الجمعة، 1 يوليو 2016

خطبة جمعة : ليلة القدر - بعض أحكام زكاة الفطر والعيد

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين ، اعلموا رحمكم الله أن الدنيا دار اختبار وابتلاء ، والآخرة دار جزاء ، وقد أمرنا ربنا بالتزود لها بالعمل الصالح قال تعالى : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) .  
  
ومن نعم الله علينا أن جعل لهذه الأمة مواسم تزداد فيها الحسنات وتضاعف فيها الدرجات ، ومنها موسم شهر رمضان المبارك ، ولقد مر من الشهر أكثره ولم يبق منه إلا اليسير من الليالي والأيام ، فمن كان منكم قام بحقه فليتم ذلك وليحمد الله وليسأله القبول ، ومن كان منكم قد فَرَّطَ فيه وأساء فليتب إلى ربه فباب التوبة مفتوح . 

جماعة المسلمين : في هذا الشهر ليلة عظيمة جدا جعلها ربنا –سبحانه وتعالى- موسما عظيما للتنافس ونيل الأجر العظيم، من حرم خيرها فهو المحروم حقا  ، فعن أنس بن مالك :قال دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم "

إنها ليلة القدر قال تعالى مبينا فضلها وعلو قدرها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ،وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) ، فهذه الليلة المباركة اختارها الله عز وجل لإنزال أعظمِ كتابٍ وهو القرآنُ الكريم كما قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ،فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ " 
قال ابن كثير –رحمه الله - : أيْ: فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يُفْصَلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى الْكَتَبَةِ أَمْرُ السَّنَةِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا إِلَى آخِرِهَا. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.

وسميت بليلةِ القدرِ لأنها عظيمةُ القدرِ والمنزلةِ، فهي ذاتُ قدرٍ لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، وما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة ، وأن الذي يحييها يصير ذا قدر .
ثم قال سبحانه معظما من أمر هذه الليلة (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) فكان الجواب (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أي أن العبادة فيها تعادل عبادة ثلاث وثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر، وهذا فضل من الله عظيم على العباد أن جعل لهم ليلةً واحدةً في العمر من عبد الله فيها كأنه عبده في ألف شهر كاملة .

قال تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) قال صلى الله عليه وسلم : ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين ، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى  " ، والروح هو جبريل عليه السلام يتنزل مع الملائكة الكرام في هذه الليلة لعظم شأنها وعلو قدرها.

أما عن تحريها وطلبها فقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى وقتها فقال ( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان " ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين ) فعلى المسلم أن يتحرى ليلة القدر فيما تبقى من ليالي هذا الشهر، وأن يكثر من العبادة فيها بقيامها قال صلى الله عليه وسلم (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه )، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه صلى بالصحابة بعض الليالي من رمضان صلاة القيام، فلما كانت ليلة السابع والعشرين قال أبو ذر : جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ. قَالَ قُلْتُ مَا الْفَلاَحُ قَالَ السُّحُورُ. فعلى المسلم أن يغتنم هذه الليالي المباركة بالمحافظة على الفرائض وإتقانها، والزيادة من النوافل والمندوبات، عن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قال : مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا" كما تستغل هذه الليلة بكثرة الدعاء، فعن عائشة – رضي الله عنها -أنها قالت : يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أدعو ؟ قال تقولين : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "

ولها علامات تعرف بها حددها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ لاَ حَارَّةً  وَلاَ بَارِدَةً – أي معتدلة- تُصْبِحُ شَمْسُهَا صَبِيحَتَهَا ضَعِيفَةً حَمْرَاءَ."
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك



الخطبة الثانية : عباد الله شرع الله- سبحانه وتعالى- لنا في ختام هذا الشهر عبادات جليلة ، يزداد بها الإيمان ويكمل بها الصيام ، ومن هذه العبادات زكاة الفطر ، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : فَرَضَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ اَلْفِطْرِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, عَلَى اَلْعَبْدِ وَالْحُرِّ, وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى, وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ. وَأُمِرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ اَلنَّاسِ إِلَى اَلصَّلَاةِ " فقد دل الحديث على وجوب زكاة الفطر.

وتجب على كل مسلم عن نفسه ملك قوت يومه وليلته، وعمن تلزمه نفقته من والدين وزوجة وأبناء  ، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون " وعن نافع أن ابن عمر : ( كان يعطي صدقة الفطر عن جميع أهله صغيرهم وكبيرهم ،عمن يعول ، وعن رقيقه ، ورقيق نسائه ) 

والخادم والعامل تجب عليه زكاة الفطر بنفسه ، فإن أخرجها عنه كفيله برضاه أجزأت ، ولا تخرج إلا عن المسلم . 

والحكمة من مشروعيتها هو ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين " 

وتخرج زكاة الفطر من غالب قوت البلد فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا نخرج في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، يوم الفطر صاعا من طعام . وقال أبو سعيد : وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر " .

ويخرج المسلم منه صاعا ، والصاع هو أربعة أمداد ، وقد قدره العلماء بما يساوي 2 كيلو و أربعين جرام إلى ثلاثة كيلوا تقريبا . ويختلف تقدير الصاع في الوزن باختلاف نوع الطعام المخرج في الزكاة . 

وتدفع للفقراء والمساكين دون بقية أهل الزكاة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال :  فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ) 

ويخرجها المسلم في بلد إقامته فإن زادت الزكاة عنهم فلأقرب بلد مسلم ، وإن أخرجها عنه وكيله أو وليه في بلد غير بلد الإقامة أجزأت . 

وأما وقت إخراجها فلها ثلاثة أوقات :الأول وقت جواز : وهو قبل العيد بيوم أو يومين ، لحدث ابن عمر ( كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ) رواه البخاري .فإن أخرجها قبل ذلك فلا تجزئ عنه . 
الثاني : وقت وجوب وهو قبل صلاة العيد لحديث ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة )
الثالث : وقت تحريم وهو بعد الصلاة ، ولا تجزئ عنه وإنما هي صدقة من الصدقات لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" ، ومن أخرها لعذر صحيح أخرجها بعد الصلاة وهي مجزئة إن شاء الله .

عِبَادَ اللَّهِ: يُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِصَلاَةِ الْعِيدِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى. كَمَا يُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلاَةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَنْ يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وِتْرًا: ثَلاَثًا، أَوْ خَمْسًا، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا. وَكَذَلِكَ يُسَنُّ لَهُ التَّكْبِيرُ حتى يشرع الإمام في صلاة العيد

فتمسكوا بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم في أداء العبادة تفلحوا .


