الثلاثاء، 14 يوليو 2015

تصنيف الناس بحق هو الحق - رد على من ينكرتصنيف الناس حسب اعتقاداتهم وانتماءاتهم الحزبية -

                        بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد 

لقد منّ الله على هذه الأمة بحفظ دينها عليها، ووضع له جنودا ومجاهدين يذبون عنه تحريف المحرفين، وزيغ الزائغين، فجاهدوا في الله حق جهاده، بأن نشروا العلم وعلموه الناس، وحذروا من البدع وأهلها، حماية للدين وأحكامه.

ومن صور حمايتهم للدين ردودهم على أهل البدع والأهواء، وأصحاب الفكر المنحرف، الذين زاغت قلوبهم عن اتباع الحق، وانضموا لجند إبليس في صد المؤمنين عن سلوك الصراط المستقيم، فبين أهل العلم الحق بدليله، وردوا على أهل الباطل ما استدلوا به تبعا لأهوائهم وانتماءاتهم الحزبية، وحذروا من أشخاصهم وأعيانهم لئلا يغتر بهم جاهل فيضلوه.

وأساسهم الذي ينطلقون منه التوجيه النبوي السديد الذي رواه البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَذِهِ الآيَةَ ( هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) إِلَى قَوْلِهِ ( أُولُو الأَلْبَابِ ) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ، فَاحْذَرُوهُمْ »

ولأجل ذلك صنفوا أهل الباطل كل حسب اعتقاده وطريقته، ليحذر المسلمون طريقهم، ويتجنبوا مسالكهم.

ولما رأى أهل الأهواء أن هذا المنهج – منهج الرد على أهل البدع وتصنيفهم – يضر بهم وبدعوتهم، سعوا إلى تشويهه، فمرة بأنه منهج غيبة وبهتان، ومرة يطالبون بمنهج الموازنة الذي يقوم على اغتفار المثالب والانحرافات في مقابل المآثر والإيجابيات.
وفي هذه الفترة ظهر من يدعو إلى إيقاف العمل بالجرح والتعديل المتعلق بأهل البدع والأهواء، وتسفيه من يقوم به من طلبة العلم والعلماء، وإلى عدم تصنيف الناس إلى فرق وجماعات، فلا تقل هذا صوفي، أو قدري، أو خارجي، أو سلفي أو إخواني، بحجة أن دين الله واحد، وقد سمانا الله بالمسلمين كما في قوله تعالى " هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ"، وأن تصنيف الناس بناء على اعتقاداتهم وحزبياتهم يتعارض والدفاع عن الأوطان.

وللرد على هذه الفكرة أبين أمورا:
أولا : الله سبحانه هو الذي سمى المنتسبين لدينه بالمسلمين كما هو ظاهر قوله تعالى "هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ"  ، وفي المقابل لم يرد نهي عن تسميتهم باسم آخر، أو تصنيفهم حسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة، ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم صنف  مسلمي المدينة إلى قسمين: مهاجرين وأنصار، ولو كان ذلك منهيا عنه لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيا : اسم المسلم يطلق على الرجل في مقابل غير المسلم، لأنه مستسلم لله تعالى بالطاعة، منقاد له، ومذعن له بخلاف غير المسلم، قال تعالى :" رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ"  الحجر 2 .
وليس في ذلك دلالة على منع تصنيف الناس .

ثالثا: الصحابة والتابعون وأهل التفسير من أهل السنة والجماعة قاطبة مع حفظهم لهذه الآية وتفسيرهم لها وعملهم بها لم يحملوها على هذا الفهم الذي يدعو له أهل الأهواء، ولذلك نجد أنهم صنفوا الناس على حسب معتقداتهم، كما سيأتي بيانه. 
 فظهر عدم صحة الاستدلال بالآية على منع التصنيف .

رابعا : ورد تصنيف الناس وتقسيمهم على حسب إسلامهم وكفرهم، وعلى حسب طاعتهم ومعصيتهم في القرآن الكريم، فدل على أن تصنيف الناس ليس بمذموم.
ومن ذلك: 
قال تعالى : "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)" الفاتحة 7
فقسم الله أتباع الصراط إلى ثلاثة أقسام: منعم عليهم، وقد صنف أنواعهم في سورة النساء فقال : " مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ" النساء69
القسم الثاني: المغضوب عليهم وهو اليهود، والقسم الثالث: النصارى.
وكذلك أول سورة البقرة صنف الله الناس إلى ثلاثة أقسام : مؤمنين وكفار ومنافقين.
وصنف الله عباده المؤمنين من حيث القرب منه إلى ثلاثة أقسام فقال سبحانه : " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" فاطر 32 .
فأولهم: الظالم لنفسه ، وثانيهم : المقتصد ، وثالهم : السابق بالخيرات. 

خامسا: ورد تصنيف الناس وتقسيمهم في السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم صنف المسلمين إلى طائفتين: المهاجرين والأنصار.
ووصف الخوارج حذر منهم، وإن لم يكن قد ذكرهم بالاسم، ولكن ورد اسمهم عن الصحابة رضوان الله عليهم، فعن يسير بن عمرو قال سألت سهل بن حنيف هل سمعت النبى -صلى الله عليه وسلم- يذكر الخوارج فقال سمعته - وأشار بيده نحو المشرق « قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ».رواه مسلم
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم القدرية وحذر منهم وذمهم، فروى ابن أبي عاصم في السنة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم" وحسن إسناده الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم:صنفان من أمتي لا يردان علي الحوض : القدرية و المرجئة "  رواه ابن أبي عاصم في السنة ح 982 (ينظر الصحيحة 2748)
وهذا نوع من تصنيف الناس على وفق انحرافهم عن السنة.

سادسا: ورد تصنيف المسلمين على حسب اتباعهم للسنة من عدمها عن خير القرون من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، وهذا مشتهر منتشر، يجف مداد القلم في نقله وتعداده.
ويكفيك أيها الموفق النظر في كتب السير والتراجم وكتب الاعتقاد لتقف على ذلك بنفسك، حيث صنفوا الأشخاص على حسب بدعهم فهذا خارجي وهذا مرجئ وهذا قدري ، بل كل فرقة قد صُنفت إلى أصناف بناء على الاختلاف الواقع فيها .

سابعا: نرى بعض منكري التصنيف يستخدمون التصنيف، فلهم ردود على داعش، والإخوان المسلمين.
فإما أن يثبتوا التصنيف فيصنفوا الناس بعد ذلك، وإما أن ينكروه، فينكروا على أنفسهم، ويكتفي أحدهم بأن يقول : المسلمون الذين في العراق أو المسلمون الذين يتبعون حسن البنا، ولا يقل داعشي ولا إخواني .

قال الشيخ عبد السلام برجس محذرا من أمثال هذه الثلة من الناس: "  والعجب أن يخرج أناس ينتسبون إلى السنة التصنيف لهم جائز على كل الوجوه، وعلى ما يشاءون ويختارون، أما غيرهم فهو في حقهم من الموبقات السبع، فهم يصنفون من شاءوا بأهوائهم، ولا يرضون تصنيف آخرين من أهل البدع بمجرد هواهم أيضا.
وإذا صنف أهل الحق أحد أسيادهم ومتبوعيهم ممن تلبس ببدعة ظاهرة غضبوا غضبا شديدا وأغلقوا أبواب التصنيف وأبواب الجرح والتعديل في وجوههم "
ينظر : مجموع المحاضرات فيما يخص الدعوة والدعاة ص 13 ضمن مجموع مؤلفات وتحقيقات الشيخ عبد السلام برجس  ج 3.
أقول: وكأن الشيخ رحمه الله يرد على المفتونين من أهل زماننا، ويثبت لنا أن أهل الأهواء مشاربهم واحدة وإن تلبسوا بالسنة .

الأمر السادس: للتصنيف في باب اتباع السنة من عدمه فائدة عظمى، وهي كما قال تعالى :" وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ" ، قال ابن كثير في تفسيره: "وَلِتَظْهَرَ طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ" وقال الشيخ السعدي في تفسيره : "فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت، أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل" 
وإلا بربك قل لي كيف يمكن للمسلم بدون تصنيف أن يتعرف على الفِرِقِ التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :"وإن أمتى ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها فى النار إلا واحدة وهى الجماعة " رواه ابن ماجة.
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر التفرق الحاصل بين المسلمين، فقوله " أمتي" هي أمة الإجابة وليست أمة الدعوة، بين الفرقة الناجية بقوله " الجماعة" ولم يقل المسلمون.
فمن فائدة التصنيف معرفة الفرق الضالة التي حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم منها لنحذرها ونتجنب طريقها.

قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد لابن القيم ص: 109: " وكل مَا خَالف الرَّسُول فَهُوَ من الْجَهْل فَمن لم يعرف سَبِيل الْمُجْرمين وَلم تستبن لَهُ أوشك أَن يظنّ فِي بعض سبيلهم أَنَّهَا من سَبِيل الْمُؤمنِينَ كَمَا وَقع فِي هَذِه الْأمة من أُمُور كَثِيرَة فِي بَاب الِاعْتِقَاد وَالْعلم وَالْعَمَل هِيَ من سَبِيل الْمُجْرمين وَالْكفَّار وأعداء الرُّسُل، أدخلها من لم يعرف أَنَّهَا من سبيلهم فِي سَبِيل الْمُؤمنِينَ، ودعا إِلَيْهَا وكفّر من خالفها واستحل مِنْهُ مَا حرمه الله وَرَسُوله، كَمَا وَقع لأكْثر أهل الْبدع من الْجَهْمِية والقدرية والخوارج وَالرَّوَافِض وأشباههم" 

الأمر الثامن: القول بعدم تصنيف الناس على حسب انحرافهم عن السنة قول يتعارض مع سياسة الدولة من اعتبار بعض هذه الجماعات والفرق محظورا في الدولة، مع تجريم المنتسب إليهم، كجماعة الإخوان المسلمين، وداعش، والنصرة وغيرهم. 
فيظهر مما سبق أن تصنيف الناس بعدل وحق بناء على انتماءاتهم الحزبية، أو بدعهم الاعتقادية، من الدفاع عن دين الله تعالى ، والدفاع عن بلاد المسلمين.

وهنا كلمة جميلة للشيخ عبد السلام برجس رحمه الله يبين فيه أهمية هذا التصنيف: " " فتصنيف الناس ونسبتهم إلى عقائدهم ونحلهم وصفاتهم من حيث الحكم والقواعد ليس علما مخترعا، وليس علما جديدا، بل هو علم الجرح والتعديل، الذي لا ينقطع من هذه الأمة ما بقي الليل والنهار، فمن رام أن يطفئ نور هذا الفن لخاطر حزبه، أو خوفا على محبوبيه المجروحين فقد ضل وأضل وشقي وأشقى.
فتصنيف الناس بحق وبصيرة حراسة لدين الله سبحانه وتعالى وهو جند من جنود الله سبحانه وتعالى ينفي عن دين الله تعالى تحريف الغالين .. وزيغ المبتدعين ومكر الخوارج المارقين ... فالتصنيف رقابة تترصد، ومنظار يتطلع إلى كل محدث، فيرجمه بشهاب ثاقب لا تقوم له قائمة بعده، حيث يفتضح أمره ويظهر عوره" مجموع المحاضرات فيما يخص الدعوة والدعاة ص 13 ضمن مجموع مؤلفات وتحقيقات الشيخ عبد السلام برجس  ج 3 

وأخيرا أبين خطورة هذا المنهج القائم على تمييع التعامل مع أرباب البدع والأحزاب، على الدين وأمن الوطن : 

أولا خطورته على الدين :

1 – يهدم عقيدة الولاء والبراء مع أهل البدع المخالفين لأصول الدين.
2 – يهدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة ببيان خطورة هذه العقائد والحزبيات وأربابها.
3- حقيقة هذا المنهج أنه امتداد صريح للقاعدة الإخوانية : نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.
فأصحاب هذا المنهج يدعون إلى الوحدة بين جميع الفرق والأحزاب لأجل الدفاع عن الوطن – على حد زعمهم- وهذا يلزم منه أن يتغاضى أهل الحق عن مخالفات أهل الباطل حتى تتم الوحدة المزعومة.
4 – هذا المنهج يسعى لإلغاء منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل البدع، كالتحذير منهم وهجرهم ومناظرتهم
5 – يسعى هذا المنهج إلى الطعن في مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام وطريقتهم في التعامل مع أهل البدع من أصحاب العقائد المخالفة والأحزاب المارقة، حيث يظهر منهجه بأنه منهج غلو وجفاء.
بل قد صرح بعض المفتونين بأن فرقة داعش الخارجية نبتة سلفية، وأن سبب خروجها هو مذهب السلف، فكل ذلك نتاج هذا المنهج  الفاسد. 

ثانيا : خطورته على أمن الدولة .

 يدعو هذا المنهج - الرامي إلى منع تصنيف الناس بناء على اعتقاداتهم الفاسدة وحزبياتهم المقيتة – إلى إغفال هذه الحزبيات على الرغم من خطورتها على أمن الدولة، وعدم ذكرهم بأسمائهم وجماعاتهم، مما يقوي شوكتهم، كالإخوان المسلمين والخوارج والمتصوفة .
والتاريخ شاهد على هذه النتيجة:
من الذي سهل للتتار دخول بغداد ؟ إلا أهل البدع من الرافضى
من الذي سهل للصلبيين دخول بلاد المغرب ؟ إلا أهل البدع من أصحاب الزوايا .

ثم يتبجح بعض المفتونين بقوله : 
وحدة الصف مطلوبة للدفاع عن الوطن وإن اختلفت الكلمة .

فهذا في الحقيقة يهدف إلى ضرب الدولة من الداخل، بواسطة هذه القواعد البدعية المخالفة لمنهج السلف الصالح.     

وأخيرا : ما كتبته للرد على هؤلاء المفتونين شيء يسير من بيان خطرهم وخطر طريقتهم على الإسلام وبلاد المسلمين، وإلا فإن ما ينطوي عليه هذا المنهج من أخطار جسيمة أضعاف ما ذكرت، ومما يزيد خطورته ظهور أربابه بمظهر الوسيطة والمدافع عن الوطن، وهو يضمر السوء والخيانة له .
وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.
كتبه : أبو محمد سعيد بن سالم الدرمكي .

الخميس، 9 يوليو 2015

خطبة الجمعة : ليلة القدر وزكاة الفطر

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين ، اعلموا رحمكم الله أن الدنيا دار اختبار وابتلاء ، والآخرة دار جزاء ، وقد أمرنا ربنا بالتزود لها بالعمل الصالح قال تعالى : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) . 
   
ومن نعم الله علينا أن جعل لهذه الأمة مواسم تزداد فيها الحسنات وتضاعف فيها الدرجات ، ومنها موسم شهر رمضان المبارك ، شهر يتنافس فيه المتنافسون لنيل رضوان الله تعالى ،  فيه تفتح أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النيران ، وتصفد الشياطين ، ويستجاب الدعاء ، ولله فيه عتقاء من النار وذلك كل ليلة . 

ولقد مر من الشهر أكثره ولم يبق منه إلا اليسير من الليالي والأيام ، فمن كان منكم قام بحقه فليتم ذلك وليحمد اللهوليسأله القبول ، ومن كان منكم قد فَرَّطَ فيه وأساء فليتب إلى ربه فباب التوبة مفتوح . 

جماعة المسلمين : في هذا الشهر ليلة عظيمة جدا جعلها ربنا –سبحانه وتعالى- موسما عظيما للتنافس ونيل الأجر العظيم، من حرم خيرها فهو المحروم حقا  ، فعن أنس بن مالك :قال دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم "

إنها ليلة القدر قال تعالى مبينا فضلها وعلو قدرها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ،وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) ، فهذه الليلة المباركة اختارها الله عز وجل لإنزال أعظمِ كتابٍ وهو القرآنُ الكريم كما قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ،فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ " ففِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يُفْصَلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى الْكَتَبَةِ أَمْرُ السَّنَةِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا إِلَى آخِرِهَا وسميت بليلةِ القدرِ لأنها عظيمةُ القدرِ والمنزلةِ، فهي ذاتُ قدرٍ لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، وما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة ، وأن الذي يحييها يصير ذا قدر .

ثم قال سبحانه معظما من أمر هذه الليلة (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) فكان الجواب (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أي أن العبادة فيها تعادل عبادة ثلاثة وثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر، وهذا فضل من الله عظيم على العباد أن جعل لهم ليلةً واحدةً في العمر من عبد الله فيها كأنه عبده في ألف شهر كاملة .

قال تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) قال صلى الله عليه وسلم : ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين ، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى  " ، والروح هو جبريل عليه السلام يتنزل مع الملائكة الكرام في هذه الليلة لعظم شأنها وعلو قدرها.

أما عن تحريها وطلبها فقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى وقتها فقال ( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان " رواه البخاري  ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين ) فعلى المسلم أن يتحرى ليلة القدر فيما تبقى من ليالي هذا الشهر، وأن يكثر من العبادة فيها بقيامها قال صلى الله عليه وسلم (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، وبكثرة الدعاء فيها، وعن عائشة – رضي الله عنها -أنها قالت : يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أدعو ؟ قال تقولين : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "

ولها علامات تعرف بها حددها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ لاَ حَارَّةً  وَلاَ بَارِدَةً – أي معتدلة- تُصْبِحُ شَمْسُهَا صَبِيحَتَهَا ضَعِيفَةً حَمْرَاءَ."
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك


الخطبة الثانية : شرع الله- سبحانه وتعالى- لنا في ختام هذا الشهر عبادات جليلة ، يزداد بها الإيمان ويكمل بها الصيام ، ومن هذه العبادات زكاة الفطر ، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : فَرَضَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ اَلْفِطْرِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, عَلَى اَلْعَبْدِ وَالْحُرِّ, وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى, وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ. وَأُمِرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ اَلنَّاسِ إِلَى اَلصَّلَاةِ " فقد دل الحديث على وجوب زكاة الفطر.

