروا حين رأوها لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، بل قالوا: لا والله ما نصابرها: فوالله ما وردوا وما سلموا، والأخرى كان السيف مغمدا عن أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم، فوالله ما زال مسلولا إلى يوم الناس، هذا وايم الله إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة "
فدعا أصحاب الفتن من الخوارج إلى قتال عثمان رضي الله عنه وأغروا الجهلة بأنه من أعظم الجهاد، وكان يسوسهم ويثيرهم ويوقد نار الفتنة ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي، فجيشوا الجيوش، وطالبوا بعزل عثمان من خلافته ، وحاصروا لمدينة، ولم يهدأ لهم بال حتى قتلوا عثمان رضي الله عنه.
ثم خرجوا زمن علي رضي الله عنه فقاتلهم علي رضي الله عنه في معركة النهروان حتى قضى على جيشهم.
فتأملوا رحمكم الله كيف انقلبت الأمور من الأمن والاستقرار إلى الخوف والاضطراب والفتن.
فاللهم احفظنا من الفتن والشُّرور، وجنِّبنا كل كيد ومكر وسوء.


الخطبة الثانية : اعلموا رحمكم الله أن كُلَّ مَنْ سَعَى بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لِإِحْدَاثِ الْفَوْضَى وَالِاضْطِرَابِ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ عَادَ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَاسْتِهْدَافُ أَمْنِ المُسْلِمِينَ وَاسْتِقْرَارِهِمْ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ إِلَّا مَبْخُوسُ الْحَظِّ مَرْذُولٌ. وَمَنْ أَشْعَلَ فِتْنَةً تُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْأَمْنُ، وَيَزُولُ الِاسْتِقْرَارُ، بَلَغَتْهُ نَارُهَا فَأَحْرَقَتْهُ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ فِي مَأْمَنٍ مِنْهَا، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسٍ الْعَمَلِ. 

وَمِنْ أَهَمِّ مُقَوِّمَاتِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ تحقيق التوحيد والعبودية لله تعالى ومحاربة الشرك قال تعالى : "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ" والظلم المقصود به في الآية الشرك كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى :"وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"

وَمِنْ مُقَوِّمَاتِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ، وَالنَّهْيُ عَنْ شَقِّ عَصَا المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا أَخْبَرَ عَنْ زَمَنِ الْفِتَنِ، وَكَثْرَةِ دُعَاةِ جَهَنَّمَ، سَأَلَهُ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَمَّا يَفْعَلُ إِنْ أَدْرَكَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمِنْ مُقَوِّمَاتِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ ترك الذنوب والمعاصي ولزوم أحكام الله وشرعه، فعلى قدر مخالفة أوامر الله يختل الأمن وتحدث الفتن والاضطرابات، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ.

وَمِنْ مُقَوِّمَاتِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ منع كل ما يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، والأخذ على يد من تسول له نفسه نشر الفتن والقلاقل في بلاد المسلمين.

جماعة المسلمين : اعْلَمُوا أن الاستقرار مصلحة عليا وضرورة كبرى يجدر بكل عاقل المحافظة عليها، فبها يأمن الناس على حياتهم، ويقومون على مصالحهم، ويبنون حاضرهم ويستشرفون مستقبلهم، فيستنير واقعهم، وتزدهر حضارتهم، وبذهابِ الاستقرار تحل النكباتُ والمآسي، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:« مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».

وإن قيادتنا الرشيدة لم تدخر وسعا لتحقيق هذه المصلحة العليا على الصعيد الداخلي والخارجي، والتعاون مع الإخوة والأشقاء لإرساء دعائم الحق، ودفع كل بغي وتهديد وإفساد، امتثالا لقول الحقِّ جل وعلا:( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) وقول النبي صلى الله عليه وسلم:« يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ».


فبارك الله في قيادتنا، وأعزَّ دولتَنَا، وحفظَ جنودَنَا، وحمَى شعبَنَا وإخوتنا من كل سوءٍ ومكروهٍ، وكفَّ بأسَ كلِّ طامعٍ وحاقدٍ.


الجمعة، 13 مارس 2015

خطبة جمعة : حقوق الطريق

الخطبة الأولى  : أيها المسلمون : يقول الله عز وجل في محكم آياته { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا }  قال ابن كثير – رحمه الله - في تفسير هذه الآية ( هذه أكبرُ نعم الله تعالى على هذه الأمة ، حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا جعله الله تعالى خاتم خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن ، فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرعه .."أ.هـ

وأخرج الطبراني عن أبي ذر الغِفاري رضي الله عنه قال :( تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار ؛ إلا وقد بين لكم "  

ومما بينه الله للأمة حق الطريق ، الذي يستخدمه العباد في مسيرهم اليومي ، وذلك لأن الطريق شركة بين الناس جميعا ، فلا يحق لأحد أفراد الناس أن يستأثر به دون الباقين من إخوانه. 

روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ. فَقَالُوا مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ .

كلماتٌ جامعةٌ من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- توضحُ لنا حقَّ الطَّريقِ الواجبِ علينا ، ففي قوله صلى الله عليه وسلم ( اعطوا الطريق حقه ) أمر بمراعاة حقوقِ الطريقِ وآدابه والتي منها :
( كف الأذى ) فالمسلم مأمورٌ بأن يكفَ أذاهُ وشرهُ عن الآخرين قال صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار ) بل من صفات المسلم الصادق عدم إيذاء الآخرين قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ ). 

ويدخل في ذلك – أي في الإيذاء – عدم الاستخدام الأمثل للمركبات على الطريق ، فبتهور كثير من السائقين -هداهم الله- حصل كثير من أنواع الإيذاء للمسلمين ، فكم من دماء للمسلمين سفكت على قارعة الطريق ، فرملت زوجات ويتم أبناء وثكلت أمهات .