الخميس، 23 يونيو 2016

خطبة الجمعة : الحث على اغتنام العشر الأواخر من رمضان

الخطبة الأولى : اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته وطاعته، وجعل هذه الدنيا دار ممر إلى الآخرة  وجعلها ودار امتحان يختبر الله فيها عباده قال سبحانه :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"  ثم جعل للعباد يوما يرجعون فيه إلى ربهم فيجازيهم على أعمالهم وعبادتهم قال تعالى :" وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"  ولأجل ذلك حثنا الله عز وجل ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم على اغتنام هذه الحياة الدنيا بما ينفع العبد فقال تعالى:" وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ "  . 

والعبد الموفق هو الذي يستغل مواسم الخيرات التي تكثر فيها الأعمال وتضاعف فيها الأجور لأجل التقرب إلى ربه ومولاه قال سبحانه مبينا فرح أهل الجنة بأعمالهم " وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ "  ، قال المفسر السعدي رحمه الله " الذين اجتهدوا بطاعة ربهم في زمن قليل منقطع؛ فنالوا بذلك خيرا عظيما باقيا مستمرا "  

وها أنتم أيها المسلمون تعيشون أفضل الشهور والليالي ، فأفضل الشهور شهر رمضان ، وتقبلون على ليالي العشر الأخير من شهر رمضان التي هي من أفضل ليالي الدنيا، وقد أقسم الله بها في القرآن بقوله تعالى: " وَالْفَجْرِ،  وَلَيَالٍ عَشْرٍ "  قال أهل التفسير "وهي على الصحيح : ليالي عشر رمضان ، أو عشر ذي الحجة ، فإنها ليال مشتملة على أيام فاضلة ، ويقع فيها من العبادات والقربات ، ما لا يقع في غيرها" .

 وهذه الليالي كان نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه يحييها بالعبادة أكثر من غيرها، فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ . رواه البخاري ، وفي رواية لمسلم قالت : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَجْتَهِدُ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِى غَيْرِهِ. 

أيها المسلمون : من الأعمال التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر  الاعتكاف في المسجد لأجل التفرغ للعبادة ،ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله " .

ومن الأعمال إحياء الليل بالسهر فيه والانشغال بالطاعة والصلاة وقراءة القرآن والدعاء والإكثار منه ،ومن الأعمال أنه صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله أي للصلاة والعبادة واستغلال هذه العشر من رمضان ، فعن أَبِى ذَرٍّ قَالَ صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى بَقِىَ سَبْعُ لَيَالٍ فَقَامَ بِنَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ كَانَتِ اللَّيْلَةُ السَّادِسَةُ الَّتِى تَلِيهَا فَلَمْ يَقُمْهَا حَتَّى كَانَتِ الْخَامِسَةُ الَّتِى تَلِيهَا ثُمَّ قَامَ بِنَا حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ. فَقَالَ « إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَإِنَّهُ يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ ». ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ الَّتِى تَلِيهَا فَلَمْ يَقُمْهَا حَتَّى كَانَتِ الثَّالِثَةُ الَّتِىتَلِيهَا.قَالَ فَجَمَعَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ. قَالَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ. قِيلَ وَمَا الْفَلاَحُ قَالَ السُّحُورُ  . 

ومن أفضل ما تعمر به هذه الليالي العظيمة من العبادة الصدقة و قيام الليل والتهجد لله تعالى والتضرع والدعاء وقراءة القرآن .

عباد الله :  وفي هذه الليالي العشر ليلة عظيمة جدا من حرم أجرها فهو المحروم وهي ليلة القدر ، عن أنس بن مالك :قال دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم "

فلنغتنم هذه الأيام والليالي الباقية من رمضان فلا يدري أحد منا هل يتمها ويدرك رمضان القادم أم ينقضي أجله ويواريه الموت.

الخطبة الثانية : فَيَا أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ، إِنَّ أَوَّلَ مَا نَتَوَاصَى بِهِ تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وأَنْ نُحَافِظَ عَلَى قِيمَةِ الْعَطَاءِ وَالتَّطَوُّعِ الْخَيْرِيِّ لِنُعَزِّزَ وَجْهَ الإِمَارَاتِ الْمُشْرِقَ، وَدَوْرَهَا الإِنْسَانِيَّ الْمَشْهُودَ، فإِنَّ يَوْمَنا هذا هو يَوْمُ زَايد لِلْعَمَلِ الإِنْسَانِيِّ، نَسْتَذْكِرُ فِيهِ الْمَآثِرَ الْجَلِيلَةَ، وَالْقِيَمَ النَّبِيلَةَ، الَّتِي غَرَسَهَا مُؤَسِّسُ دَوْلَةِ الإِمَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ، وَبَانِي حَضَارَتِهَا الشَّيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان-طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ -وَإِخْوَانُهُ الْمُؤَسِّسُونَ، ولَقَدْ تَعَلَّمْنَا فِي مَدْرَسَةِ زَايد قِيمَةَ الْعَطَاءِ بِكُلِّ أَبْعَادِهَا الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تَجَاوَزَتْ عَوَائِقَ الْحُدُودِ وَالْبُلْدَانِ، وَاخْتِلاَفَ الأَعْرَاقِ وَالأَلْوَانِ، فَشَمِلَ عَطَاءُ الإِمَارَاتِ كُلَّ بِقَاعِ الأَرْضِ،تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». فَصَارَ الْعَطَاءُ الإِنْسَانِيُّ سُنَّةً إِمَارَاتِيَّةً عُرِفَتْ بِهَا، قَالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ»

الجمعة، 17 يونيو 2016

خطبة الجمعة : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف

الخطبة الأولى : جماعة المسلمين : من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم التي تحتوي توجيهات نافعة للمؤمن ما رواه أبو هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه – عن رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال « الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَىْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ».

يبين صلوات الله وسلامه عليه جانبا مهما من جوانب شخصية المؤمن وهو القوة، فالمؤمنون يتفاوتون في القوة، وعلى قدر هذا التفاوت يتفاوتون في الدرجة والمنزلة.

والقوة في قوله صلى الله عليه وسلم " الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ" تشمل أولا قوة الإيمان والتمسك بالإسلام وشرائعه، والضعف يشمل كذلك ضعف الإيمان والتمسك بشرائع الإسلام. 

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالذنوب والسيئات، فمن زاد إيمانه بالله، وزاد تمسكه بخصاله وشعبه كان أحب إلى الله سبحانه وتعالى ممن نقص إيمانه وبدأ يتهاون في شعب الإيمان وشرائع الإسلام.