وتجب على كل مسلم عن نفسه ملك قوت يومه وليلته، وعمن تلزمه نفقته من والدين وزوجة وأبناء  ، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون " وعن نافع أن ابن عمر : ( كان يعطي صدقة الفطر عن جميع أهله صغيرهم وكبيرهم ،عمن يعول ، وعن رقيقه ، ورقيق نسائه ) 

والخادم والعامل تجب عليه زكاة الفطر بنفسه ، فإن أخرجها عنه كفيله برضاه أجزأت ، ولا تخرج إلا عن المسلم . 

والحكمة من مشروعيتها هو ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين " 

وتخرج زكاة الفطر من غالب قوت البلد فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا نخرج في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يوم الفطر صاعا من طعام . وقال أبو سعيد : وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر " .

ويخرج المسلم منه صاعا ، والصاع هو أربعة أمداد ، وقد قدره العلماء بما يساوي 2 كيلو و أربعين جرام إلى ثلاثة كيلوا تقريبا . ويختلف تقدير الصاع في الوزن باختلاف نوع الطعام المخرج في الزكاة . 
وتدفع للفقراء والمساكين دون بقية أهل الزكاة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال :  فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ) ولأنها متعلقة بالبدن لا بالمال فأشبهت الكفارات ، فلا تدفع إلا لفقير أو مسكين . 

ويخرجها المسلم في بلد إقامته فإن زادت الزكاة عنهم فلأقرب بلد مسلم ، وإن أخرجها عنه وكيله أو وليه في بلد غير بلد الإقامة أجزأت . 

وأما وقت إخراجها فلها ثلاثة أوقات :الأول وقت جواز : وهو قبل العيد بيوم أو يومين ، لحدث ابن عمر ( كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ) رواه البخاري .فإن أخرجها قبل ذلك فلا تجزئ عنه . 
الثاني : وقت وجوب وهو قبل صلاة العيد لحديث ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة )

الثالث : وقت تحريم وهو بعد الصلاة ، ولا تجزئ عنه وإنما هي صدقة من الصدقات لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" ، ومن أخرها لعذر صحيح أخرجها بعد الصلاة وهي مجزئة إن شاء الله .

عِبَادَ اللَّهِ: يُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِصَلاَةِ الْعِيدِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى. كَمَا يُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلاَةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَنْ يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وِتْرًا: ثَلاَثًا، أَوْ خَمْسًا، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا. وَكَذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ التَّكْبِيرُ حتى يشرع الإمام في صلاة العيد

فتمسكوا بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم في أداء العبادة تفلحوا .


الخميس، 2 يوليو 2015

خطبة جمعة: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس

الخطبة الأولى : اعلموا رحمكم الله أننا في هذه الدار مكلفون بعبادة ربنا و طاعتة، ثم سنرجع إليه ليحاسبنا على طاعاتنا، قال سبحانه : " وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" ، وفي يوم القيامة يفرح أهل الطاعات والبر بأعمالهم، فيأخذون كتبهم بأيمانهم منقلبين إلى أهلهم في سرور وسعادة قال تعالى  "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ،فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا " وأما من فرط في هذه الدار في اكتساب الحسنات و طاعة رب الأرض والسموات فإنه من النادمين المذلولين الذي يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليزداد من الخير قال سبحانه "وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ" 

عباد الله : ولقد علم الله سبحانه ضعف عباده، وتكالب الأعداء عليهم، من النفس الأمارة بالسوء وحبها للشهوات والملذات وشياطين الجن والإنس، فخفف عن العباد في التكاليف، وجعل لهم من الأسباب ما تعظم به أعمالهم وتضاعف به حسناتهم، وترتفع به درجاتهم، قال سبحانه : " يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" .

ومن الأسباب التي ذكرها أهل العلم في مضاعفة الأجور والحسنات  أن يكون العمل له أثر عظيم ونفع كبير، إذ يتعدى أثره إلى الخلق، كما إذا كان فيه إنجاء من مهلكة وإزالة ضرر عن متضرر، وكشف كرب عن مكروب، فهذا العمل أجره مضاعف بحسب الأثر المرتب عليه وما يقوم في قلب العامل من الإخلاص وحب الخير للآخرين.

روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ "  ،  وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلِأَنْ أَمْشِيَ  مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَلْبَهُ رضى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى أَثْبَتَهَا لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ» 

عباد الله : إن فعل الخيرات بمساعدة الخلائق عبادة جليلة اتصف بها خير الناس وأعلاهم منزلة ،  فوصف أهل الجنة بأن من أعمالهم في الدنيا : " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ،إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا "  فما هو الجزاء على هذا الفعل قال سبحانه : " فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا " 

وهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُعِينُ الضُّعَفَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ سِقَايَتَهُ لاِبْنَتَيْ الرّجل الصالح؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)

وأخبر صلى الله عليه وسلم عن رجل دخل الجنة لأنه رأى غصن شجرة في طريق الناس فخشي أن يؤذيهم فأزاحه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ طَرِيقٍ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ" 

 وإزالة الأذى من طريق الناس من أرجى الأعمال وأعظمها عند الله تعالى فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي - حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا- فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: أَنَّ الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ . 

عباد الله : إن مساعدة الناس ومعاونتهم يجعلُ المجتمعَ مُترابطًا مُتلاحمًا، مُتوادًّا مُتراحمًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» 
كما أن أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُهُمْ نَفْعًا لِلْخَلاَئِقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» 

وَقَدْ رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي فَضِيلَةِ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَثَلَ الأَعْلَى فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ يَمْشِي مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِي لَهُمَا حَاجَتَهُمَا.

فاللهُمَّ أعنا على فعل الخيرات، والبعد عن المنكرات، وزِدْنَا مِنْ فضلِكَ، إِنَّكَ أنتَ الجوادُ الكريمُ


الخطبة الثانية: عباد الله لقد رتب ديننا الإسلامي مضاعفة الأجر والثواب على الأعمال التي يتعدى نفعها للآخرين، ولو كانت في حق البهائم والحيوانات ، فروى البخاري عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"غُفِرَ لامرأةٍ بَغِيٍّ من بَغَايا بني إسرائيلَ ، مَرَّتْ بكلبٍ على رأسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قالَ: كادَ يَقْتُلُهُ العطشُ، فنَزَعَتْ خُفِّها فأوثَقَتْهُ بخِمارِها، فنَزَعَتْ لهُ مِن الماءِ، فسَقَتْهُ، فغُفِرَ لها بذلك" ، قال بعض أهل العلم أي وفقها الله سبحانه وتعالى بهذا العمل وهو سقيها الكلب إلى التوبة من عملها السيئ  ووفقها لعمل الخير. 

قال ابن القيم وهو يصف عمل هذه المرأة وسبب فوزها بالمغفرة من الله : " مَا قَامَ بِقَلْبِ الْبَغِيِّ الَّتِي رَأَتْ ذَلِكَ الْكَلْبَ - وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ يَأْكُلُ الثَّرَى - فَقَامَ بِقَلْبِهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ - مَعَ عَدَمِ الْآلَةِ، وَعَدَمِ الْمُعِينِ وَعَدَمِ مَنْ تُرَائِيهِ بِعَمَلِهَا - مَا حَمَلَهَا عَلَى أَنْ غَرَّرَتْ بِنَفْسِهَا فِي نُزُولِ الْبِئْرِ، وَمَلْءِ الْمَاءِ فِي خُفِّهَا، وَلَمْ تَعْبَأْ بِتَعَرُّضِهَا لِلتَّلَفِ، وَحَمْلِهَا خُفَّهَا بِفِيهَا، وَهُوَ مَلْآنٌ، حَتَّى أَمْكَنَهَا الرُّقِيُّ مِنَ الْبِئْرِ، ثُمَّ تَوَاضُعُهَا لِهَذَا الْمَخْلُوقِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِضَرْبِهِ، فَأَمْسَكَتْ لَهُ الْخُفَّ بِيَدِهَا حَتَّى شَرِبَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرْجُوَ مِنْهُ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، فَأَحْرَقَتْ أَنْوَارُ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّوْحِيدِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا مِنَ الْبِغَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا" 

فتأملوا رحمكم الله : إذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى العطاش وأشبع الجياع وكسى العراة من المسلمين ، فأجره أعظم وأعظم . 