فَكَمْ مِنْ كَوَارِثَ أَفْجَعَتْ، وَأَرْوَاحٍ أُزْهِقَتْ، وَأُسَرٍ فَقَدَتْ عَزِيزًا عَلَيْهَا، وَإِعَاقَاتٍ مَسْتَدِيمَةٍ حَصَلَتْ، وَأَمْوَالٍ أُهْدِرَتْ، وَطُرُقٍ أُتْلِفَتْ، بِسَبَبِ الْحَوَادِثِ النَّاجِمَةِ عَنِ التَّفْرِيطِ وَالتَّسَاهُلِ، وعدم الالتزام بالهدي النبوي الشريف الذي يوجب على المسلم أن يعطي الطريق حقوقه. 

أيها المسلم: إن من نعم الله عليك أن يسر لك وسائل النقل لاستخدامها في حوائجك ، قال تعالى في بيان نعمته علينا  "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ " 

فلا بد لهذه النعمة من الشكر لله -سبحانه وتعالى- وذلك بحسن استخدامها لما وضعت له ، فتتأدب بأدب الله  ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا ما ركبت دابتك قال تعالى " وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ" ، وعن علي بن ربيعة قال :  شهدت علياً -رضي الله عنه- وأتي بدابةٍ ليركبَها، فلما وضع رجله في الرِّكاب قال :بسم الله . فلما استوى على ظهرها قال : الحمد لله . ثم قال :  سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون . ثم قال : الحمد لله ثلاث مرات ، ثم قال : الله أكبر ثلاث مرات . ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . ثم ضحك فقيل يا أمير المؤمنين : من أي شيء ضحكت قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ثم ضحك فقلت يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال : إن ربك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري . 

وفي هذا الذكر عند الركوب تبرك باسم الله تعالى في قولك : بسم الله ، ثم اعتراف بنعمة الله عليك أن يسر لك هذا المركوب في قولك : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين )  ، ثم إقرار بمصيرك إليه يوم القيامة وذلك في قولك ( وإنا إلى ربنا لمنقلبون )   ، وفي نهايته طلب للمغفرة من الذنوب  ، فهو ذكر مبارك على المسلم أن لا يدعه عند ركوبه لمركبته .  

ومن تلكم الآداب التواضع وعدم الطيش في القيادة ، قال تعالى في وصف عباده المؤمنين  " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا " ، بل تعتبر القيادة بالسرعة الجنونية من البطر والمرح المنهي عنه والله يقول "وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا" 

فعلى المسلم الصادق أن يتأدب بالأدب الشرعي في حال قيادته لمركبته ،مراعيا حقوق العباد عليه، وأن يراعي النظم والقوانين التي سنتها الدولة لحفظ الأرواح والممتلكات ، وإن مراعاة هذه القوانين والنظم واجب شرعي على المسلم ، يجب عليه أن يتقيد به ويعمل به لقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ "   



الخطبة الثانية :قال عز وجل "وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا " ، قال أهل التفسير : ( ولا تقتلوا أنفسكم )  أي : لا يقتل بعضكم بعضا ، ولا يقتل الإنسان نفسه . ويدخل في ذلك ، الإلقاء بالنفس إلى التهلكة ، وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك . " إن الله كان بكم رحيما "  ومن رحمته ، أن صان نفوسكم وأموالكم ، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها ، ورتب على ذلك ، ما رتبه من الحدود " 

جماعة المسلمين : إن احترام الأنظمة التي سنتها الدولة لتنظيم السير والمرور في الدولة واجب شرعي على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ، وإن مخالفتك أخي المسلم لهذه الأنظمة يوجب عليك عقوبتان ، عقوبة دنيوية تتثمثل في الغرامات المالية أو ما شابهها من العقوبات ، وعقوبة أخروية وهي حصولك على الإثم والسيئات. 

جماعة المسلمين : نداء للشباب خاصة ، اتقوا الله في أنفسكم ، اتقوا الله في آبائكم ، اتقوا الله في إخوانكم من المسلمين . لا تهلكوا أنفسكم وتهلكوا الغير بالتهور في القيادة ، فإن ذلك ليس من صفات المؤمنين . قال صلى الله عليه وسلم ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )  
 وإذا حصل لك حادث بسبب مخالفة أنظمة المرور فلا تخلوا من أحوال ، إما أن تصاب بإصابات خطيرة من كسور ورضوض وغيرها ربما جعلتك مقعدا لا تستطيع الحركة فخسرك أهلك ومجتمعك وخسرت نفسك لأنك أصبحت عالة على الناس ، وإما أن تقتل نفسك فتفجع والديك وتصيبهما بالحسرة والندامة ، وربما كتبت من المنتحرين ، لأنك قتلت نفسك بسرعتك الطائشة  ، وإما أن تصيب أو تقتل غيرك فتحمل نفسك العقوبة في الدارين من حبس ودية مسلمة لأهل الميت ثم كفارة ذلك صيام شهرين متتابعين ، وقد كنت السبب في حرمان عائلة من الأب الذي كان يعولها أو حرمت والدين من ابنهما الذي كانا ينتظرانه  .  

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ حِفْظَ الأَبْدَانِ وَالأَرْوَاحِ، وَقَدْ نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنِ الضَّرَرِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ فَقَالَ:« لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وَنَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ وَإِخَافَتِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَقَالَ :« لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الاِلْتِزَامَ بِقَوَانِينِ السَّيْرِ يُعَبِّرُ عَنْ رُقِيِّ ثَقَافَةِ السَّائِقِ، وَمَدَى احْتِرَامِهِ لِلنُّظُمِ وَالْقَوانِينِ، الَّتِي وُضِعَتْ لأَجْلِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَنَفْعِ الْعِبَادِ وَالْبِلاَدِ، وَحِفْظِ الأَنْفُسِ وَالأَرْوَاحِ، وَصِيَانَةِ الْمُنْشَآتِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، فَلْنَتَعَاوَنْ لِتَحْقِيقِ السَّلاَمَةِ الْمُرُورِيَّةِ مُمْتَثِلِينَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى)

الخميس، 5 مارس 2015

خطبة الجمعة : من وصايا لقمان لابنه

الخطبة الأولى : 
اعلموا رحمني الله وإياكم ، أن الوعظ حقيقة هو تذكير النفس بأوامر الله وحثها على سلوكها ، وبنواهي الله وحثها على تجنبها وتركها  ، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي الذي تعلق بشهوات الدنيا الزائلة ، فآثرها على الحظ الباقي النفيس، ودواء هذا القلب كما يقول ابن القيم – رحمه الله – " إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقي من الدغل رأى العجائب وألهم الحكمة " 

ومن خير ما يستعان به على ذلك ، التأمل في ما حكاه الله لنا في كتابه العزيز من قصص الماضين وأحوالهم ، وكلام الصالحين وأخبارهم ومواعظهم . 