وقد أمر الله بعض أنبياءه ورسله بأن يتمسكوا بهذا الدين بقوة قال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: " وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ " قال ابن كثير رحمه الله : "{فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أَيْ: بِعَزْمٍ عَلَى الطَّاعَةِ " وقال سبحانه آمرا بني إسرائيل : "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" قال مجاهد-رحمه الله- :" بِقُوَّةٍ: بِعَمَلٍ بِمَا فِيهِ " .

ومن القوة الإيمانية القوة في دراسة العقيدة الصحيحة  وتفهمها والعمل بمقتضياتها والرد على المخالفين فيها، قال تعالى لنبيه يحيى عليه الصلاة والسلام: "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " قال المفسر عبد الرحمن السعدي رحمه الله :  فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره ولهذا قال: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} ".

أيها الصائمون: ومن القوة المحمودة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ" القوة في الحق والأخذ به، وترك الباطل وتجنبه، رغم المغريات والعوائق وربما الظروف القاسيات ، فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية دون تهور ولا طيش ولا عواطف جياشة، بل هدفه الحق والعمل به والدعوة إليه، بغض النظر عن كثرة أتباع الباطل، قال تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم : "وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا "
فاتباع الهوى سبب للضلال والانحراف عن شريعة الله وصراطه المستقيم، قال تعالى :"وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "   

ومن اتباع الحق ورد الباطل ترك العادات والتقاليد التي تخالف شريعة الإسلام وأحكامه، وترك الأفكار التي تبين ضلالها و التي ينادي بها أرباب الفكر المنحرف ولو ذاع صيتهم وعلت مناصبهم، روى الترمذي عن عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِى سُورَةِ بَرَاءَةَ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ ».
عباد الله : ومن القوة المحمودة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ" القوة في ضبط انفعالات النفس ورغابتها، فالنفس قد تأمر بالسوء، وترغب في الشهوات وتميل إليها، فمن قويت عزيمته جمحها ومنعها وصرفها إلى ما فيه منفعتها، ومن ضعفت نفسه وقع في شراك أهواء نفسه وشهواتها فيهلك، قال تعالى :وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى".

ومن القوة في ضبط النفس كظم غيظها، وتنفيس غضبها، والعفو عمن ظلمك مع مقدرتك على الانتقام منه، قال تعالى :" ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ "  ، وقال صلى الله عليه وسلم :"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ». وقال كذلك : " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ - دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ مَا شَاءَ "

إخوة الإيمان : ومن القوة المحمودة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ" القوة العسكرية التي ترهب العدو وتجعل الدولة المسلمة مهيبة الجانب كما قال تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ "

وأنواع القوة المحمودة الداخلة في الحديث كثيرة جدا، ثم قال صلى الله عليه وسلم " وفي كل خير" ليبين فضل الإيمان بالله، وأنه من أسباب محبة الله للعبد وخيريته عنده، ولكن يتفاوت الناس في هذه المحبة وهذه الخيرية على حسب عملهم واعتقادهم .


الخطبة الثانية : جماعة المسلمين : ثم قال صلى الله عليه وسلم موجها ومعلما : " احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ" فهذه وصية جامعة نافعة، محتوية على سعادة الدنيا والآخرة، والأمور النافعة قسمان: أمور دينية، وأمور دنيوية، والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية. فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد في الأمور النافعة منهما، مع الاستعانة بالله تعالى، فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها، وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها وتكميلها: كان ذلك كماله، وعنوان فلاحه. ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة: فاته من الخير بحسبها.

وإذا سلك العبد الطرق النافعة، وحرص عليها، واجتهد فيها: لم تتم له إلا بصدق اللجوء إلى الله ; والاستعانة به على إدراكها وتكميلها وأن لا يتكل على نفسه وحوله وقوته، بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه. فبذلك تهون عليه المصاعب، وتتيسر له الأحوال، وتتم له النتائج والثمرات الطيبة في أمر الدين وأمر الدنيا

ثم ختم صلى الله عليه وسلم وصيته بقوله : " وَإِنْ أَصَابَكَ شَىْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ " وفي ذلك حض على الرضا بقضاء الله وقدره، بعد بذل الجهد، واستفراغ الوسع في الحرص على النافع من الأمور.

 فإذا أصاب العبد ما يكرهه، فلا ينسب ذلك إلى ترك بعض الأسباب التي يظن نفعها لو فعلها، بل يسكن إلى قضاء الله وقدره ليزداد إيمانه، ويسكن قلبه وتستريح نفسه ; فإن " لو " في هذه الحال تفتح عمل الشيطان بنقص إيمانه بالقدر، واعتراضه عليه، وفتح أبواب الهم والحزن المضعف للقلب. 

عباد الله : في هذه الوصايا التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم  أعظم الطرق لراحة القلب، وأدعى لحصول القناعة والحياة الطيبة، وهو الحرص على الأمور النافعة، والاجتهاد في تحصيلها، والاستعانة بالله عليها، وشكر الله على ما يسره منها، والرضى عنه بما فات، ولم يحصل منها.

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر، والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما، بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما، لأن قوله «احرص على ما ينفعك» أمر بكل سبب ديني ودنيوي، بل أمر بالجد والاجتهاد فيه والحرص عليه، نية وهمة، فعلا وتدبيرا.

وقوله: «واستعن بالله» إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي هو الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح ودفع المضار، مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك.

الخميس، 9 يونيو 2016

خطبة جمعة : الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان

الخطبة الأولى : قال الله عز وجل في محكم التنزيل : "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" ، فمن فضائل شهر رمضان أن أنزل الله فيه القرآن ، لذلك كان السلف رحمهم الله يقبلون على قراءة القرآن فيه أكثر من غيره ، فعن ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

وقد دل هذا الحديث كما قال النووي – رحمه الله – على " استحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار ، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعلاه " .

ويدل قوله رضي الله عنه " وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان " على استحباب الإكثار من التلاوة ليلا ، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم ويتواطأ فيه القلب اللسان على التدبر كما قال تعالى:" إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا "  قال ابن كثير رحمه الله: " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ هُوَ  أَشَدُّ مُوَاطَأَةً بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَأَجْمَعُ عَلَى التِّلَاوَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا} أَيْ: أَجْمَعُ لِلْخَاطِرِ فِي أَدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُّمِهَا مِنْ قِيَامِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ النَّاسِ ولَغَط الْأَصْوَاتِ وَأَوْقَاتُ الْمَعَاشِ.

