الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

الفكر اليبرالي والتنويري بوابة للكفر بالله والإلحاد.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد .

نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان لا تعد ولا تحصى، وقال قال الله تبارك وتعالى : "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" [إبراهيم:34] .

وإنّ أكبر نعمة يمتنُ الله بها على  العبدِ نعمة ُ الإسلامِ والإيمانِ واتباعِ السنة، قال تعالى : " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [الحجرات:17].

ولقد جاء هذا الإسلامُ بكل ما يحققُ المصالحَ للعبادِ ويدفعُ عنهم المفاسدَ في العاجلِ والآجل، ولذلك كان مهيمناً على جميع الشرائعِ التي سبقته، والتي حُرفت وبُدلت حتى صارت من وضع البشر، ففسدت.

فسعى أعداءُ الإسلامِ للنيل منه بشتى الطرقِ منذ بعثةِ النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزالون، ولكنّ اللهَ حافظٌ دينه.

ومن جهودِ أعداءِ الإسلامِ للنيل منه نشرُ الأفكار المنحرفة التي تسعى لتحريفِ أحكامِ الإسلام، وحمل النصوصِ الشرعيةِ على غيرِ معانيها الصحيحة.

وهذا الأمر يتوصلون من خلالهِ إلى انسلاخِ المسلم من دينه ووقوعه في الكفر بالله بل والإلحاد، بكره الدين والتدين وإنكار وجود خالق.

ومن هذه الأفكار المدسوسة المنحرفةِ الفكرُ الليبرالي الغربي، وما يسميه بعض الغشاشين بالفكرِ التنويري، الذي يزعمون أنه يدعوهم لتحكيم العقلِ والبعدِ عن التقليد والموروث الديني.

والناظرُ في فكر الليبراليةِ وفكرِ التنوير يعلمُ أنهما بوابةٌ موصلةٌ للكفر بالله والإلحاد وهو ما يسمى بالفكر اللاديني.

فالليبراليةُ في أساساها تقومُ على فصلِ الدين عن الدولة، وعن حياة الأفراد، والتنويرُ يدعي أتباعهُ إعمالَ العقلِ وتحكيمه، وذلك بردِ النصوصِ الشرعية الثابتة لمخالفتها للعقل كما يزعمون، أو تحريفها عن معانيها الصحيحة والثابتة، الأمر الذي يؤدي بهم إلى الطعن في دين الله وفي أسسه وأحكامه، بل ويطعنون في ذات الله سبحانه وتعالى، مع التشكيكِ في ثبوت النصِ الشرعي وحفظه وتدوينه، مما يؤدي إلى الكفر بالله وبرسالاته أو إنكار وجودِ خالقٍ معبود، وكله تحت مسمى الحريةِ ونقدِ الموروث وعصرنة الإسلام ليكون متوافقاً مع قيم الحداثة الغربية ومنهج الفلسفة الأوروبية.

والغريب في أتباع هذا الفكرِ أنهم يحاربون ما يسمونه بالتقليدِ ويرفعونَ شعارَ نقد الموروث وعدم الوصاية الدينية للعلماء على الناسِ، ولكنهم في الوقت ذاتهِ ينعقون بقواعدَ وضعها فلاسفةُ اليونان  قبل الميلاد، وبشعاراتٍ موروثةٍ عن فلاسفةِ التنوير في العصور المظلمة في أوروبا، ويدّعون جهلاً واستكباراً أنها السبيل لتحرير عقولهم من هيمنة النص الشرعي، وفتاوى العلماء واجتهاداتهم، ويردد مفتيهم : حرر عقلك .

لقد سعى أصحابُ هذا الاتجاه إلى استنساخِ واقعِ أوروبا في العصورِ الوسطى مع الكنيسة، والثورةِ الفرنسية وما آلت إليه، واسقاطِ كل ذلك على الدين الإسلامي، متناسين الفرق الشاسع بين الإسلام المحفوظ من الله، وبين النصرانية المحرفة، وواقع الكنيسة المخالف لتعاليم الإسلام وأسسه وعقيدته.

ومن خلال هذا الطرح توصل أصحابُ هذا الفكر إلى ضربِ العقيدة الإسلامية وتحريف الأحكام الشرعية،  ومن ثم مخالفة الدين في أهمِ أركانه وأسسه، مما يؤدي إلى التحلل منه والخروج عن مضامينه. 