عباد الله : لا تحقروا من المعروف شيئا ، فإنكم لا تعلمون أي العمل تقومون به أرجى عند الله، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول : "اتَّقوا النارَ ولوْ بشقِّ تمرةٍ" 

فكونوا لإخوانكم خير عون في ملماتهم، بل بادر إليه قبل أن يطلبك ، عن عبيد بن عباس قال : إن أفضل العطية ما أعطيت الرجل قبل المسألة، فإذا سألك فإنما تعطيه ثمن وجهه حين بذله لك . 

وكان السلف رحمهم الله من العلماء والصالحين يعرفون قدر معاونة الآخرين وكشف الكرب عنهم، فعن مجاهد قال : صحبت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني أكثر"

ونحن في شهر رمضان، شهر الجود والإحسان،  ففيه تتنوع مجالات الجود من زكاة الفطر وتفطير الصائم والحث على الصدقة، فاغتموا هذه الأيام المتبقية لعل الله أن يرحمنا برحمتنا للخلق، فالراحمون يرحمهم الرحمن.

الجمعة، 19 يونيو 2015

خطبة الجمعة: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

الخطبة الأولى : اعلموا رحمكم الله أن إدراك شهر رمضان نعمة كبرى، تستوجب الشكر لله تعالى، فالعبد إذا اغتنم هذا الشهر زادت حسناته، وارتفعت درجاته، واقتربت من الجنة خطواته، روى ابن ماجة وأحمد عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ إِسْلامُهُمَا جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ صَاحِبِهِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا وَقَدْ خَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَيَّ فَقَالا لِي: ارْجِعْ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ: " أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ " قَالُوا: بَلَى. قال: " وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟ " قَالُوا: بَلَى قال: " وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ "
فتأملوا - يا رعاكم الله – كيف أن الله سبحانه وتعالى رفع درجة الرجل الآخر عن الأول بأداء الصلاة وإدراك شهر الصيام، فمن أدرك ذلك علم أنه في نعمة كبرى تستوجب الاغتنام .

جماعة المسلمين: إن للمنافسة في هذا الشهر ميادين يسارع إليها أهل الإيمان ، وهي ميادين العبادات ، ففي رمضان تجتمع من العبادات ما لا يجتمع في غيره ، فمن هذه العبادات عبادة الصيام وهي الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية الصيام ، فأجرها مضاعف قال النبي صلى الله عليه وسلم : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله قال الله عز وجل إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به  فالأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد ، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير عدد ، فإن الصيام من الصبر وقد قال الله: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ " .

ومن مواسم الخير في هذا الشهر التي تضاعف فيها سائر الأعمال ليلة القدر ، قال تعالى:"لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ "  قال أهل التفسير :العبادة فيها تعدل عبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لصحابته وهو يذكرهم بهذه الفضيلة: إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ" .

ومن العبادات ذات الفضل والتي تختص بالصيام عبادة السحور ، فقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وشدد عليها فقال : السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ  " وصلاة الله عليهم بأن يذكرهم الله في الملأ الأعلى وصلاة الملائكة أي دعاؤهم لهم عند الله بالمغفرة والرحمة، فما أجمله من جزاء وأعظمه، أن يذكرك الملك الجليل ويثني عليك خيرا وتدعوا لك الملائكة لأجل أكلة أو شربة تتقرب بها إلى الله تعالى، وهذا الفضل إنما يتحصل لمن قام وتسحر . 

ومن العبادات ذات الفضل في الصيام عبادة الإفطار ، فقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم على تعجيله فضائل جمة منها : أن من عجل الفطر فقد سار على سنته صلى الله عليه وسلم فقال :" لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم " ومنها ظهور الدين وعلوه على غيره قال صلى الله عليه وسلم : لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون " ، بل رتب حصول الخير في الناس في تعجيلهم للفطر وتأخيرهم للسحور فقال :" لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " ، فاستحضروا هذه المعاني –رحمكم الله- عند تأديتكم لهذه العبادة الجلية.

ومن العبادات الرمضانية ذات الأجر تفطير الصائم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا " 

 ومن العبادات ذات الأجر العظيم في رمضان أداء العمرة ، قال صلى الله عليه وسلم " عمرة في رمضان كحجة معي " 

ومن ميادين التنافس في هذا الشهر قراءة القرآن ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجوَدَ الناسِ بالخَيرِ وكَان أجودَ مَا يَكُون فِي رَمَضانَ حِينَ يَلقاهُ جِبريلُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكانَ جِبريلُ يَلقَاهُ فِي كُلِ لَيلةٍ مِن رَمضانَ يَعرضُ عَليهِ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القُرآنَ، فَإذا لَقِيهُ جِبريلُ كَانَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجودَ بالخَيرِ مِن الرِّيحِ المُرسَلةِ " 
وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَحُثُّ عَلَى تَعَاهُدِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقِرَاءَتِهِ، وَخَاصَّةً فِي رَمَضَانَ، فَيَقُولُ:« الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ، وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيَشْفَعَانِ»
فاغتنموا رعاكم الله أيام هذا الشهر ولياليه بالطاعات ، وتنافسوا في الحصول على الحسنات ، وأسالوا الله قبول الأعمال والعتق من النار  . 

الخطبة الثانية : عباد الله من العبادات في هذا الشهر المبارك عبادة قيام الليل وهي صلاة التراويح ، فقد حث عليها نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ كَانَتْ سَادِسَةٌ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ"، قَالَ: ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا بَقِيَ ثُلُثٌ مِنَ الشَّهْرِ أَرْسَلَ إِلَى بَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ، وَحَشَدَ النَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ، قَالَ دَاوُدُ: قُلْتُ: مَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ .

وأما أجر صلاة التروايح فهو مغفرة الذنوب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .

وعدد ركعاتها فهو إحدى عشرة ركعة فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا " 

والسنة في صلاة القيام هو الإطالة لا تقصير الصلاة ، على هذا جرى عمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده ، فعن السائب بن يزيد قال : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر . 

وأما ما يحصل في زماننا الحاضر من التسابق في صلاة القيام ، فأفضل المساجد صلاة أسرعهم انصرافا ، وهو أكثرهم جماعة ، خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته الكرام ، بل ما سميت صلاة القيام بالتراويح إلا لأنهم كانوا يرتاحون بين كل أربع ركعات من طول القيام.

فلا يكن همك أخي الصائم الانتهاء من الصلاة بل ليكن همك إتقانها ومجاهدة النفس على الخشوع والطمأنينة فيها ، فنحن نصلي لنتقرب إلى الله فيرضى عنا ويثيبنا عليها ، ولا نصلي لأنها من قبيل العادات أو هي ثقل على المسلم يجب أن يؤديه بأي وسيلة . 

جماعة المسلمين : حَثَّ الإِسْلاَمُ عَلَى اكْتِسَابِ الرِّزْقِ وَالْعَمَلِ، لِيَعِفَّ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، وَيَقُومَ بِحَوَائِجِ أَهْلِهِ، فَلاَ يَسْأَلُ أَحَدًا، لأَنَّ التَّسَوُّلَ يُسِيءُ إِلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، يَقُولُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:« لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، فَيَبِيعَ، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ». وَلْنَعْلَمْ أَنَّ التَّسَوُّلَ مَمْنُوعٌ، فَلْنَتَعَاوَنْ مَعَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ فِي الإِبْلاَغِ عَنْهُمْ.


الخميس، 4 يونيو 2015

محاسبة النفس وعدم الاغترار بالعمل

الخطبة الأولى : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى تَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمُضِيَ السِّنِينَ وَالأَعْمَارِ، وَفِي ذَلِكَ أَبْلَغُ عِبْرَةٍ، وَأَجَلُّ عِظَةٍ لأُولِي الأَلْبَابِ وَالأَبْصَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا). أَيْ: جَعَلَ كُلاًّ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَخْلُفُ صَاحِبَهُ، وَيَأْتِي بَعْدَهُ، لِيَسْتَطِيعَ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ بِاللَّيْلِ أَنْ يَتَدَارَكَهُ بِالنَّهَارِ، وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ بِالنَّهَارِ أَنْ يَتَدَارَكَهُ بِاللَّيْلِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الدُّنْيَا مَزْرَعَةً لِلآخِرَةِ، وَجَعَلَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِيهَا تِجَارَةً رَابِحَةً، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ:( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). فَهَنِيئًا لِمَنِ اغْتَنَمَ أَوْقَاتَهُ، وَاسْتَدْرَكَ مَا فَاتَهُ، وَأَخَذَ مِنْ حَاضِرِهِ لِمُسْتَقْبَلِهِ، فَكَانَ فِي سَعْيٍ مستمر فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَالرُّقِيِّ بِنَفْسِهِ، وَنَفْعِ أُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ.