ويدل على ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه :  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَىْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِى فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِى فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ. وقال صلى الله عليه وسلم : " وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ . فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ.  فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ .فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ، أَوْ تَرْتِيلًا "

جماعة المسلمين : تلاوة القرآن وصية نبينا صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: " أَوْصَيْتُكَ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ أَزْيَنُ لِأَمْرِكَ كُلِّهِ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ "

ولقد جعل الله لنا بكل حرف حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها قال صلى الله عليه وسلم " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» فكم من الحسنات ضيعت وكم من الأوقات في القيل والقال أهدرت مما سيندم عليه العبد يوم القيامة .  

وقد أنثى الله عز وجل في كتابه على من يتلو كتاب الله عز وجل ووعدهم بالأجر العظيم فقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ "  قال أهل التفسير في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ) أي : يتبعونه في أوامره ، فيمتثلونها ، وفي نواهيه  فيتركونها، وفي أخباره فيصدقونها ويعتقدونها ، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال . ويتلون أيضا ألفاظه بدراسته معانيه، بتتبعها واستخراجها .

وقد أقبل السلف رحمهم الله على كتاب الله تلاوة وتدبرا وعلما وعملا حتى صار ذلك من صفاتهم قال الإمام الأوزاعي رحمه الله : كان يقال : خمس كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان : لزوم الجماعة واتباع السنة وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله". وسبب ذلك طهارة قلوبهم وخلوها من العوائق التي تصد عن ذكر الله وكلامه ، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : " لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل " وقال ابن القيم رحمه الله ( فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن ولا يتغذى إلا بحقائقه ولا يتداوى إلا بأدويته بخلاف القلب الذي لم يطهره الله تعالى فإنه يتغذى من الأغذية الفاسدة التي تناسبه بحسب ما فيه من النجاسة )

والعبد إذا لم يشعر بحلاوة القرآن في قلبه وضعف إقباله عليه فليحاسب نفسه، فإن في قلبه ما يصده عن الله وكلامه ، فعن الحسن البصري قال : تفقدوا الحلاوة في ثلاث : في الصلاة وفي القرآن وفي الذكر، فإن وجدتموه فامضوا وأبشروا وإن لم تجدوها فاعلم أن بابك مغلق" 

فتأثر القلب بكلام الله من صفات المؤمنين قال تعالى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  

فينبغي على المسلم أن يسارع باغتنام هذه الأيام المباركات ، وباستغلالها قبل الفوات ، فإنما هي أيام معدودات ، تمضي وتفوت ، فالسعيد الموفق من اغتنم الفرصة ، وفاز بالخير الكثير ، والخاسر المخذول من ضيع أيامه ولياليه ، في اللعب والتسلية. 


الخطبة الثانية : عباد الله ، من فضائل قراءة القرآن أن من جلس في المسجد يتلو كتاب الله ويتدارسه وعده الله بالرحمة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مَا اجْتَمَعَ قوم في بيت من بيوتِ اللهِ يَتْلُونَ كتابَ اللهِ تعالى ، ويتَدَارَسُونَهُ بينهم إِلا نَزَلَتْ عليهم السكينةُ ، وَغَشيَتهم الرحمةُ ، وحَفَّتهمُ الملائكةُ ، وذَكَرهُمُ اللهُ فيمن عِندَهُ "  فلم التكاسل عن هذا الخير يا عباد الله 
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ ( والناقة الكوماء هي الناقة العظيمة السنام وهي من أفضل أنواع النوق ) فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ»
فلنستغل أوقاتنا في بيوت الله، بتلاوة كتابه لنغنم هذا الأجر العظيم .

أيها المؤمنون : لقد رغبنا الله سبحانه في تلاوة القرآن بتدبر وتفهم، فقال سبحانه: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"  والتدبر هو أن يتفهم التالي معاني الآيات والحِكم الواردة فيها، وليس مجرد قراءة خالية من الفهم والتعقل، وقد كان الواحد من السلف إذا قرأ القرآن أيقن أنه هو المخاطب بآياته وأوامره ونواهيه، وليست مجرد كلمات تهذ وتقرأ كما يقرأ الشعر، قال ابن مسعود- رضي الله عنه- إذا سمعت في القرآن يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه.

وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم، فكان يتأثر بالقرآن إذا قرأه أو قرئ عليه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ عَلَيَّ .  قُلْتُ أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟  قَالَ: إِنِّي أحب أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي . قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتُ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاَءِ شَهِيدًا) قَالَ لِي: كُفَّ أَوْ أَمْسِكْ. فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ .   فقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب في هذه الآية، فتأثر بها حتى بكى صلوات الله وسلامه عليه. 

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يتدبر الآيات وهو في صلاته، فروى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة... ـ إلى أن قال: ـ فإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. رواه مسلم.

وهذه طريقة السلف رحمهم الله في تعاملهم مع كتاب الله، يتلونه ويتدبرونه ويعملون بما فيه، فها هو أبو بكر الصديق رضي عنه الله كان لا يتمالك نفسه عند قراءته للقرآن من تأثره به ، قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا بكر يصلي بالناس: " إن أبا بكر رجل أسيف إن يقم مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة" ، والخليفة الراشد عمر رضي الله عنه قرأ مرة بسورة يوسف في صلاة الفجر، فلم يسمع من كان في أواخر الصفوف صوته من بكائه خصوصا لما قرأ قوله تعالى : "قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " ، وعن نافع مولى ابن عمر قال : ما قرأ ابن عمر بهاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "  ثم يقول : إن هذا  الإحصاء شديد " 

وعن أبي حمزة قال: قلت لابن عباس إني سريع القراءة، إني أقرا القرآن في ثلاث. قال رضي الله عنه: لأن اقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ" وعن ابن مسعود قال : لاَ تَهُذُّوا الْقُرْآنَ كَهَذِّ الشِّعْرِ ، وَلاَ تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ وَلَا يَكُونُ هَمُّ أَحَدِكُمْ مِنَ السُّورَةِ آخِرَهَا . 

ومما يعين على تدبر الآيات قراءة ما كتبه أهل التفسير في تفسير كلام الله، فإن المفسر يجلي لك معاني الآيات فيسهل عليك تدبرها وفهم معناها.

قال ابن القيم: فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر... فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها ...، فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب " 

الجمعة، 3 يونيو 2016

خطبة الجمعة : نعمة إدراك شهر رمضان المبارك

الخطبة الأولى: أيها المسلمون خلق الله الخلق وأمرهم بعبادته وحده دون سواه فقال سبحانه " يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "  ، ووعدهم على عبادتهم وتوحيدهم له بالجنة فقال:"وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"، وأمرهم بالمسارعة في فعل الخيرات للتزود ليوم القيامة فقال سبحانه:"فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" ، ومن رحمة الله بعباده أن هيأ لهم مواسم تكثر فيها الخيرات وتضاعف فيها الحسنات، وقد جاء في الأثر : " افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده " ، ومن هذه المواسم موسم شهر رمضان الذي سيحل علينا بعد أيام قلائل.