و اضرب لكم أمثلة منها : 

أحد التنويريين الليبراليين يدعي علما بالتفسير – وهو لا يحسن تلاوة آياته- يدعي أنّ علم الله سبحانه وتعالى علم قائمٌ على الرياضيات والاحتمالات ، فالله – تعالى عما يقول هذا الأفاك- لا يعلمُ ما سيحدث بل يضع عدة احتمالات لفعلِ الإنسان وهو يعلم الاحتمال الصحيح.

وهذا الانحرافُ العقدي لدى هذا الأفاك مأخوذٌ من بعض الفلاسفة مثل أفلاطون وجميس جنر وغيرهم ، الذين أطلقوا على الله سبحانه وتعالى (العقل الرياضي).

ألا يتعارض هذا مع عقيدة المسلمين من أنّ الله سبحانه وتعالى علمَ ما كانَ وما يكونُ وما سيكونُ وما لم يكن لو وقع كيف سيكون، وأنه قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ.

روى أبوداود في سننه بإسناد صحيح عَنْ أَبِى حَفْصَةَ قَالَ: قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لاِبْنِهِ يَا بُنَىَّ: إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ. قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ». يَا بُنَىَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّى »

ألا يعلم هذا الطاعن في علم الله سبحانه وتعالى اجماع الأمة على أن من أنكر علم الله أنه خارج من الملة كافر بالله وبرسالاته، قال تعالى :" وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ" [فصلت:22-23].

مثال آخر :

يقول محمد أركون – وهو من أصحاب هذا الاتجاه المنحرف- في كتاب له (الفكر الإسلامي قراءة علمية ) ص 102 : " على عكس ما تنطق المسلمة التقليدية التي تفترض وجود إله متعال ثابت لا يتغير، فإن مفهوم الله لا ينجو من ضغط التاريخية وتأثيرها، أقصد أنه خاضع للتحول والتغير بتغير العصور والأزمان" 

هذه نظرةٌ وفكرةٌ تدعم الإلحاد والكفر بالله وتعالى .

مثال آخر : 

 يخرج لنا تنويري ليبرالي ويدعي أنّ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أركان الإسلام والإيمان من الخداع والكذب، ويدعي أنّ من يعبد الأصنام والحيوانات فهو مؤمن، ويدعي أن من قال لا إله إلا الله وباليوم آخر مؤمن ولو لم يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم.

هل هذا هو الدين الذي أمر الله به ، ألم يقل الله تبارك وتعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.

إنّ في هدم أركان الإسلام والإيمان الثابتة بالنص القطعي في كتاب الله، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة لنقض أصول الإسلام والكفر بالله وبشريعته.

وللأسف يقدم صاحب هذا الفكر في الإعلام على أنه مفسر عقلاني وعصري، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

مثال آخر :

إظهار بعض الليبراليين لبعض من عرف بالكفر والإلحاد في الإعلام والتغني بأشعارهم كرموز للتحرر العقلي، من أمثلة الحلاج وابن عربي ونزار قباني، مع مدح كتبهم وأشعارهم. 

ففي ذلك دعوة للنظر في هذه الكتب وهذه الأفكار، مما قد يتسبب في اعتناقها، والتأثر بها، وهي أفكار مخالفة للإسلام في أصول وعقيدته وأسسه.

مثال آخر :

دعوتهم لدراسة نظرية داروين، بل يتجرأ مفسرهم ليدعي أن أفضل نظرية يمكن أن تُفسر آيات الخلق في القرآن هي نظرية داروين، وينشرها ليبرالي آخر في حلقة من حلقات برنامجه ويزعم أن من لا يعترف بهذه النظرية فهو من أهل الإرهاب الفكري.

في حين أن هذه النظرية -كما يعرفها من فهمها- تعبتر بوابة للإلحاد، وإنكار الخالق -وإن لم يكن هذا هو محتواها-.

وتأثر بها كثير من النصارى بل ومن قساوستهم، فتركوا شريعتهم وأنكروا خالقهم ، وهذا أمر معلوم لا ينكره إلا مكابر.

والأمثلة كثيرة جدا وفيها إنكارهم وتحرفيهم لكثير من مسائل العقيدة التي اجمع عليها علماء الإسلام كالإيمان بالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر، وبأسماء الله وصفاته .

فلا بد أن نعلم أن الفكر الليبرالي والتنويري هدفه علمنة الإسلام والطعن في محكمات الدين وأصوله وعقيدته، وهذا يفتح الباب للكفر بالله تعالى وللإلحاد وإنكار وجود خالق معبود.

فينبغي الحذر منه ومن دعاته فإنهم دعاة فتنة، ويلتبس أمرهم على الناس، حيث يتسترون بالدعوة للوسطية ومحاربة التشدد، فيدسون السم في العسل، ويحرفون الناس عن عقيدتهم ودينهم.