عِبَادَ اللَّهِ: قالَ الله سبحانه وتعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، قال أهل التفسير:"وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها" فالسَّعِيدُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ، وَرَاجَعَ عَمَلَهُ، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ وَاسْتَكْثَرَ، وَإِنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ بَادَرَ بِالتَّوْبَةِ وَاسْتَغْفَرَ، فَبَابُ الْخَيْرَاتِ مَفْتُوحٌ، وَطَرِيقُ الإِنَابَةِ مُمَهَّدٌ مَيْسُورٌ، يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، قَالَ تَعَالَى:( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ). فَمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ اسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُ، وَصَلُحَتْ أَعْمَالُهُ، لأَنَّهُ أَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْصَى أَعْمَالَ الْعِبَادِ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَجْزِيَهُمْ بِهَا يَوْمَ الْمِعَادِ، قَالَ سُبْحَانَهُ:( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) أَيْ: كَتَبْنَا عَلَى النَّاسِ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلُوهُ، وَسَنَجْزِيهِمْ بِمَا فَعَلُوهُ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَشَرٌّ. وَقَالَ جَلَّ وَعَلاَ مُقَرِّرًا هَذَا الْمَعْنَى:( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) وقال سبحانه في الحديث القدسي: " يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " . 

عن إبراهيم التيمي قال : مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أىْ نفس، أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أُردَّ إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال: قلت: فأنت فى الأمنية فاعملي.

روى ابن ماجة بإسناد حسن عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا" قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ" 

وإِنَّ مِنَ الاِسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ اسْتِثْمَارَ الأَعْمَارِ، وَتَقْدِيرَ قِيمَةِ الأَوْقَاتِ، وَالنَّظَرَ فِيمَا قَدَّمَهُ الْمَرْءُ لآخِرَتِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَ بِضَاعَةٌ يَسِيرَةٌ، يُسَافِرُ بِهَا إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ، وَالتَّسْوِيفُ وَالتَّأْجِيلُ يَحْرِمُهُ مِنَ اغْتِنَامِ الصَّالِحَاتِ، فَالإِنْسَانُ قَدْ يُمَنِّي نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ، فَيَحُولُ دُونَهُ الأَجَلُ، قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:( وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وَوَعَظَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً فَقَالَ لَهُ:« اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ». 

فاغتنم وقتك وحياتك، فالسنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجَدَاد يوم المعاد؛ فعند الجَدَاد يتبين حلو الثمار من مرها.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الإِنْسَانَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَإِ وَالزَّلَلِ وَالنِّسْيَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا). وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : « كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». وَالْعَاقِلُ يُنَمِّي مَا عِنْدَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَيُكْمِلُ مَا عِنْدَهُ مِنْ نَقْصٍ، فَإِذَا قَصَّرَ فِي حَقِّ رَبِّهِ بَادَرَ بِالاِسْتِغْفَارِ، وَلَجَأَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَائِبًا، وَلِرَحْمَتِهِ رَاغِبًا، وَإِذَا قَصَّرَ فِي حَقِّ أَهْلِهِ وَأَرْحَامِهِ بَادَرَ إِلَى بِرِّهِمْ وَصِلَتِهِمْ، وَوَصَلَ مَا انْقَطَعَ، وَإذَا ظَلَمَ أَحَدًا فِي شَيْءٍ اسْتَحَلَّهُ مِنْهُ، وَطَلَبَ عَفْوَهُ وَمُسَامَحَتَهُ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:« مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». 

وَهَكَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِ يَجْبُرُ الثَّغَرَاتِ، وَيُصْلِحُ مَا فَاتَ، لِيَكُونَ مُسْتَعِدًّا بِذَلِكَ لأُخْرَاهُ، مُتَأَهِّبًا لِمَوْقِفِ الْعَرْضِ الأَكْبَرِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَفَوْزًا لِمَنِ اسْتَعَدَّ لِهَذَا الْمَوْقِفِ الْجَلِيلِ، فَرَاعَى حُقُوقَ اللَّهِ كَمَا أَمَرَ، وَأَدَّى حُقُوقَ الْبَشَرِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَابْتَعَدَ عَنِ السَّيِّئَاتِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:« مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».

الخطبة الثانية : جماعة المسلمين حذر الله سبحانه عباده المؤمنين من نسيان الآخرة والاستعداد لها فقال : "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " فإن الغفلة عن اليوم الآخر موجبة للهلاك والعقوبة، فمن نسي ربه أَنْسَاهُ مَصَالِحَ نفسِه فَعَطَّلهَا، بأن يهمل في تحصيل سعادة نفسه وفلاحها وما تكمل به، وينسى عيوبَ نفسه ونقصَها وآفاتِها، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها، وينسى أمراض نفسه وقلبه وآلامَها، فلا يخطر بقلبه مداواتُها،  وَلَيْسَ بَعْدَ تَعْطِيلِ مَصْلَحَةِ النَّفْسِ إِلَّا الْوُقُوعَ فِيمَا تَفْسَدُ بِهِ وَتَتَأَلَّمُ بِفَوْتِهِ غَايَةَ الْأَلَمِ. 

أيها المسلمون: لقد حذرنا الله -سبحانه وتعالى- من عدو لدود يسعى لإضلال العباد قال تعالى "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" ، ومن مكايد الشيطان ووسوسته على العبد أن يدخل العجب والرضا بعمله إلى نفسه، فيوهمه بأنه طائع لربه، قد صلى وصام وحج وزكى ماله، فهو من أولياء الله الصالحين، وهذا بداية الضلال. 

فمن صفات عباد الله الصالحين الخوف من عدم قبول عملهم مع اشتغالهم بالعمل، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية "وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ " قَالَتْ عَائِشَةُ أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ قَالَ « لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ». وليس خوفهم من أن لا يوفيهم الله أجرهم، بل خوفهم من عدم أداء العمل على وفق ما أراد الله سبحانه. 

فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وقد أرشدنا الله إلى الاستغفار بعد العمل، لاستدراك الخلل، فأمر عباده بالاستغفار بعد إفاضتهم من عرفات وهو من أجل المواقف وأعظمها عند الله قال تعالى " فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ،  ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"   ، وقال تعالى : "وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ" قال الحسن البصري:" مَدُّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل" وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ..، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله بعد الفراغ من وضوئه فكان يقول :سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها.
 كما قد يغتر العبد بحسن ظنه بالله وأن الله سبحانه غفور رحيم، كما قال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه: أنا عند حسن ظن عبدي بي.." فيتهاون في العمل  ويترك المحاسبة، وهذه في الحقيقة مكيدة شيطانية يكيد به إبليس العباد. 
والصحيح أن حسن الظن بالله مع رجاء رحمته إنما يكون بحسن العمل، قال الحسن البصري: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل. 
قال ابن القيم: حسن الظن بالله هو حسن العمل..، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسنُ ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه، .. فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله.." 
فعلى المسلم أن لا يغتر بعمله الذي عمله، بل عليه أن يقارن العمل بخوف ورجاء، خوف من الله وعذابه، ورجاء لرضاه ونعيمه. 
قال تعالى: " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " 


الجمعة، 29 مايو 2015

خطبة جمعة :عقيدة المؤمن في أمهات المؤمنين وواجبه تجاههن

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: قال الله عز وجل في محكم التنزيل : "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ" يخبر تعالى المؤمنين خبرًا يعرفون به حالة الرسول صلى الله عليه وسلم ومرتبته، فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة فقال: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فالله قَدْ عَلِمَ شَفَقَةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ ونصحَه لَهُمْ، فَجَعَلَهُ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَحَكمَهُ فِيهِمْ مُقَدّمًا عَلَى اخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ فقال :" فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" ، فرسول الله أعظم الخلق مِنَّةً على الناس من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من الخير، ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر إلا على يديه وبسببه، ولأجل ذلك كانت محبته صلى الله عليه وسلم مقدمة على محبة كل أحد، قال صلى الله عليه وسلم : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " 

فلذلك، وجب على المؤمنين إذا تعارض مراد النفس أو مراد أحد من الناس مع مراد الرسول، أن يقدم مراد الرسول وأن لا يعارض قول الرسول بقول أحد كائنًا من كان، وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ويقدموا محبته على الخلق كلهم، وألا يقولوا حتى يقول، ولا يتقدموا بين يديه.

جماعة المسلمين : ومن تعظيم المؤمن للرسول صلى الله عليه وسلم تعظيمه لزوجاته، لذلك قال سبحانه " وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ" فاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَكْرَمَ النِّسَاءِ, وَأَعْلاَهُنَّ قَدْرًا, وَأَجَلَّهُنَّ شَأْنًا، وَأَرْفَعَهُنَّ مَنْزِلَةً، فَجَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَهُنَّ خصائص لَيْسَتْ لِغَيْرِهِنَّ فِي الْفَضْلِ وَالْمَقَامِ؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:" يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ" 

وفي قوله تعالى " وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ" تشريف لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وتكريم للمؤمنين بأن جعل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات لهم، ومتى قوي اسستشعار المؤمن لأمومة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم له قوي إقباله على القيام بحقوقهن وزاد اهتمامه بما لهن من واجبات، مع دفاعه عنهن. 