إخوة الإيمان: إن إدراك المسلم لشهر رمضان فيصومه متقربا لله تعالى، مغتنما أيامه ولياليه، من أكبر النعم التي يمنها الله عليه، لأنه موسم فضائله متنوعة، وعباداته سهلة يسيرة، ولأجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر به أصحابه ويبين فضائله لتعلو هممهم، ويتسابقوا في فعل الخيرات، ويتنافسوا في القربات، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : « أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ ». 

ما أعظمها من فضائل، وما أغنمها من فرص، أبواب السماء مفتحة لكم أيها الصائمون، وتغلق فيه أبواب النيران، ويعان فيه المسلم على الطاعة إذ تحبس مردة الشياطين فيخف شر العدو عليك أيها الصائم، ثم يكافؤ المؤمن الحريص والمشمر المسابق بليلة واحدة العبادة فيها خير من عبادة في ألف شهر إنها ليلة القدر.

ومن عجيب القصص والأخبار، مما يدلنا على أن إدراك رمضان من الفرص الكبار، ما جاء عن طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخِّرَ الآخَرُ بَعْدَ الْمَقْتُولِ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ. قَالَ طَلْحَةُ: رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فِي الْمَنَامِ، فَرَأَيْتُ الآخَرَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَوَّلِ، فَأَصْبَحْتُ فَحَدَّثْتُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَبَلَغْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ وَصَلَّى بَعْدَهُ سِتَّة آلَاف رَكْعَة وَكَذَا كَذَا رَكْعَة ".
فتأملوا يا رعاكم الله : أسلما جميعا، ومات أحدهما شهيدا، ومات الثاني بعده بسنة، ولكن فضل عليه بمزيد عمل عمله، ومنه إدراكه لشهر رمضان. 

فهذه النعمة بإدراك شهر رمضان تستوجبُ الشكرَ للباري، وتقتضي اغتنام هذا الشهر، بما يكونُ سبباً للفوزِ بدارِ القرارِ، والنجاةِ من النار، فمن حرم فضل هذا الشهر فهو المحروم ، وأي خسارةٍ أعظمُ من أن يدخلَ المرءُ فيمن دعا عليهم جبريلُ عليهِ السلام ، وأمنَّ على دعائهِ نبيُّ الأنامِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم حيثُ قال جبريل : ((من أدركَ شهرَ رمضانَ فلم يغفر له، فدخلَ النارَ فأبعدهُ الله قل: آمين، فقلت: آمين))

أيها المؤمنون : من الفضائل العظيمة لشهر رمضان أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن فقال تعالى " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ". وقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ الشَّهْرُ الذِي كَانَتِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ تَنْزِلُ فِيهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فصح عَنْ وَاثِلَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ لِثَلَاث عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ "

ومن فضائله العظيمة قوله صلى الله عليه وسلم " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ"

ومن فضائل هذا الشهر أنه مكفر للذنوب والخطايا وسبب للمغفرة قال صلى الله عليه وسلم" من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" 

قال الخطابي رحمه الله :قوله " إيمانا واحتسابا " أي نية وعزيمة وهو أن يصومَهَ على التصديقِ والرغبةِ في ثوابهِ طيبةً بهِ نفسهُ غيرَ كارهٍ له ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه ، لكن يغتنم طول أيامه لعظم ثوابه "

ومن فضائل هذا الشهر المبارك ما رواه البزار بسند صحيح عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال :  جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا قال من الصديقين والشهداء" 

فما أعظمه من أجر ، فمن جمع هذه العبادات اليسيرة كان من الصديقين والشهداء الذين يكونون مع أفضل الخلق قال تعالى : " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ، ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا" 

فاغتموا رحمكم الله هذا الشهر بالطاعات والعبادات، فإنكم لا تدرون هل تدركونه في مستقبل أعماركم أم يضمكم التراب، وتصيرون إلى أعمالكم . 



الخطبة الثانية : يقول الله جل وعلا :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا  كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)  فالصيامَ من أكبرِ أسبابِ تحقيق التقوى؛ لأن فيهِ امتثالاً لأمرِ اللهِ واجتناباً لنهيه ، فالصائمَ يتركُ ما أحل الله له من الأكلِ والشربِ والجماعِ ونحوها التي تميلُ إليها نفسهُ متقرباً بذلك إلى الله راجياً بتركها ثوابهُ ، فهذا من التقوى ،  كما أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه باطلاع الله عليه وهذا فيه تحقيق لدرجة الإحسان وهي أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . 

والصائم ليله ونهاره في عبادة ، فقد ترك شهواته لله بالنهار تقربا إليه وطاعة له ، وبادر إليها في الليل تقربا إليه وطاعة فما تركها إلا بأمر ربه ولا عاد إليها إلا بأمر ربه فهو مطيع في الحالين .

قال أهل العلم : المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه : جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام ، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفِّيَ أجره بغير حساب"

أيها المؤمنون : إن عبادة الصيام التي تتقربون بها إلى الله في شهر رمضان من أجلِّ العبادات وأشرفها، فقد فضَّلهُ سبحانه على كثيرٍ من القرباتِ والطاعاتِ، ورفعَ منزلتهُ وميّزهُ على أنواعِ العباداتِ بقوله في الحديثِ القدسي ،" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ  " وفي رواية : " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا , إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ , إِلَى مَا شَاءَ اللهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي , وَأَنَا أَجْزِي بِهِ  يَدَعُ طَعَامَهُ , وَشَرَابَهُ , وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي "  . قال ابن رجب رحمه الله : " الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد ، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير عدد ، فإن الصيام من الصبر وقد قال الله (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)ا.هـ، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر "

والصوم له فضائل جمة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ" 
أي رائحة فم الصائم الكريهة بسبب خلو المعدة من الطعام بالصيام ، فهي أطيب عند الله تعالى من رائحة المسك الزكية، لأنها ناشئة عن طاعة لله وابتغاء مرظاته. 

قال ابن حجر: ويؤخذ من قوله (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) أنه أعظم من دم الشهادة، لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب.." 