ومما ذكره الله عز وجل في كتابه العزيز ، موعظة لقمان الحكيم لابنه ، فهذه موعظة عظيمة، الواجب على المسلم أن يتفكر فيها، وأن يربي نفسه وأولاده على سلوك منهجها  ، فتعالوا نقف وقفات مع هذه الموعظة الجليلة .

قال تعالى "{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، فبدأ موعظته بأعظم وصية ، وبأعظم نهي ، وهي وصية متعلقة بحق الله على العباد ، فقال " لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " قال السعدي رحمه الله " ووجه كونه عظيما أنه لا أفظع وأبشع ممن سوى المخلوق بمالك الرقاب وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئا بمن له الملك كله ... وهل أعظم ظلما ممن خلقه الله لعبادته فذهب بنفسه الشريفة فجعلها في أخس المراتب  " أ.هـ

ولأجل ذلك كانت الوصية بحق الله تعالى من أعظم الوصايا، عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ .فَقَالَ يَا مُعَاذُ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟  قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا

جماعة المسلمين : إن الشرك بالله أكبر الذنوب على الإطلاق ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ  " ، وهو الذنب الذي لا يغفره الله أبدا قال تعالى " {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } ، وكل الأنبياء والرسل من لدن نوح عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم جاءوا للأمر بتوحيد الله والتحذير من الشرك وعاقبته الوخيمة قال تعالى " {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}، ومن أشرك بالله فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين قال تعالى" {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، فهذا الخطاب موجه لنبي الأمة صلى الله عليه وسلم المعصوم من الشرك بأنه إن أشرك بالله فعمله حابط وهو خاسر ، فمن دونه من باب أولى . 

ولخطر الشرك استعاذ منه إمام الموحدين وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام فقال " {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} ، قال إبراهيم التيمي رحمه الله " فمن يأمن البلاء بعد إبراهيم "  ، وخافه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، روى البخاري في الأدب المفرد عن مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: " قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ "

وهذا المنهج في تعليم العقيدة للصغار منهج تربوي أصيل، وذلك بغرس الإيمانِ الصحيح باللهِ تعالَى فِي نفْسِ الأولاد، لتقوى صلة الابن بربِّهِ عزَّ وجلَّ، فيُحْسِنَ أداءَ حقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادِهِ.

أما الوصية الثانية من لقمان لابنه قال تعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} فهذه وصية من الله لنا سنسأل عنها يوم القيامة وهي من لوازم التوحيد وهي البر بالوالدين ، قال تعالى " {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} ، فمن عظم حق الوالدين على الولد قرن الله حقهما بحقه ، فأمر بالإحسان إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي لأنهما سبب وجود العبد . 
وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله وقتال الكفار ، روى البخاري في صحيحه عن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  " 

وأما عقوق الوالدين فمن أكبر الكبائر بعد الشرك ، فكما قرن الله بين حقه وبين حق الوالدين قرن بين من اعتدى على حقه وعلى حق الوالدين قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ  " رواه البخاري  . 

ثم قال لقمان لابنه مؤكدا على حق الله وهو توحيده وعدم الإشراك به {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ، فعلى الرغم من الحق العظيم الذي جعله الله للوالدين ، إلا أنهما إذا أمرا الولد بأن يشرك بالله فلا سمع ولا طاعة ، فليس ذلك من عقوقهما لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق  .

ومن وصاياه " وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ  " وهم المؤمنون بالله المستسلمون لربهم المنيبون إليه ، واتباع سبيلهم بأن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله التي هي انجذاب دواعي القلب وإرادته إلى الله ، ثم يتبعها سعي البدن فيما يرضي الله ويقرب منه  .  

ثم يقرر لقمان لابنه مقدرة الله على خلقه وانه على كل شيء قدير ، ليستشعر عظمة الله في قلبه ، ومن ثم يدين له بالتوحيد الخالص فقال " {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} ، ففي الآية بيان لعظيم قدرة الله ، والمقصود أن أي مظلمة أو خطيئة ولو كانت مثقال حبة خردل فإن الله على الإتيان بها لقدير ، ليوم القيامة ليجازى عليها العبد إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، قال تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} 

ومَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ عز وجل محيطٌ بكلِّ شيءٍ علمًا؛ سعَى فِي نَيْلِ محبَّتِهِ ورضاهُ، وأحسنَ فِي عملِهِ، وراقبَهُ فِي تعامُلِهِ معَ الخلْقِ، ونفعَ ولَمْ يضرَّ، وأفادَ ولَمْ يُسِئْ


الخطبة الثانية : قال لقمان لابنه واعضا إياه " {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ، أقم الصلاة أي بحدودها وفرضها وشروطها وفي أوقاتها ، بلا تفريط ولا نقصان  ، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ، بحسب استطاعتك وقدرتك ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لخيرية هذه الأمة من بين الأمم قال تعالى " {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ  " ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون إلا بالعلم الشرعي ،  وإلا فمن الممكن أن يأمر بما يظنه معروفا فيكون باطلا ومنكر،ا وينهى عن المنكر وهو معروف وصواب ، أو يذهب يغير المنكر بمنكر أكبر منه ، فلا بد لمن تصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون على بصيرة من دينه متعلما لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مقتفيا أثر الصحابة والتابعين في سلوكهم لمنهج ربهم

ثم أوصى لقمان ابنه بالصبر  لأن الداعي إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يلاقي من أذى الناس ما قد يصده عن عمله ، فأوصاه بالصبر  قال صلى الله عليه وسلم "  وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ 
فهذه وصايا من لقمان لابنه فيما يتعلق بينه وبين الله في نفسه وعبادته ، ثم أنهى وصاياه بحضه على محاسن الأخلاق فقال " {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} 

فأمره بالإحسان إلى الغير ، بان لا يتكبر على الناس ، ولا يمشي بينهم مستعليا عليهم فخرا بالنعم ناسيا حق المنعم عليه بالشكر ، بل عليه أن يتواضع في مشيته مستكينا غير متجبر ، وأن يخفض من صوته إذا ما حدث الناس وكلمهم فهذا من أبلغ الأدب وأحسنه . 