ومعنى كون زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين أي في الاحترام والإكرام والتوقير، وتقتضي كذلك تحريمهن على المؤمنين فلا يجوز نكاحهن كما قال تعالى "وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا"  وهي أمومة دينية لا تقتضي التوارث، ولذلك لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بنتاتهن وأخواتهن، بل يعاملن في هذا الجانب معاملة الأجنبية فأمرهن الله بالحجاب، قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" وأمر الصحابة أن لا يسألوهن إلا من وراء حجاب فقال :"وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ" والإنسان لا يسأل أمه الحقيقية من وراء حجاب ولا تحتجب عنه.

وإذا تقرر أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أب لهم، والمقصود بالأبوة الأبوة الدينية التي تقتضي تربيتهم وإرشادهم لما فيه خيرهم، وعلى المؤمنين طاعته في ذلك، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا وَلاَ يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ » 

 وجاء في قراءة شاذة تقرير ذلك أيضا فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذه الآية:" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم" 

ولا يعارض ذلك قول الله تعالى "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ" فالمنفي في الآية أبوة النسب، والمثبت هو الأبوة الدينية التي تفوق أبوة النسب وتعلوها قدرا وشأنا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:" لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" 

جماعة المسلمين : ولزوجات النبي صلى الله عليه وسلم خصائص تميزن بها فمع كونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله وصفهن بأنهن لسن كأحد من النساء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الصلاة عليهن في الصلاة قبل السلام، وأنهن من اللذين يؤتون أجرهم مرتين كما قال تعالى "وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا" 

وهذه الأحكام المتعلقة بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم لا تشمل من طلقهن ولم يدخل بهن كالتي دخل عليها فاستعاذت بالله منه ففارقها.

جماعة المسلمين : فإذا علمنا تلكم المنزلة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم فما هو الواجب علينا تجاههن ؟

روى مسلم عن زيد بن أرقم قول النبي صلى الله عليه وسلم:" أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِى أَهْلِ بَيْتِى أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِى أَهْلِ بَيْتِى أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِى أَهْلِ بَيْتِى ». فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ .." فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يوصي الأمة بآل بيته خيرا، ومن أخص الناس بآل البيت زوجاته رضي الله عنهم، ولأجل ذلك كان صلى الله عليه وسلم يدعو لهن ويصلي عليهن وحث أمته على ذلك،فعن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِى: أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ قَالَ « قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ».

فيجب علينا محبتهن ومعرفة فضلهن والترضي عليهن، وسلامة الصدر تجاههن من الغل والحقد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة " وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه رضي الله عنهن والدعاء لهن ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين" 

كما يجب علينا إحسان القول لهن وسلامة اللسان تجاههن قال الطحاوي في عقيدته المشهورة :" ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذريته المقدسين من رجس فقد برئ من النفاق " 

كما يجب علينا الدفاع عنهن وعن أعراضهن والذب عنهم والرد على كل من ينتقص من قدرهن، مع دراسة سيرتهن ومعرفة أخبارهن وآدابهن فإنهن أعظم النساء قدرا، وأشرفهن فضلا، فهن القدوة لبناتنا وجميع نسائنا.


الخطبة الثانية : جماعة المسلمين لقد كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَات النبي صلى الله عليه وسلم مَنَاقِبُ جَلِيلَةٌ، وَمَآثِرُ كَرِيمَةٌ، فَمِنْهُنَّ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا، أَوَّلُ النَّاسِ إِسْلاَمًا، فَعِنْدَمَا جَاءَ الْوَحْيُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ رَجَعَ فَدَخَلَ عَلَيها وَأَخْبَرَهَا صلى الله عليه وسلم الْخَبَرَ، فَصَدَّقَتْهُ وَآمَنَتْ بِهِ، وَقَالَتْ: كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً... ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى. فَكَانَتْ لَهُ خَيْرَ سَنَدٍ وَمُعِينٍ، تُؤَازِرُهُ وَتُنَاصِرُهُ، وَقَدْ شَهِدَتْ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم مَوَاقِفَ شَدِيدَةً، فَثَبَتَتْ وَصَبَرَتْ، وَكَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قُدْوَةً رَائِعَةً لِلزَّوْجَةِ الْوَفِيَّةِ، الَّتِي تَقِفُ مَعَ زَوْجِهَا فِي شَدَائِدِهِ، وَتُقَوِّي عَزِيمَتَهُ فِي مُوَاجَهَةِ الصُّعُوبَاتِ وَالْمُلِمَّاتِ، وَسِيرَتُهَا الْعَطِرَةُ أُنْمُوذَجٌ فَرِيدٌ رَاقٍ لِلزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ، الَّتِي تُحَافِظُ عَلَى اسْتِقْرَارِ بَيْتِهَا، وَتَبْذُلُ كُلَّ وُسْعِهَا لإِسْعَادِ أُسْرَتِهَا، وَكَافَأَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ- أَيْ لُؤْلُؤٍ- لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ، وَأَمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمَ أَنْ يُقْرِئَهَا السَّلاَمَ مِنْهُ. 

قال ابن القيّم رحمه الله: "وَهَذِه لعمر الله خَاصَّة لم تكن لسواها" اهـ .. وقال بعض أهل العلم: "إنما بشَّرها ببيتٍ في الجنة، لأنها لم ترفَع صوتَها على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ولم تُتعِبه يومًا من الدهر، فلم تصخَب عليه يومًا، ولا آذته أبدًا.." 

وَكَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم وَفِيًّا لَهَا فِي حَيَاتِهَا وَبَعْدَ مَوْتِهَا، يَذْكُرُهَا وَيُثْنِي عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ:« قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلاَدَ النِّسَاءِ».

وَعَلَى مِثْلِ هَذَا فَلْيَكُنِ الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ تَضْحِيَةً وَوَفَاءً، وَبَذَلاً وَعَطَاءً، فَتَعِيشَ الأُسْرَةُ فِي سَعَادَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ، وَرَاحَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ. 

عباد الله: وَلَئِنْ سَأَلْنَا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَهِيَ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ -أَيْ قِطْعَةٍ- مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ. فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ». وَكَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى قَلْبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّه قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ:«عَائِشَةُ». 

وَأَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُبَيِّنًا مَكَانَتَهَا السَّامِيَةَ، وَدَرَجَتَهَا الْعَالِيَةَ؛ فقَالَ:« فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». وَدَعَا لَهَا صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:« اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهَا وَمَا تَأَخَّرَ، مَا أَسَرَّتْ وَمَا أَعْلَنَتْ». 

وَكَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا صَوَّامَةً قَوَّامَةً، عَابِدَةً زَاهِدَةً، كَرِيمَةً سَخِيَّةً، وَمِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَفْقَهِهِمْ، فَهِيَ مَرْجِعٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِمْ أَمْرٌ، قَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا.

وَقَدْ وَهَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الذَّكَاءَ وَالْفِطْنَةَ، وَقَدْ جَمَعَتِ الْكَثِيرَ مِنْ أَحْادِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قُدْوَةً لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْتَهِدُوا وَيَتَحَرَّوْا الْمَصَادِرَ الصَّحِيحَةَ وَالأَفْهَامَ النَّقِيَّةَ، كَمَا أَنَّهَا أُسْوَةٌ لِلْمَرْأَةِ الْمُتَفَقِّهَةِ فِي دِينِهَا، الْوَاعِيَةِ لِمُتَطَلِّبَاتِ عَصْرِهَا، تَنْفَعُ نَفْسَهَا وَأُسْرَتَهَا وَمُجْتَمَعَهَا عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ. فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا.

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنْ زَوْجَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَاحِبَةُ الرَّأْيِ الرَّشِيدِ السَّيِّدَةُ أُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، عُرِفَتْ بِحِكْمَتِهَا، وَسَدَادِ رَأْيِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَخَافُوا أَنْ يَضِيعَ أَجْرُهُمْ وَيَنْقُصَ ثَوَابُهُمْ، فَامْتَنَعُوا عَنِ التَّحَلُّلِ مِنَ الإِحْرَامِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ وَتَحَلَّلَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا. فَأَنْعِمْ بِالْعَقْلِ مِنْ نِعْمَةٍ، وَهَلْ تُسَاسُ الأُمُورُ إِلاَّ بِالْحِكْمَةِ؟ فَحَرِيٌّ بِالْمَرْءِ أَنْ يَجْعَلَ العِلْمَ قَائِدَهُ، وَالعَقْلَ رَائِدَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَطْلَبَهُ، فَيَسْعَدَ وَيَهْنَأَ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا). وَقَدْ أُوتِيَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ حَظًّا وَافِرًا؛ فَاللَّهُمَّ ارْضَ عَنْهَا وَعَنْ سَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الأَطْهَارِ الأَبْرَارِ، وَعَنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَارْزُقْنَا حُبَّهُمْ وَبِرَّهُمْ وَمَوَدَّتِهِمْ

الاثنين، 25 مايو 2015

هل الدعوة للعفاف والستر تطرف ؟

بسم الله الرحمن الرحيم الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد : 

جاءت شريعة الإسلام بكل فضيلة وحشمة، تحفظ من خلالها للمجتمع والأفراد سترهم وعوراتهم، ليعيشوا مطمئنين على أعراضهم وأنفسهم، بعيدين عن كل فاحشة وجريمة تمس حياتهم الخاصة وأقرب الناس إليهم.