وقوله صلى الله عليه وسلم(وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ ) فالفرحة الأولى : في الدنيا وتكون في موضعين، الأول عند فطره بعد غروب الشمس لأن النفس مجبولة على الفرح إذا أبيح لها ما منعت منه ، والثاني فرح عند نهاية الشهر . بإتمام العبادة ورجاء أن يوفيه ربه أجره .
أما الفرح الثاني فهو عند لقاء الصائم ربه سبحانه وتعالى ، يفرح لأنه يقال له "كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ  " ورد عن مجاهد قال: نزلت في الصائمين، يفرح الصائمون لأن ريحهم تفوح مسكا ، ولأن لهم بابا في الجنة لا يدخل منه غيرهم قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ فِى الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ » يفرحون لأن جزاؤهم من جنس عملهم، فكما أنهم أجاعوا أنفسهم في الدنيا لنيل مرضاة الله ، فكذلك يجازيهم الله بأن يشبعهم يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: فإن أطولكم جوعا يوم القيامة أكثركم شبعا في دار الدنيا " 

فافرحوا –رحمكم الله- بإدراككم شهر رمضان، واسألوا الله سبحانه وتعالى أن يعينكم على صيامه وقيامه، وانشغلوا فيه بأداء العبادات، فإنه شهر العبادة، فَاللَّهُمَّ سَلِّمْنَا إِلَى رَمَضَانَ, وَسَلِّمْ لَنَا رَمَضَانَ, وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا مُتَقَبَّلاً،واجعلنا فيه من عتقائك مِنَ النِّيرَانِ

الجمعة، 27 مايو 2016

خطبة جمعة : من أحكام الزكاة

الخطبة الأولى : عبادَ الله، من أركان الدين وفرائضه الزَّكَاةُ قَالَ تَعَالَى آمرا بها:( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»، فالزكاة فريضة معلومة من الدّين بالضّرورة، فرضيتُها ثابتة بالآيات القرآنيّة والسنّة المتواترةِ وإجماعِ الأمّة كلِّها، يوصَم بالفسق من منعَها، ويُحكم بالكفر على من أنكرَ وجوبَها.  

معاشرَ المسلمين، الزّكاة سببٌ للنّجاة من كلّ مرهوب، وطريقٌ للفوز بكلّ مرغوب قال تعالى: "فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى،  الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى،  وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى،  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى "  وسَبِيلٌ للرحمةِ والغُفْرانِ، قالَ تباركَ وتعالَى "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ" 
ونبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم يقول موجِّهًا للأمّة ومبشرا: ((اتقوا الله ربَّكم، وصلّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وأدّوا زكاةَ أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربّكم)) . 

ومن فوائد الزكاة أن لها تأثيرا على  السلوك وتهذيبا  للنفوس والقلوب من أمراض البخل والشح قال تعالى :" خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " ، فقوله (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) قال أهل التفسير: أي تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة، وتزيد في أخلاقهم الحسنة . 

إخوةَ الإيمان، لقد وجّه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الوعيدَ الشديد لمانِعي الزّكاة والمتهاونين فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاتَه مُثِّل له يومَ القيامة شجاعًا أقرع -أي: كناية عن أخبث الحيّات - له زبيبتان، يطوّقه يومَ القيامة، ثمّ يأخذ بلهزمَتَيه - يعني بشدقيه ، والشدق هو جانب الفم- ثمّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك))، ثم تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم قوله جلّ وعلا: " وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَة " ، وتأثير منع الزكاة والعقوبة عليه لا تشمل الفرد وحده بل يعم المجتمعات، فمتى ما منع قوم زكاة أموالهم ابتلاهم الله بالقحط وقلة المطر قال صلى الله عليه وسلم : (وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا) .

واحذروا رحمكم الله من وسوسة الشيطان فإنه يغري العبد بجمع المال وكنزه، ويخوفه من الفقر، يريد بذلك إهلاكه قال تعالى :" الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" . وقوله تعالى : (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) أي يأمر العباد بالبخل الذي هو من أقبح الفواحش وأسوأ الصفات الممقوتة في العبد. 

جماعة المسلمين : للزكاة أحكام لا بد للمسلم أن يتعلمها ويتفقه فيها ليكون على بينة من دينه، فالزكاة تجب على المسلم بتوافر شرطين هما ملك النصاب ملكا تاما مستقرا ، وأن يحول حول هجري كامل على المال الذي بلغ نصابا في حوزة مالكه لقول رسولِ  اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«مَنِ اسْتَفَادَ مَالاً فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ»، وهذا الشرط خاص ببهيمة الأنعام والنقدين وعروض التجارة ، وأما الزروع والثمار فلا يشترط لها الحول لقوله تعالى : "وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " 

وأما الأموال التي تجب فيها الزكاة فهي بهيمة الأنعام وتشمل الإبل والبقر والغنم ، والنقدان وهما الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من العملات الورقية المتداولة اليوم ، وتشمل عروض التجارة وهي كل ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح ويدخل فيها الأسهم التجارية ، وتشمل الخارج من الأرض كالحبوب والثمار .

وأما زكاة النقدين من الذهب والفضة والأوراق النقدية ، فتجب بملك النصاب ، ونصاب الذهب ما يساوي خمسة وثمانون جراما من الذهب الخالص، ونصاب الفضة تبلغ خمسمائة وخمسة وتسعين جراما ،ونصاب الأوراق النقدية يكون ببلوغها نصاب الذهب ويخرج منها ربع العشر ( 2.5) . 

ولا خلاف بين أهل العلم في وجوب الزكاة في الحلي المعد للادخار والإيجار وفي الحلي المحرم كالرجل يتخذ خاتما من ذهب ، وأما الذهب والفضة المعد للاستعمال والزينة فالصحيح وجوب الزكاة فيه لعموم النصوص الواردة في وجوب زكاة الذهب والفضة  . 

أما زكاة بهيمة الأنعام فتشمل الإبل والبقر والغنم ، وهي على أقسام ؛ القسم الأول أن تكون معدة للتجارة والبيع والشراء فهذه فيها زكاة ولو كانت أقل من نصابها الشرعي وسواء كانت معلوفة من قبل صاحبها أو ترعى من المرعى  ، والقسم الثاني  أن تكون معدة للحم والتوالد ، فإن كانت سائمة ترعى من المرعى الذي أنبته الله في الجبال والوديان ففيها الزكاة ، أما إذا كان صاحبها هو الذي يشتري لها العلف أو يزرعه لها فليس عليها زكاة  

القسم الثالث: وهي التي تأكل من المرعى ويعلفها صاحبها فالعبرة برعيها أكثر الحول ، فإن كان أكثر رعيها خلال العام من المرعى ففيها زكاة، وإن كان أكثر أكلها من العلف المشترى والمزروع فلا زكاة فيها. 