جماعة المسلمين : وصايا نافعة ، عظيمة لمن تدبرها ووعاها بقلبه قال تعالى " {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} 

الخميس، 26 فبراير 2015

خطبة جمعة معالم وسطية الإسلام

الخطبة الأولى : لَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أُمَّةِ الإِسْلاَمِ فَجَعَلَهَا أُمَّةً وَسَطًا، قَالَ سُبْحَانَهُ:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).  فَخَصَّهَا بِأَكْمَلِ الشَّرَائِعِ وَأَقْوَمِ الْمَنَاهِجِ وَأَوْضَحِ السُّبُلِ، فَالْوَسَطِيَّةُ مَزِيَّةٌ كُبْرَى، وَفَضِيلَةٌ عُظْمَى، وَقَدْ أَوْصَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِاتِّبَاعِ النَّهْجِ الْمُعْتَدِلِ، وَسُلُوكِ الطَّرِيقِ الأَوْسَطِ، وَهُوَ الأَفْضَلُ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَخَطَّ خَطًّا، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ، فَقَالَ:« هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ». ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ:( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ). فَسَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الدِّينُ الَّذِي أَنْزَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، مُشْتَمِلاً عَلَى الْوَسَطِيَّةِ وَالسَّمَاحَةِ، يَقُولُ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم:« أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ». أَيْ: الَّتِي لاَ حَرَجَ فِيهَا وَلاَ تَضْيِيقَ، وَالْوَسَطِيَّةُ سِمَةٌ مِنْ سِمَاتِ الْمُتَّقِينَ الأَبْرَارِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: عَلَيْكُمْ بِالنَّمَطِ الْأَوْسَطِ -أَيِ الطَّرِيقِ الْأَوْسَطِ- فَإِلَيْهِ يَنْزِلُ الْعَالِي، وَإِلَيْهِ يَرْتَفِعُ النَّازِلَ.

وحقيقة الوسطية في الشرع أنها عدل ووسط بين متناقضين، بين الإفراط والتشدد، وبين التفريط والتساهل، قال عمر بن عبد العزيز : وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وغنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم " ، وقال الحسن البصري : سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما : بين الغالي والجافي " ، وقال ابن القيم وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد"

ولا يحكم على الشيء في الشرع بأنه وسط إلا بأمرين : الأول : أن تدل أدلة الشرع على مشروعيته جملة أو تفصيلا ، فإن كان مخالفا للشرع فليس من الوسطية ولو رآه الناس وسطا.
ثانيا: أن يكون في تطبيقه تحقيقا لمصالح الأمة ودفعا للمفاسد عنها، لأن المقصد الأعظم من التشريع هو جلب المنافع وتكثيرها ودفع المفاسد أو تقليلها.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ لِلْوَسَطِيَّةِ سِمَاتٍ كَثِيرَةً، وَمَعَالِمَ عَدِيدَةً، وإن من أعظم معالمها أن جميع شرائع الدين مبنية على الوسطية والاعتدال، بعيدة عن الغلو والتعقيد ، قال ابن كثير : " ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح  المذاهب كما قال تعالى : " هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ "

ومن معالم وسطية أمة الإسلام أن هذه الأمة وسط بين الأمم السابقة جميعها ، وقد أشار الله إلى ذلك في عدد من سور القرآن ومنها سورة الفاتحة ، قال تعالى : " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ " فقسم الله الناس إلى ثلاث طوائف : المنعم عليهم ، والمغضوب عليهم وهم اليهود، والضالون وهم النصارى .

فاليهود الضالون عندهم إفراط من جهة علمهم وعدم عملهم، والنصارى الضالون عملوا بجهل، وأما المنعم عليهم فهم وسط بين أهل الإفراط والتفريط فعلموا وعملوا، بوب البخاري في صحيحه فقال: باب العلم قبل القول والعمل ثم استدل بقوله تعالى : " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ " .

ومن معالم وسطية الإسلام التَّيْسِيرُ وَرَفْعُ الْحَرَجِ، فَالْيُسْرُ قَرِينُ الْوَسَطِيَّةِ وَالاِعْتِدَالِ، فكل حكم ثابت في الشرع فهو دليل على وسطية هذه الشريعة، سواء علمنا الحكمة منه أو لم نعلم، قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " ، فأحكام الإسلام بنيت على اليسر والرحمة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). وجاءت التكليفات خالية من المشقة الخارجة عن المعتاد قال تعالى : " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا " ، ومن قواعد الشرع الكلية أن المشقة تجلب التيسير، ومتى ضاق الأمر اتسع .

وَقَدْ أَوْصَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّيْسِيرِ، وَنَهَانَا عَنِ التَّعْسِيرِ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ،فقال صلى الله عليه وسلم :« يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا». وَتَوَعَّدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَدِّدِينَ فقال:« هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». كرَّرها ثَلَاثًا.