فمن الضرورات التي جاءت الشريعة بحفظها ضرورة العرض والنسل، لأنها أساس وجود الأفراد والمجتمعات، ولذلك اهتم الإسلام والشرائع من قبله بحفظها  وصيانتها ومنع كل ما من شأنه أن يسيء إليها.

ومن جملة هذه الأحكام أحكام العلاقة بين الرجل والمرأة، بسبب الفطرة التي وجدت فيهما من ميل كل واحد منهما للآخر، فجاءت تشريعات الدين بأفضل الأحكام التي تحفظ لكل منهما مكانته وحقه.

فشرع الإسلام الزواج، وجعله الوسيلة الوحيدة لتحقيق الميل الفطري بينهما، وحرم بالمقابل أي علاقة يمكن أن تنشأ بينهما دون رابط شرعي، ورتب عليها عقوبة حدية ما بين الجلد أوالرجم أو القتل.

كما شرع الإسلام من الأحكام ما يضمن سلامة المجتمع من الوقوع في الجريمة التي تمس العرض والشرف، أو التي من شأنها أن تمس حقوق المرأة وكرامتها، فمنع الخلوة بمن لا تحل، وأمر بغض البصر، وأمر النساء بالحجاب .

فكانت شريعة الإسلام مغايرة ومتميزة عن غيرها من الملل في تعاملها مع العلاقة بين الرجل والمرأة.

وقد نشأ مجتمعنا الإماراتي المسلم وفق هذه التعاليم الشرعية، فاستقى عاداته وتقاليده منها، فلا نكاد نرى امرأة فيما مضى إلا وهي بلباسها الشرعي الذي يغطي جسدها، ونجد أن من أولويات الأسرة تزويج الشاب والشابة إذا ما وصلا إلى سن الزواج.

ومن هذه المنطلقات والأسس انطلقت توجيهات دولتنا الحبيبة لتحث الشباب على الزواج والعمل على تيسيره لهم، فأنشأت صندوق الزواج، ووضعت بعض الأنظمة التي تحث على الاحشام في المظهر، ووضعت القوانين التي تحمي أعراض الناس من أن يمسها ما يسيء إليها، بل تدرس العفة والحشمة والفضيلة ضمن مناهجنا الدراسية ليتأسس الأبناء على هذه القيم الحميدة. 

ولكن للأسف نجد بين الحين والآخر من يدعو لأفكار تخالف ما عليه ديننا وتقاليدنا وقوانيننا، تحت مظلة مواكبة التطور والانفتاح الذي يشهده العالم، من دون مراعاة لأطرنا الدينية والثقافية، ومن دون تمحيص موضوعي متزن يهدف إلى انتقاء الإيجابيات وترك السلبيات من تجارب الأمم والشعوب.

ويعظم الخطب وتكبر المصيبة أن يصدر مثل ذلك ممن تربى على أرض هذا الوطن، وتعلم حتى حصل أعلى الشهادات العلمية وصار حرف الدال يتقدم اسمه.

فتراه ينادي بالفكر التحرري الذي يصادم الأحكام الشرعية المتعلقة بالحشمة والعفة والفضيلة، دون أن يراعي أسس هذا المجتمع ودينه وعاداته وتقاليده.


 ولنا مع هذا الفكر المستورد ملاحظات : 

أولا : ما هو معنى التحرر الذي تنادي به هذه الطائفة من الناس ؟ 
إن التحرر أنواع، منه ما هو إيجابي ومحمود، وقد سبق إليه شرعنا الحنيف، ونادى به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، كتحرير المرأة من الجهل إلى العلم، ومن الظلم وهضم الحقوق إلى العدل والإنصاف، ومن الازدراء والتحقير إلى الرفعة والتقدير، حتى أصبح للمرأة في الإسلام شأن عظيم، وقدر رفيع، فصارت شريكة الرجل في بناء المجتمع والرقي به، ومساوية له في كل شيء إلا فيما خصه الدليل مراعاة لمقتضى المصلحة والذي هو من تمام العدل والإنصاف، ومن التحرر ما هو سلبي يرفضه الشرع والعقل، ولا يتضمن أدنى مصلحة، بل فيه من المفاسد أضعاف أضعاف .

ولكن البعض يريد نوعا معينا من التحرير، إنه تحرر المرأة من الحجاب الشرعي، ومشابهتها للأوروبيات في طريقة حياتهن بصورة مطلقة لا تتناسب مع ديننا وأعرافنا، وتحررها من أحكام الشرع في ذلك، وهم في ذلك إنما يتبعون أسلافهم من أرباب الفكر التحرري كقاسم أمين ومن نحا نحوه.

 وقد بين قاسم أمين في كتابه "تحرر المرأة" وكتاب " المرأة الجديدة " ، الصورة التي يريدها دعاة التحرير للمرأة المسلمة.

لنتأمل هذه النقاط : 

 1 – يريد أن يصل بالمرأة المسلمة عموما والمصرية خصوصا للحرية التي وصلت لها المرأة الغربية، وأن تتحرر من أحكام الشرع .

يقول مادحا المرأة الغربية في كتابه المرأة الجديدة ص 68 : " بلغ من أمر احترام الرجل الغربي لحرية المرأة أن بنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن ..ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة ....
كان من حرية المرأة الغربية أن يكون لها أصحاب غير الزوج ... والرجل في كل ذلك يرى أن زوجته لها الحق في أن تميل إلى ما يوافق ذوقها وإحساسها وأن تعيش بالطريقة التي تراها مستحسنة في نظرها .."  

هل هذا هو التحرر الذي يحب أن يفخر به  دعاة التحرر في بلادنا ؟  

هل يريدون لبنات بلدنا أن يصلوا لهذه الدرجة من الانحطاط الأخلاقي، لأجل أن نحقق التحرر الذي يدعى أنه يقود للتطور. 

لقد تطور المسلمون، وبنوا حضارة رائدة امتدت لأكثر من ثمانية قرون مع محافظتهم على أحكام شرعهم، فلم يتنازلوا عنها ، بل افتخروا بها .
واستمدوا منها روح البحث العلمي والتجديد الفكري والريادة الحضارية التي جمعوا فيها بين الأصالة والمعاصرة، جمعوا فيها بين الميراث النبوي الشريف والانطلاق في آفاق التطور العصري في مختلف المجالات، فكان تمسكهم حق التمسك بدينهم وقيمهم ومبادئهم هو رائدهم نحو التطور والازدهار؛ لأن دينهم دين إيمان وعلم وتفكر، يحثهم على تسخير نعم الله في كونه في مصلحة الإنسان وخدمته. 

2 – تهجم قاسم أمين في كتبه على الحجاب الشرعي وتمنيه لو أن يستطيع تمزيقه لأجل أن تتحرر المرأة من عبوديتها .

3- يرى أن الحجاب عادة وليس عبادة .

وقد رد عليه كثير من العلماء والمثقفين، وبينوا خطورة فكره على نساء المسلمين والمجتمع المسلم. 

  ثانيا : للأسف الشديد نجد من أرباب هذا الفكر التحرري من يصف دعاة الحشمة والعفاف والستر بأنهم أصحاب فكر داعشي، يعيشون في القرون الوسطى !!!

أقول : 

إن الدعوة إلى الستر والاحتشام والعفة لم تكن يوما أغلالا داعشية كما يدعون، ولم تعق التقدم، ولم تكن فكرا متطرفا يهدد السلم والاستقرار، بل حكم شرعي اتفقت عليه كلمة العلماء، وإن اختلفوا في جزئيات منه.

الدعوة إلى الحجاب وإلى الستر والعفة هي نص قول الله تعالى : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما "   

الدعوة إلى التحرر والعري الذي دعا إليه قاسم أمين في كتبه هو الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منه إذ قال :صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا ...وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا" رواه مسلم .
والمعنى : أي: لا يدخلنها ابتداءً؛ لأنهن بسبب هذا الجرم تحت المشيئة: إن شاء الله عذبهن ثم أدخلهن الجنة، وإن شاء غفر لهن، لا أنهن لا يدخلن الجنة أبدا .
 