ونصاب الغنم والضأن أن من ملك أربعين شاة إلى مائة وعشرين شاة فيخرج  شاةً واحدة لا يقل عمرها عن سنة، فمن زاد إلى مائتين فيخرج شاتين ، ونصاب الإبل من ملك  من الإبل خمسا إلى العشرين ففي كل خمس شاة، فمن ملك خمسا أخرج شاةً واحدة ، وفي العشر شاتان، فإن بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي البكرة التي أتمت سنة.  وأما البقر فمن ملك ثلاثين بقرة فيخرج تبيعا وهو ما أتم من البقر سنة من عمره ودخل في الثانية ذكرا كان أو أنثى، ومن ملك أربعين فيخرج مسنة وهي البقرة التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة 

وأما زكاة الزروع الثمار فلا يراعى الحول في زكاة الزروع ، بل يراعى الموسم والمحصول لقوله تعالى { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } ، ونصابها كما قال صلى الله عليه وسلم (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) متفق عليه وهو ما يعادل تقريبا ستمائة وثلاث وخمسون كيلو جرام ، ويختلف مقدار زكاة الزروع بحسب الجهد المبذول في السقي ، ففي حال الري بماء المطر والعيون والآبار دون استخدام الآلات ففيها العشر من المحصول ، فإن استخدمت الآلات ففيه نصف العشر من المحصول وإن تم السقي بالمناصفة ففيه ثلاثة أرباع العشر 


الخطبة الثانية : جماعة المسلمين : مما يكثر السؤال عنه زكاة  الدين ، فإذا أقرضت شخصا مبلغا من المال على أن يسدده بعد فترة معينة ، فعند إخراج زكاة مالك هل تحسب مبلغ الدين مع مبلغ الزكاة ؟
قال بعض أهل العلم : والصحيح أنه تجب فيه الزكاة كل سنة ، إذا كان على غني باذل (بمعنى إن الدين مضمون السداد لكون المقترض لديه ما يسدد به ) فهو في حكم الموجود عندك .

أما إذا كان على مماطل أو معسر ( بمعنى أنه لا يستطيع السداد أو يتهرب من سداد القرض ) فلا زكاة عليه لأنه عاجز عنه ، ولكن إذا قبضه يزكيه مرة واحدة في سنة القبض فقط ولا يلزمه زكاة ما مضى.

وتجب الزكاة في الأموال المعدة للتجارة كالمحلات التجارية التي تحتوي بضاعة، بأن يحصى ما فيها مما هو معروض للتجارة، ويقوم بسعر السوق عند تمام الحول ثم تزكى مع الربح لأنه تابع لحول أصله، وكذلك تجب الزكاة في الأسهم المباحة، على تفصيل يسأل ملاكها عنها أهل العلم  .

للزكاة مصارف ثمانية تصرف فيها دون غيرها قال تعالى: " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"  

ولا تعطى الزكاة إلى الأقارب الذين يلزم المسلم الإنفاق عليهم كالأب والأم والأبناء ذكورا أو إناثا ولا الزوجة ، أما إذا كان الزوج فقيرا أو مسكينا والزوجة غنية فلها أن تعطيه من الزكاة، وتُعطى الزكاة للأخ والعم وغيرهم من الأقارب في حال كونهم مستحقين لها.

وتُؤَدَّى الزكاةُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ:« فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». فَإِنْ فَاضَ عَنْ حَاجَةِ الْبَلَدِ نُقِلَ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ أَشَدَّ حَاجَةٍ عَبْرَ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي حَدَّدَهَا الْحاكم

ويجب إخراج الزكاة على الفور مع الإمكان، ولقَدْ أنشأَتْ قيادَتُنَا الرشيدةُ صندوقَ الزكاةِ، الذِي يقومُ بدوْرٍ واضحٍ فِي جمْعِ أموالِ الزكاةِ وصرفِهَا لِمُستحقِيهَا وفْقَ أُسسٍ شرعيةٍ وعلميةٍ فِي التوزيعِ والعدالةِ، فعلينَا أَنْ نتعاونَ معَهُ لأداءِ رسالتِهِ، ولتحقيقِ التكافُلِ الاجتماعِيِّ، وتقويةِ أواصِرِ المحبةِ والمودةِ بيْنَ فِئاتِ المجتمعِ. وكذلك الجمعيات الخيرية الرسمية في الدولة فكلها جهات معتبرة موثوقة ، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.


الخميس، 19 مايو 2016

خطبة الجمعة : رفع الأعمال إلى الله

الخطبة الأولى : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لغاية عظمى وهي توحيده وعبادته فقال سبحانه : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" ، ووعدنا سبحانه بيوم نرجع فيه إليه لنحاسب على أعمالنا فقال : "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"  وَأَخْبَرَنَا أَنَّهَا سَتُوزَنُ بِمِيزَانِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فقَالَ سُبْحَانَهُ:( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ). وَاسْتِشْعَارُ الْمَرْءِ وُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِيُحَاسِبَهُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، يَجْعَلُهُ يُبَادِرُ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ اسْتِعْدَادًا لِيَوْمِ الْعَرْضِ الأَكْبَرِ، ولذلك حثنا سبحانه على المسارعة في الأعمال والاستباق إليها فقال : "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " 

وَ أَعْمَالُ النَّاسِ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كل يوم، و كُلَّ أُسْبُوعٍ يَوْمَيْ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، ثُمَّ تُرْفَعُ أَعْمَالُ السَّنَةِ كُلِّهَا فِي شَعْبَانَ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ، أما العرض اليومي فروى مسلم عَنْ أَبِى مُوسَى –رضي الله عنه- قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ " ، وَيَسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَلاَئِكَتَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَنْ أَعْمَالِ عِبَادِهِ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، وَصَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَلإِ الأَعْلَى لِيُبَاهِيَ بِهِمْ مَلاَئِكَتَهُ، فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَخَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقْتَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ؛ لأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِمَا أَدَلُّ عَلَى الإِخْلاَصِ؛ لِكَوْنِهِمَا وَقْتَ اشْتِغَالٍ وَغَفْلَةٍ. 

وَقَدْ نَبَّهَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) أَيْ: إِنَّ صَلاَةَ الْفَجْرِ تَشْهَدُهَا مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ. وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَخَصَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى -وَهِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ- بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ فَقَالَ تَعَالَى:( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). 

فَمَنْ أَدَّى صَلاَتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ حَازَ الأَجْرَ الْعَظِيمَ، وَاسْتَحَقَّ جَنَّةَ النَّعِيمِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». 

فَيَا فَوْزَ مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي جَمَاعَةٍ فَبَاهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مَلاَئِكَتَهُ فِي الْمَلإِ الأَعْلَى.