جماعة المسلمين: إِنَّ الْوَسَطِيَّةَ مَبْدَأٌ جَمِيلٌ، يُرَبِّي النُّفُوسَ عَلَى أَرْقَى الْقِيَمِ وَأَسْمَاهَا، وَالاِرْتِقَاءِ بِالنَّفْسِ نَحْوَ الأَخْلاَقِ الْعَلِيَّةِ، وَتَرْكِ الْغَضَبِ وَالاِنْتِقَامِ، وَتَغْلِيبِ جَانِبِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ). وَالْوَسَطِيَّةُ جَمَالٌ فِي التَّعَامُلِ، وَرُقِيٌّ فِي السُّلُوكِ، تَحُثُّ صَاحِبَهَا عَلَى اخْتِيَارِ أَنْسَبِ الْكَلِمَاتِ، وَأَلْيَقِ التَّصَرُّفَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا).
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ صُوَرَ الْوَسَطِيَّةِ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَنَاحِي الْحَيَاةِ، وَمِنْهَا: الاِعْتِدَالُ فِي الإِنْفَاقِ، وَالاِبْتِعَادُ عَنِ الإِسْرَافِ وَالإِقْتَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) وَقَالَ سُبْحَانَهُ:( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)، فَالاِقْتِصَادُ فِي الإِنْفَاقِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْمَوَارِدِ، وَتَرْشِيدُ الاِسْتِهْلاَكِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الثَّرَوَاتِ مِنْ تَمَامِ الْوَسَطِيَّةِ وَالاِعْتِدَالِ.

أَيُّهَا المسلمون: وَلاَ تَقْتَصِرُ الْوَسَطِيَّةُ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَحَسْبُ، بَلْ تَشْمَلُ التَّعَامُلَ مَعَ النَّاسِ جَمِعيًا، بِالْبِرِّ بِهِمْ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

عباد الله: إِنَّ التَّمَسُّكَ بالوسطية يَقْتَضِي تَرْكَ الْغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنْ جُرْأَةٍ فِي التَّكْفِيرِ، وَاسْتِبَاحَةٍ لِلدِّمَاءِ، وَلْيَعْلَمِ الْمُتَشَدِّدُونَ أَنَّهُمْ بَعِيدُونَ عَنْ رُوحِ الإِسْلاَمِ وَسَمَاحَتِهِ، مُخَالِفُونَ لِوَسَطِيَّتِهِ وَنَقَائِهِ، كَيْفَ لاَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُنَا صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ». وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم من تكفير المسلمين بغير وجه حق شرعي صحيح  فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:« مَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ». وعَنْ أَبِي ذَرٍّ – رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ " ، بل قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تكفير المؤمن كقتله، فعند البخاري ومسلم من حديث  ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « َمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»
قال الشوكاني رحمه الله : " والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه تدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح فكيف إخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية فإن هذه جناية لا تعدلها جناية وجرأة لا تماثلها جرأة "

وعظُم الخطب لما رفع راية التكفير من انتسب للقرآن والسنة، وهو من أبعد الناس عنها، كالخوارج الذين كفروا المسلمين واستحلوا دماءهم، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوع ذلك فقال : « إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وكان رِدْءاً لِلْإِسْلَامِ غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ». قيل: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قال:« بَلِ الرَّامِي».
قال ابن تيمية : " وَلِهَذَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا فَإِنَّهُ أَوَّلُ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَكَفَّرَ أَهْلُهَا الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ "

فَاللُهَمَّ وَفِّقْنَا لِلتَّمَسُّكِ بِطَرِيقِ الْوَسَطِيَّةِ، وَأَعِنَّا عَلَى التَّحَلِّي بِالأَخْلاَقِ الزَّكِيَّةِ

الخطبة الثانية : عباد الله : ومن معالم وسطية الإسلام وسطية هذا الدين حتى في تعامله مع غير المسلمين، ومن مظاهر ذلك: حث الإسلام على دعوة غير المسلمين إلى الإسلام بالتي هي أحسن ، قال تعالى : " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ "
وحث على بر الوالدين إن كانا كافرين فقال تعالى : " وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا "
كما حث الإسلام على حسن التعامل مع غير المسلمين حال كونهم مسالمين قال تعالى : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "
وحرم الاعتداء على المعاهدين والمستأمنين منهم وهم في بلاد الإسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» ، وقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
و تتجلى وسطية الإسلام في حالة الحرب معهم في أسمى معانيها، فإن حربنا مع عدونا تقوم على الأخلاق والمبادئ السامية، فأمرنا الإسلام بعدم نقض العهود معهم، وعند إرادة حربهم أن نعلمهم بإنهاء العهد قال تعالى : " وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ "
وكَانَ رَسُولُ الله صَلى الله عَليهِ وسَلم إِذَا أَمَّرَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى الله, وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا, وَقَالَ: اغْزُوا بِسْمِ الله، وَفِي سَبِيلِ الله, قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ, اغْزُوا وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا.
هذه بعض معالم وسطية الإسلام، التي تدل على كماله وسماحته ...


الخميس، 19 فبراير 2015

خطبة جمعة :فضل قراءة القرآن وتعلمه

الخطبة الأولى: جماعة المسلمين قَالَ الله تبارك وتَعَالَى:(وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). فمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَنْ أَنْزَلَ إِلَيْهِمُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، فَهُوَ النِّعْمَةُ الْعُظْمَى، وَالْفُرْقَانُ الْمُبِينُ، وَمَوَاعِظُهُ لأَمْرَاضِ الْقُلُوبِ شَافِيَةٌ, وَأَدِلَّتُهُ لِطَلَبِ الْهُدَى كَافِيَةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا).

هذا الكتابُ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، وفُصِّلَتْ كلماتُهُ، وحُفِظَتْ مِنْ عَبَثِ العابثينَ، وتحريفِ الْمُحَرِّفينَ، قالَ تعالَى:( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، سَمَّاهُ اللهُ تعالَى بأسماءٍ كريمةٍ، ووصفَهُ بصفاتٍ حكيمةٍ، فهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وهوَ الشفاءُ النافِعُ، والدواءُ الناجِعُ، عِصْمةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بهِ، ونجاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ
فَالْقُرْآنُ نُورٌ يَهْدِي الْقُلُوبَ، وَيُنِيرُ الْبَصَائِرَ وَالْعُقُولَ، وَيَمْحُو الْجَهَالَةَ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا).