فهل يسوغ لمنصف أن يعتبر هذه الأحكام الشريفة التي جاءت لتصون المرأة وتحفظ كرامتها أغلالا وتطرفا أو أنها من مخلفات العصور الوسطى ؟

ثالثا :وعندما ننظر في التاريخ فإننا نجد أن قاسم أمين حينما دعا إلى تحرير المرأة لقيت كتاباته صدى مدويا - كما يقول الزركلي في ترجمته في كتاب (الأعلام) (5/ 184) – " وقوبلت بالرفض القاطع، وانبرى كثير من العلماء والمثقفين للرد عليه، وأُلِّف في ذلك عشرات الكتب المطبوعة.

وممن رد على قاسم أمين على سبيل المثال : محمد فريد وجدي (ت: 1373هـ)، والذي ترجم له الزركلي في كتاب (الأعلام) (6/ 329) فقال: " مؤلف (دائرة المعارف)، من الكُتَّاب الفضلاء الباحثين .. تولى تحرير مجلة (الأزهر) نيفا وعشر سنين " ، وذكر من ضمن تصانيفه : " كتاب (المرأة المسلمة) في الرد على (المرأة الجديدة) لقاسم أمين ".

إلى عشرات الكتب الأخرى في هذا الصدد.

بل إن قاسم أمين نفسه صاحب دعوة تحرير المرأة أبدى ندمه على توقيت دعوته، وأقر بوجود مفاسد كبيرة من ورائها.
حيث قال في تصريح له في  صحيفة (الظاهر) في 17 أكتوبر 1906 بالعبارة الصريحة: "لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في تحرير نسائهم، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق الحجاب، وإشراك المرأة في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم، ولكن أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال وأخلاقهن بكل أسف ما جعلني أحمد الله أنه خذل دعوتي، واستنفر الناس إلى معارضتي .. رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا عليها بألسنة البذاءة، وما وجدت زحامًا فمرت به امرأة إلا تعرضوا لها بالأيدي والألسن".

فانظر كيف أقر قاسم أمين نفسه بخطورة دعوته، وما تضمنته من المفاسد الكبيرة على المرأة، والتي جعلته يحمد الله تعالى على خذلان الله له في هذه الدعوة الخطيرة.

وتأمل قوله: "واستنفر الناس إلى معارضتي"؛ تجد فيه أوضح بيان وأعمق دلالة على الرفض الكبير الذي قوبل به تجاه دعوته إلى تحرير المرأة. 

فمن الذي تلقى كتب قاسم أمين التحررية بالفخر ؟ 
إنهم المخدوعون ودعاة التحرير المنفلت فقط، بل ترجمتها دول الغرب لأنها تحقق أهدافهم الرامية إلى غزو المسلمين في فكرهم ودينهم.

وأما علماء المسلمين وكثير من المثقفين ورجال المجتمع ونسائه، والمجامع الفقهية والمؤسسات الدينية ودور الإفتاء في الدول الإسلامية والمفتون على اختلاف اتجاهاتهم فقد وقفوا وقفة واحدة حازمة تجاه مضمون هذه الكتب الذي حاد فيه صاحبها عن جادة الصواب وخرق به الأجماع.

ونورد في هذا الخصوص فتوى الدار المصرية للإفتاء برقم (4492)، والتي هي بعنوان (الرد على من أنكر فرضية الحجاب)، والتي نصت على فرضية الحجاب، وصرحت بأن ذلك مقطوع به، ومجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة، وأن ما يخالفه قول منحرف لم يُسبق إليه صاحبه.
ومما جاء في الفتوى المذكورة:
- "من المقرر شرعا بإجماع الأولين والآخرين من علماء الأمة الإسلامية ومجتهديها وأئمتها وفقهائها ومحدِّثيها: أن حجاب المرأة المسلمة فرض على كل من بلغت سن التكليف".
- "وقد بلغ من أهمية حجاب المسلمة أن ارتبط في الشريعة ارتباطا وثيقا بالصلاة، بحيث إنها لا تقبل بدونه، أي إنه فرض ديني إسلامي".
- "وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة الإسلامية سلفا وخلفا على وجوب الحجاب، وهذا من المعلوم م الدين بالضرورة".
- "وجوب ستر المرأة جسدها ما عدا وجهها وكفيها وقدميها وبعض ذراعيها هو من الأحكام الشرعية القطعية التي أجمع عليها المسلمون عبر العصور على اختلاف مذاهبهم الفقهية ومشاربهم الكفرية، ولم يشذ عن ذلك أحد من علماء المسلمين سلفا ولا خلفا، والقول بجواز إظهار شيء غير ذلك من جسدها لغير ضرورة أو حاجة تنزَّل منزلتها هو كلام مخالف لما عُلم بالضرورة من دين المسلمين، وهو قول مبتدَع منحرف لم يُسبق صاحبه إليه، ولا يجوز نسبة هذا القول الباطل للإسلام بحال من الأحوال".
- "إن موقف الشريعة الإسلامية بمصادر تشريعها كافة من فرضية الحجاب منذ فرضه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا منذ عصر النبوة وحتى عصرنا الحاضر هو موقع واضح قاطع حاسم لم يجر فيه الخلاف قط بين علماء المسلمين، ولم ينقل بنفيه أحد من المسلمين على مر العصور وتتابع الأجيال، ولا هو في أصله مما هو قابل لأن يجري فيه الخلاف، ولا هو مما يتغير بتغير الأعراف والعوائد والبلدان، فلم يكن أبدا من قبيل العادات، بل هو من صميم الدين وتكاليف الشريعة التي حملها الله الإنسان دون سائر الكانئات، وهو سائله عنها يوم القيامة".
هذا ما بعض ما تضمنته هذه الفتوى من إثبات فرضية الحجاب، والتأكيد الشديد على ذلك، وبيان الأدلة القاطعة عليه من الكتاب والسنة والإجماع.
ويمكن الاطلاع على نص الفتوى كاملا من خلال الرابط الآتي:


وقد توالت تعليقات كثيرة مستنكرة من مختلف الفئات والشرائح في الصحف والمجلات وغيرها إبان ظهور دعوة قاسم أمين، منها ما يتعلق بلغة الخطاب الديني، ومنها ما يتعلق بلغة الأدب والثقافة، وكلها تدعو إلى التمسك بالهوية، ورفض التقليد الأعمى للمرأة الأوروبية.

 ومن ذلك على سبيل المثال ما نشرته مجلة الزهور المصرية منذ أكثر من قرن من الزمان في أكتوبر سنة 1910م من تعليق لإحدى الأديبات تقول فيها: "إن الذي فهمه نساء اليوم من التقدم العصري هو الموضة في مشابهة الغربيات ملبسا وسلوكا، فالفتاة لا تقنع بحياة والدها المتواضع بل تطالبه بما فوق قدرته .. نفختها روح الكبرياء، فظنت نفسها أرفع قدرا من والديها، فجاءت إليهم متحكمة آمرة,، فإذا لم يتمُّوا رغابئها خشنت أخلاقها، وأوقعت الاضطراب بالمنزل، غاضبة على هذا، ومستهزئة بتلك، فإذا رزقت بمولود رمت به إلى المراضع منصرفة إلى زينتها ولهوها .. نحن لم نتشبه بالغربية إلا في مادة الموضة وحدها، لماذا لا نأخذ عنها نشاطها وجدها، وتعلقها بلغتها؟ هل رأينا فتاة أوربية أتقنت لغة أجنبية قبل لغتها؟ أما نحن الشرقيات فنرى أن لغة الأجنبي دليل التقدم، والغربية بذلك تستخف بنا وتسخر".


إخواني الأفاضل

علينا أن لا نتلقى هذه الأفكار التي يبثها أرباب التحرر لأنهم قد أخذوها عن غير المسلمين، فاعموا بصيرتهم، وزخرفوا الباطل في أعينهم، وصوروها فكرا متطورا، وحرية من قيود موهومة . 

نعم ! لقد نجح الغرب في تحرير المرأة، ولكن في صورة متناقضة جدا ترفضها الفطرة السليمة، إذ يقف رجل وامرأة بجانب بعضهما ، أما الرجل فلا يظهر منه إلا الرأس واليد، لأنه يرتدي (البدلة ) التي تغطيه من كتفيه إلى قدمية، وأما المرأة فتظهر عارية بلباس يغطي ما عظم وفحش من العورة.

هذا الذي يريده دعاة التحرر ؟

ومما يزيد الأمر استغرابا أن الذي ينادي بالتحرر أغلبهم من الرجال، لتعرفوا الهدف من دعواهم وهو تحقيق شهواتهم .

وكما قال القائل العاقل : هم لا يريدون حرية المرأة، بل يريدون حرية الوصول للمرأة . 

وأختم مقالي بقول الله تبارك وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

ودمتم بخير .