عِبَادَ اللَّهِ: وَتُعْرَضُ الأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عرضا أسبوعيا في يَوْمَيْ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُمَا، فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه ليومي الإثنين والخميس قَالَ:« ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». 

أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: وَتُرْفَعُ أَعْمَالُ الْعَامِ كُلِّهِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». فَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ سَبَبَ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ أَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، قال ابن رجب –رحمه الله- : وفيه دليل على استحباب عمارة أزمان غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب إلى الله عز وجل . 

فاجتهدوا رحمكم الله في طاعة ربكم، فإنكم في مواسم عظيمة ، تكثر فيها الأعمال وتضاعف فيها الأجور،  فَيَا فَوْزَ مَنِ اغْتَنَمَ مَوَاسِمَ الْخَيْرِ، فَاسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ، وَسَارَعَ إِلَى عَمَلِ الصَّالِحَاتِ، لِيَفُوزَ بِالْجَنَّاتِ. فَاللَّهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَاتِنَا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ .


الخطبة الثانية : جماعة المسلمين : لقد ورَدَ فِي فضل ليلةِ النّصْفِ مِن شعبانَ مِن طُرُقٍ كثيرةٍ أحاديثُ صحَّحَها بعض أهلُ العِلمِ ومن ذلك ما وَرَدَ عنْ معاذٍ بنِ جبلٍ رضيَ الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يطَّلعُ اللهُ إلى جميع ِخلقِهِ ليلةَ النصْفِ مِن شعبانَ، فَيَغْفِرُ لِجَميعِ خَلْقِهِ إلا لِمُشْرِكٍ أوْ مُشاحِنٍ))،وعن أبِي ثعلبةَ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((يَطَّلعُ اللهُ إلى عبادِهِ ليلةَ النصْفِ مِن شعبان، فيغفرُ للمؤمنين، ويُمْهِلُ الكافرين، ويدعُ أهلَ الحقد بِحِقدِهم حتى يَدَعُوه))

فهذه الأحاديث - أيها المؤمنون - فيها إثباتُ مغفرةِ الله تعالى فِي ليلةِ النصفِ مِن شعبانَ لِعبادِهِ إلا لِمُشْرِكٍ بأيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الشِّرْكِ ولِمُشاحِنٍ بينه وبين أخيه هجران وقطيعة.  

والشرك أمره عظيم جدا، خافه الأنبياء والصالحون، فقال إبراهيم عليه الصلاة السلام: " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ" قال إبراهيم التيمي رحمه الله: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. ، وخافه النبي صلى الله عليه وسلم على صحابته فقال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: (يَا أَبَا بَكْرٍ لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخر؟ قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ قَالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لما لا أعلم).

فعلينا أن نحاسب أنفسنا ونتوب إلى الله من شرك وقعنا فيه بجهل، ومن الشرك الحلف بغير الله، ومن الشرك الذهاب للسحرة والكهان، ومن الشرك الرياء وفعل الطاعات لأجل ثناء الناس، ومن الشرك الاستعانة بالجن والذبح لهم.

 أما الصِّنفُ الآخَرُ الذين حُرِمُوا تلكَ الليلةَ مِنْ تكفيرِ السيئاتِ ومَغفرةِ الذنوبِ فَهُمْ الْمُشاحِنُونَ وأهلُ الحقدِ؛ وهذا يدُلُّ على خطورةِ الشحناءِ والتباغُضِ بين المسلمين، فاحْرِصُوا عَلَى سَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَصَفَاءِ الْقُلُوبِ.

وَيَدْخُلُ في قوله صلى الله عليه وسلم: «أو مُشَاحِنٍ»: مخالفةُ سَبيلِ المؤمنينَ بالإعراضِ عن سُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم والخُرُوجِ عَنْ هَدْيِهِ، قالَ الإمامُ الأوزاعيُّ: المشاحِنُ كلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ فارَقَ عليها الأُمَّةَ.اهـ.

ولا شَكَّ أنَّ طريقَ الإحْداثِ في الدِّينِ عاقِبَتُهُ وَخِيمَةٌ سَيِّئَةٌ على صاحِبِهِ، فَقَدْ يَصِلُ به الحالُ إلى الحِقْدِ على السُّنَّةِ وأَهْلِها، وَكذلكَ مَنْ نَقَلَها إِلَيْنا مِنْ صَحَابةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ قَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعيدٍ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلا غَلَّ صَدْرُهُ عَلَى الْمُسْلِمين.اهـ، وقد تَتَشَرَّبُ البِدَعُ قَلْبَ العَبْدِ –والعِياذُ بِاللهِ-؛ حَتَّى تَصِلَ إلى حَمْلِهِ عَلَى اسْتِباحَةِ أَعْراضِ المـُسْلِمِينَ وأَمْوالِهم ودِمائِهِم، قال ابنُ ثَوْبانَ: المشاحِنُ: هو التَّاركُ سُنَّةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، الطَّاعِنُ على أُمَّتِهِ، السَّافِكُ دِماءَهُم.اهـ.

فأفضلُ الأعمالِ: سَلامَةُ الصَّدْرِ مِنْ أَنْواعِ الشَّحْناءِ كُلِّها، وَأَفْضَلُها: السَّلامَةُ مِنْ شَحْناءِ الأَهْواءِ والبِدَعِ التي تُوْدِي بِأَهْلِها إلى الطَّعْنِ على الصَّحابَةِ رضيَ الله عنهم وبُغْضِهِمْ والحِقْدِ عَلَيْهِمْ، ثم يَلِي ذلكَ: سَلامَةُ القَلْبِ مِنَ الشَّحْناءِ تُجاهَ مَنْ يتَّبعُ سَبِيلَهُم مِنَ المؤمنينَ، وإرادةُ الخَيْرِ لهم وإعانَتُهُم عليه، وَالنَصِيحَةُ لَهُم، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعالى المؤمنينَ بِأَنَّهُمْ يَقُولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) .

ومن الشحناء الهجر الذي يقع بين المسلمين، فلا يكلم الأخ أخاه أو عمه وخاله أو صديقه وصاحبه، قال صلى الله عليه وسلم : لا يَحلُ لمُسلمٍ يُصارم مُسلماً –أي يهجر- فَوق ثلاثِ ليالٍ، فإنَّهُما مَا صَارمَا فَوق ثلاثِ ليالٍ فَإنَّهُمَا نَاكِبان عَنِ الحَق مَا دَامَا عَلَى صَرامِهما، وَإِنَّ أَولَهُما فَيئاً يَكون كَفارةً لَه سَبقُهُ بِالْفَيْءِ، وَإِنْ هُما مَاتا عَلى صِرامِهما لَم يَدخلا الجنَّة جَميعاً "