سمعته الجن فأعجبوا به وعلموا أنه يدعو للهداية قال تعالى:" قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا "
واجتمع الجن مرة والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن قال تعالى : "وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ"

فالقرآن مَنْهَجُ حَيَاةٍ، وَمَنْبَعُ حَضَارَةٍ، يَدْعُو لِلأَخْلاَقِ الْكَرِيمَةِ، وَالْمَبَادِئِ الْقَوِيمَةِ، وَيُحَقِّقُ الطُّمَأْنِينَةَ وَالسَّعَادَةَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ:( طَهَ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى). أَيْ: لَمْ نُنْزِلْ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَتْعَبَ وَتَشْقَى، بَلْ لِنَجْعَلَكَ أَسْعَدَ بَنِي آدَمَ.

وقد يسر الله تلاوته وحفظه وتدبره فقال سبحانه : " وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في فضيلة من تعلم القرآن :«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ تِلاَوَةَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ هِيَ التِّجَارَةُ الرَّابِحَةُ، وَالْغَنِيمَةُ الْبَاقِيَةُ، فَهَنِيئًا لِمَنْ ظَفَرَ بِهَا، وَوَاظَبَ عَلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ).

فَالتَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإعْمَارُ الأَوْقَاتِ بِتِلاَوَتِهِ وَسَمَاعِهِ، سَبَبٌ لِلْفَوْزِ بالْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:« يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا».  قال بعض شراح الحديث:وصاحبُ القرآنِ هُوَ مَنْ يُلَازِمُهُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْعَمَلِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ تِلاَوَةَ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نَيْلِ رُضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:« يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تَاجَ الكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ، وَيُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً».

وفي ذلكم اليوم العظيم الذي تقترب فيه الشمس من الرؤوس ويلجم العرق الناس، يأتي القرآن شفعيا لأصحابه، فعن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " أي السحرة . رواه مسلم.   

وأهل القرآن هم أهل الله سبحانه وتعالى قال صلى الله عليه وسلم:« إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ:« هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ».

وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَسُولُنَا الْكَرِيمُ صلى الله عليه وسلم مَا فِي تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ ثَوَابٍ مُضَاعَفٍ جَزِيلٍ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:« مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ (ألم)حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ».

فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الرَّاغِبُ فِي الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، اجْعَلِ الْقُرْآنَ جَلِيسَكَ وَأَنِيسَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَفْضَلُ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُونَ، وَأَجَلُّ مَا تَنَافَسَ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ، فَيَا فَوْزَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ تِلاَوَتِهِ، وَصَبَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَإِتْقَانِهِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:« الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانِ».

بل إن في تعلم القرآن أجر وفضيلة تعلو وتزيد على أنفس الأموال وأغلاها ثمنا في الدنيا، فروى مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ :خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ – والناقة الكوماء هي العظيمة السنام وهي من أفضل أنواع النوق عند العرب- فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ قَالَ أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الْإِبِلِ"

فإذا خرجت أخي المسلم إلى المسجد لتقرأ كتاب ربك وتتعلمه فأبشر بهذه البشارة العظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ يَعْلَمَهُ، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ حَاجٍّ تَامًّا حِجَّتُهُ» فإذا جلست في حلقات القرآن فأنت في خير عظيم وفضل عميم قال صلى الله عليه وسلم: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ "

يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ: قَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّفَكُّرِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَتَدَبُّرِ مَعَانِيهِ، بِقُلُوبٍ حَاضِرَةٍ، وَعُقُولٍ وَاعِيَةٍ، فَقَالَ تَعَالَى:( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ). وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا). فَحَثَّنَا عَلَى قِرَاءَتِهِ بِأَدَاءٍ حَسَنٍ، وَيَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:« تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا».

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَدَبُّرِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبًا وَافِرًا فِي بَيْتِهِ، وَيَكُونَ قُدْوَةً فِي ذَلِكَ لأَوْلاَدِهِ وَأُسْرَتِهِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم :« لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ».

فَاللُهَمَّ أَعِنَّا عَلَى التَّخَلُّقِ بِآدَابِ الْقُرْآنِ، وَيَسِّرْ لَنَا تِلاَوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.

  

الخطبة الثانية : عباد الله : قال تعالى عن القرآن "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " ففيه الشفاء من أمراض الشبهات والشهوات، والأوجاع والأسقام وما يصيب القلوب من هموم وغموم وأحزان .
وتأثيره على القلوب عظيم جدا ، قال تعالى : " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ"

فمال للقلوب لا تتأثر بكلام الله تعالى ولا تخشع له، مع أن الله أخبر أن هذا القرآن لو أنزل على الجمادات لخشعت، ألم يقل الله سبحانه : لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " فكيف بالقلوب وهي المضغة الصغيرة الحية، لهي أولى بالخشوع والتأثر

لقد انشغل الكثير من الناس بأمور الدنيا وتغافلوا عن كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك علامة على مرض القلوب قال ابن القيم: فالقلب الطاهر، لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث، لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذى لم يطهره الله تعالى، فإنه يتغذى من الأغذية التى تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا تلائمه الأغذية التى تلائم الصحيح "

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره "

فاعمروا قلوبكم وبيوتكم بتلاوة كتاب ربكم، واحفظوه وحفظوه أولادكم، وقَدْ هيأَتْ حكومتُنَا الرشيدةُ كلَّ الوسائلِ التِي مِنْ شأنِهَا خدمةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ منذُ عهدِ المغفورِ لهُ الشيخِ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذِي أسَّسَ مشروعَ الشيخ زايد لحفظِ القرآنِ الكريمِ، وهَا هيَ الجهودُ مستمرةٌ بطباعةِ المصاحفِ وتوزيعِهَا، وإنشاءِ مراكزِ ومعاهدِ تحفيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي أنحاءِ الدولةِ، التِي يدرسُ فيهَا الصغارُ والكبارُ الذكورُ والإناثُ، والتِي خَرَّجَتْ بفضلِ اللهِ تعالى أعدادًا كبيرةً مِنْ حفظةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فاستثمِرُوهَا يرحمكُمُ اللهُ.