قال تعالى : " هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ" [آل عمران:7-8] 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لعائشة « إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ » رواه مسلم .

والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 8 أكتوبر 2018

الفكر الليبرالي والتنويري بوابة الثورات


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد

فإنّ مما ابتلى الله به المسلمين الغزو الفكري الذي يهدف إلى زعزعة الثوابت والمسلمات من العقيدة الصحيحة الثابتة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى نزع الأمن الذي تعيشه بلاد الإسلام وسلب خيراتهم عن طريق الثورات والحروب الداخلية التي عانى منها الغرب قديما.

وإنّ الناظر في أحداث الثورات التي وقعت ولا تزال في بلاد العالم الإسلامي يرى دور الفكر الليبيرالي وما يسمى بالتنوير في اشعال نيران هذه الثورات.

يشعلون نيرانها باستعمال وقود الشعوب المغلوب على أمرها، والتي تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، فيستغلونهم لتحقيق مبادئهم الخاصة والتي منها الهيمنة والسيطرة على نظام الحكم، ومنه الانطلاق نحو نشر فكرهم المنحرف، وهذا الهدف يشترك فيه أرباب الفكر الليبرالي والفكر الإخواني الذي انكشفت حقيقته للناس مؤخرا.

ولكن نجد من يقول : الفكر الليبرالي والتنويري يدعو لإعمال العقل والتطور ونبذ التشدد والغلو ...

فكر يدعو للحرية وقمع الاستبداد ...

فكر يدعو لنقد الموروث الذي يرجع الأمة لعصور التخلف والظلام.

فكر يكشف دور الظلاميين والنظام الكهنوتي في السيطرة على المجتمعات والأفراد.

وهذا في الحقيقة مثل من يقول : المخدرات تؤدي إلى راحة العقل والبال وتنسي الإنسان همومه ... الى آخر هذه المزاعم والمزاعم.

فإن ما ذكروه عن الفكر الليبرالي والتنويري كلام زائف.

وإذا أردنا أن نحكم على فكر ما فإننا نحكم عليه من خلال أراء منظريه وأتباعه ومن كتب فيه.

ومن نظر في كتب القوم من الليبرالية والتنويريين ومقالاتهم يرى أنهم بوابة كبرى للثورات، فإن كنا نحارب الفكر الإخواني والقاعدي والداعشي لأجل فكرهم الثوري، فالليبرالية والتنوير ليس بأقل خطورة منهم.

وسأبين لكم بعض الحقائق والأقوال الدالة على الفكر الثوري لدى الليبرالية والتنوير:

أولا : اطلاق مسمى الربيع على الثورات من صنع الليبرالية الغربية، جاء في موسوعة ويكيبيديا : " ربيع الشعوب أو الثورات الأوروبية عام 1848 تعرف أيضاً في بعض البلدان باسم ربيع الأمم وربيع الشعوب وعام الثورة، كانت سلسلة من الاضطرابات السياسية في جميع أنحاء القارة الأوروبية. وعدت من أكثر الموجات الثورية انتشاراً في تاريخ أوروبا .

ثانيا : جاء في نفس الموسوعة عند الكلام على عصر التنوير : كان عصر التنوير وما أنتجه من أفكار وضعية وعقلانية ملهماً لعدد من الثورات الاجتماعية والسياسية شهدتها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أسفرت عن قيام الدولة الحديثة.

وهذا النص منشور في مقال في جريدة الاتحاد بتاريخ 23/6/2017م


ثالثا : أنقل لكم بعض المقاطع من مقالات منشورة لبعضهم : 
قال الكاتب  (د السيد ولد أباه ) في مقال منشور في صحيفة الاتحاد بتاريخ 10/12/2012م بعنوان : الفصل الليبرالي من الثورات العربية .


قال : " من الخطأ تصوير الانتفاضة الشعبية الراهنة في مصر بأنها من تحريك «فلول» النظام السابق، بل هي في عمقها المحطة الثانية الطبيعية من الربيع الليبرالي الذي هبّ على المنطقة العربية، وأرادت قوى إيديولوجية احتكار ديناميكيته التغييرية" .
ويقول كذلك في مقال آخر بعنوان : انتصار الليبرالية وانهزام الليبراليين!