 فمَنْ علَّمَ أبناءَهُ القرآنَ أُلْبِسَ تاجاً مِنْ نُورٍ عنْدَ الرحمنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:( مَن قَرَأَ الْقُرآنَ وَتَعَلَّمَهُ، وَعَمِلَ بِهِ أُلْبِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجَاً مِنْ نُورٍ، ضَوْؤُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَيُكْسَى وَاْلِدَيْهِ حُلَّتَانِ لاَ تُقَوَّمُ بِهِمَا الدُّنْيَا، فَيَقُولاَنِ: بِمَ كُسِينَا؟ فَيُقَاْلُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرآنَ)


الخميس، 12 فبراير 2015

الابتكار وإقامة الحضارة على وفق شرع الله

الخطبة الأولى : اعلموا رحمكم الله أن الله عز وجل قد كَرَّمَ الإِنْسَانَ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ غَايَةَ الإِحْسَانِ، قَالَ تَعَالَى:( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). قال ابن كثير في تفسير الآية: "يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها ..وجعل لهم سمعا وبصرا وفؤادا، ليفقهوا بذلك كله وينتفعوا به، ويفرقوا بين الأشياء، ويعرفوا منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية" ا.هـ ، وَإِنَّ مِنْ أَفْضَلِ مَا تَمَيَّزَ بِهِ الإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ نِعْمَةَ العَقْلِ. فَهُوَ هِبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنْحَةٌ جَزِيلَةٌ.

وَلَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِعْمَالِ الْعَقْلِ وَالتَّفْكِيرِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). فَطُوبَى لِمَنْ أَعْمَلَ عَقْلَهُ، وَوَسَّعَ مَدَارِكَهُ، وَزَادَ مِنْ عِلْمِهِ، وَارْتَقَى بِمَهَارَاتِهِ، وَوَظَّفَ مَوَاهِبَهُ، وَتَخَلَّقَ بِالأَخْلاَقِ الْجَمِيلَةِ، وَتَحَلَّى بِالصِّفَاتِ النَّبِيلَةِ؛ لِيُصْبِحَ إِنْسَانًا يَنْفَعُ وَلاَ يَضُرُّ، وَيُعَمِّرُ وَلاَ يُدَمِّرُ، وَيَبْنِي وَلاَ يَهْدِمُ، وَيُحَقِّقُ الْخَيْرَ لِنَفْسِهِ وَمُجْتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ وَالإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ، قَالَ تَعَالَى:( وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ)

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: لَقَدْ دَعَانَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى النَّظَرِ والتفكر فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَقَالَ:( قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وقال سبحانه : "أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ"  فيستدلوا منها على وحدانية الله تعالى وقدرته وأنه هو المستحق للعبادة وحده دون سواه، وأن يدْرُسُوا مَا فِيهَا، وَيسْتَفِيدُوا مِنْ قَوَانِينِهَا وأنظمتها فيسخروها لمعيشتهم وراحتهم.

 كَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَدْرُسَ أَحْوَالَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ بالنظر في قصصهم وأخذ العبرة مما وقع عليهم، قال تعالى : " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" فنَسْتَفِيدَ مِنْ إِيْجَابِيَّاتِهِمْ، ونقتدي بالصالحين منهم، وَنَتَجَنَّبَ وما وقعوا فيه من الكفر بالله والإشراك به، فيزداد إيماننا بربنا ونولد أَفْكَارًا جَدِيدَةً، نُطَوِّرُ مِنْ خِلاَلِهَا حَيَاتَنَا، وَنَبْتَكِرُ حُلُولاً أَفْضَلَ لِمُشْكِلاَتِنَا، لِنَصِلَ بِهَذَا الإِبْدَاعِ الإِنْسَانِيِّ الرَّاقِي إِلَى الرِّيَادَةِ الْحَضَارِيَّةِ، فَبِالإِبْدَاعِ وَالابْتِكَارِ تَزْدَهِرُ الْحَيَاةُ، وَتُعَمَّرُ الأَرْضُ، وَتُبْنَى الْحَضَارَةُ على وفق شرع الله سبحانه وتعالى .

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ حَرَصَ نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم عَلَى تَنْمِيَةِ مَلَكَةِ التَّفْكِيرِ وَالإِبْدَاعِ لَدَى أَصْحَابِهِ الكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ:« إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« هِيَ النَّخْلَةُ». فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ:« لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا».

وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَسْتَخْرِجُ الْمَوَاهِبَ، وَيَقُومُ بِرِعَايَتِهَا وَتَحْفِيزِ أَصْحَابِهَا، فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟». قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:« يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قُلْتُ:( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ:« وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ».

وَعِنْدَمَا أَشَارَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ حِمَايَةً لِلْمَدِينَةِ سَارَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى تَبَنِّي هَذِهِ الفِكْرَةِ الْمُبْتَكَرَةِ وَتَطْبِيقِهَا، فَكَانَ مَنْهَجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رِعَايَةَ الأَفْكَارِ الْمُبْتَكَرَةِ الْمُفِيدَةِ، وَاحْتِضَانَ الطَّاقَاتِ الإِبْدَاعِيَّةِ النَّافِعَةِ، حَتَّى تَنَوَّعَتِ الْمَوَاهِبُ وَتَعَدَّدَتْ، وَانْطَلَقَ مَبْدَأُ التَّفْكِيرِ الْبَنَّاءِ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى القِرَاءَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَانْبَثَقَ فَجْرُ الْحَضَارَةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي وَقْتٍ يَسِيرٍ، وَنَجَحَ الْمُسْلِمُونَ فِي بِنَاءِ حَضَارَةٍ عَظِيمَةٍ عَرِيقَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ فِي مُخْتَلَفِ الْمَجَالاَتِ، وَابْتَكَرُوا العَدِيدَ مِنَ العُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الإِبْدَاعِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، وَبَرَعُوا فِي عِلْمِ الطِّبِّ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَالْهَنْدَسَةِ وَالفِيزْيَاءِ وَالفَلَكِ وَغَيْرِهَا، فَضْلاً عَنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَعُلُومِ العَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا، مُحَقِّقِينَ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى:( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). أَيْ: جَعَلَكُمْ فِيهَا عُمَّارًا تُعَمِّرُونَهَا وَتَسْتَغِلُّونَهَا ،وَكَانَتْ ثَمَرَةُ هَذَا الإِبْدَاعِ وَالابْتِكَارِ تَحْقِيقَ الْخَيْرِ وَالرُّقِيِّ لِلْعَالَمِ بِأَسْرِهِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنْ صُوَرِ الإِبْدَاعِ التَّخْطِيطُ وَالإِعْدَادُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الله في القُرْآن الكَرِيمُ، فَهَذَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَنَّبَ قَوْمَهُ مَصَاعِبَ السَّنَوَاتِ الصَّعْبَةِ بِالتَّخْطِيطِ الْجَيِّدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في قصة يوسف عليه السلام:( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ). فَيَا فَوْزَ مَنِ اسْتَفَادَ مِنْ وَاقِعِهِ، وَخَطَّطَ لِمُسْتَقْبَلِهِ، فَحَظِيَ بَخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وفي الأثر: "اعمل للدنيا, كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك , كأنك تموت غدا " فَاللُهَمَّ يَسِّرْ لَنَا أَسْبَابَ الْخَيْرِ وَالرَّشَادِ، وَأَعِنَّا عَلَى الرُّقِيِّ وَالسَّدَادِ


الخطبة الثانية : عباد الله الحضارة والتطور والإبداع  الحقيقي الصحيح هو الذي يعود نفعه على الأفراد والمجتمعات، وهو الذي يرتكز على ركائز من أهمها العقيدة الصحيحة والعلم النافع والأخلاق في التعامل. وبدونها تتحول الحضارة والتطور إلى حقارة ومعاول هدم تهدم في كيان الأمة .
وإلا ما فائدة حضارة ينحدر فيها مستوى الإنسان إلى العبودية لغير الله ليصبح عبد ديناره ودرهمه، عبد شهوته ومادته ورغبته، فيسقط في التعاسة والانتكاسة كما تعست وانتكست البشرية التي تسيطر عليها هذه المدنية المعاصرة، يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ))
ما فائدة تقدم مادي لا يقوم على الأخلاق واحترام الإنسان، وإنما شعاره الغاية تبرر الوسيلة، والمادة هي الغاية الكبرى.

لقد قامت حضارة الإسلام على مبادئ عظيمة بها حققت أعلى المقامات، حتى أقبل عليها العالم ينهل منها، ومن أولى تلك الركائز العقيدة الصحيحة المبنية على توحيد الله وإقامة العبودية له وحده دون سواه كما قال تعالى "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"

ومن تلكم الركائز الترغيب في طلب العلم النافع والازدياد منه، قال تعالى " وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا" ، فبالعلم النافع ترقى الأمم وتسعد، وأول ما يطلبه المسلم هو علم دينه الذي يتعبد ربه به، لأن من متطلبات التمكين في الأرض وإقامة الحضارة عبادة الله تعالى كما قال سبحانه " الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ "، وهذا لا يكون إلا بالعلم الشرعي .

ومتى ما خلت العلوم الدنيوية من العلوم الشرعية صارت وبالا على صاحبها وعلى المجتمع، وقد عاب الله على من أقبل على علوم الدنيا وترك علوم الدين قال تعالى " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ"فوصف رب العزة أكثر الناس بعدم العلم، مع إثبات علمهم بأمور الدنيا، فدل على أن العلم الحقيقي هو العلم الشرعي الذي يضبط العلم الدنيوي .
أيها المسلمون: ومن تلكم الركائز التي قامت عليها الحضارة الإسلامية الأخلاق في التعامل، فهي حضارة تحترم النفس البشرية دون تمييز عنصري كما قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"

حتى في الحروب التي تراق فيها الدماء ويظهر فيها العداء أمرنا ديننا الحنيف أن نتخلق بأخلاق الإسلام، قال تعالى " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" ، وقال صلى الله عليه وسلم: (أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ) ، ومن وصايا أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيش أسامه : (لا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا شيخًا ولا وليدًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)

بهذه الركائز تسمو المجتمعات، ويُعز الأفراد، وينتفع الناس، ويسخر الإنسان الضعيف ما وهبه الله من إمكانات لخدمة البشرية وإقامة العبودية لله .

عباد الله : إن الدين الإسلامي يدعو إلى الإبداع والابتكار في أمور الدنيا، ولا يمنع من الاستفادة من الحضارات الأخرى، بشرط عدم تعارضها مع شرعنا الإسلامي.

لكن على المسلم أن لا يغتر بحضارة غير المسلمين، لأنها حضارة ظاهرها التطور والصلاح وباطنها من قبلها الفساد والانحلال والدمار، لأنها لم تبن على عقيدة تؤمن بالله ربا، ولا تؤمن بالأخلاق تعاملا، بل هدفها وغايتها تحقيق الربح المادي ولو كان على حساب الدين والأفراد والأخلاق .
وأما حضارتنا الإسلامية فهدفها الأول إقامة العبودية لله تعالى، وتسخير ما في الكون من مخلوقات الله لخدمة البشرية وسعادتهم، من أجل أن يقوموا بتوحيد الله على أكمل وجه .

وأما ما نعيشه اليوم من ذل وهوان وتخلف على الصعيد العلمي والتقدم الحضاري فبسبب إعراضنا عن دين الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم:  (وَجَعَلَ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ) وقال الإمام مالك بن أنس – إمام دار الهجرة – " لن يصلح آخر هذه الأمة إلى ما أصلح أولها"


فأقبلوا على دينكم، ووحدوا ربكم، والتزموا هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم، وتعلموا العلم النافع، مع إخلاص لله ومتابعة، يتحقق لكم التمكين في الأرض، وتسموا على غيركم.