" يتعين منذ البداية الإقرار أن صانعي الثورات العربية لم يكونوا في غالبهم من المنتمين إيديولوجياً وتنظيمياً للتيار الإسلامي، بل كانوا أقرب في شعاراتهم وممارساتهم الاحتجاجية للاتجاه الليبرالي، حتى ولو كان للتنظيمات الإسلامية حضورها الذي لا ينكر في هذا الحراك. " 

رابعا : تمجيد منظري الفكر الليبرالي لأرباب الفكر الثوري، فيعتبرون دعوة جمال الدين الأفغاني دعوة إصلاحية ويشيدون به وبحركته وجهوده، وهذا منشور في كتبهم، في حين أنّ جمال الدين الأفغاني من أكبر منظري الفكر الثوري، وتأثر به الاخوان وسيد قطب وحسن البنا، ومن أراد الاستزادة عن شخصية جمال الدين الأفغاني وفكره الثوري فعليه بكتاب الأخ الفاضل أحمد الشحي بعنوان : " شخصياتٌ معاصرةٌ شوَّهت الإسلام " وهو تحت الطبع، فقد أجاد في بيان فكره المنحرف وتأثر من بعده به.

خامسا : تمجيدهم للثورة الفرنسية ويسمونهما بأمّ الثورات ، ويعتبرونها سبب التخلص من التخلف والظلم والدين.
جاء في مقال في صحيحة الاتحاد بعنوان أم الثورات .


" تعد الثورة الفرنسية من الثورات الكبرى في العصر الحديث سواء على صعيد التغيير الجذري الداخلي أو التأثير الأقليمي والعالمي، وانتشار أفكارها السياسية والاجتماعية والتنويرية في كل أنحاء الأرض، بما في ذلك الشرق الأوسط.."

في حين أن هذه الثورة قضت على التدين في بلاد أروبا، وحصرته في يوم الأحد من بعض المتدينين يحضرون للصلاة في الكنيسة مع ترديد بعض الأناشيد.

يقول المفكر هيردر herder: إن الثورة الفرنسية لا يمكن مقارنتها إلا بانتصارات الشيطان الأخرى... وأن الثورة الفرنسية ليست مجرد حدث سياسي واقتصادي فحسب، بل يجب اعتبارها بداية تبديل يهود بالملوك المسيحيين.

 المرجع : حكومة العالم الخفية ص 68.

و يقول اللورد أكتون في كتابه محاضرات في الثورة الفرنسية: لم تكن هناك ثورات فرنسية وروسية وألمانية بل ثورات يهودية في فرنسا وروسيا وألمانيا ... ولم يكن الهجوم على الكنيسة خطأ فاضحا لا حاجة له وإنما كان هدفا أساسيا لكل ثورة، فالثورة إحدى وسائل اليهود لتحطيم العالم المسيحي. 

المرجع السابق ص 69.

سادسا : نظرية العقد الاجتماعي التي وضع أساسها مفكرو الليبرالية مثل هوبز و لوك
ومن الآراء في هذه النظرية : أن الحاكم إذا لم يلتزم بمقتضى العقد الذي بينه وبين الأفراد فإنه يجوز للأفراد الثورة لاسترجاع حقوقهم.

هذه بعض الأمور التي تبين حقيقة الفكر الليبرالي والتنويري ودوره في إحداث الثورات، وزعزعة الأمن في دول الإسلام. 

فإن قيل : أنت تفتري على الفكر الليبرالي ، فهنا نحن نراهم ينتقدون الفكر الثوري!!

يجيب عن ذلك الكاتب الإماراتي أحمد الشحي في مقال له بعنوان : " الثقافة الليبرالية والثورات "  فيقول :

"ولأن الربيع العربي لم يأت بما تشتهيه سفن الليبراليين ومع صعود الوعي العام بخطر الثورات اضطر بعض ليبراليي الخليج – كتكيك مرحلي – إلى ممارسة لعبة الخطاب المضاد للثورات ، وهو خطاب مراوغ ينتقد ما أفرزته الثورات من صعود الإخوان المسلمين ، دون أن ينتقد الثورات نفسها ، لأن مبدأ الفكر الثوري إحدى أساسيات الأجندات الليبرالية التي لا يمكن لليبرالي التخلي عنها ، وإلا وقع في تناقض مع أساس مذهبه في العلاقة بين الفرد والسلطة " .

فنخلص مما سبق أن خطورة الفكر الليبرالي والتنويري لا تقل عن خطورة فكر الإخوان المسلمين ومنهجهم، فالحذر منهم متعين، والعاقل لا يلدغ من جحر مرتين، فيكفينا ما تجرعته أمة الإسلام من منهج الإخوان بسبب الثقة بهم وبمنظرهيم حتى تمكنوا فخرجوا أجيالا من أبناء الوطن متشربة لأفكارهم المتطرفة.

وكذلك الليبراليون والتنويريون يستغلون الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر أفكارهم التي تصل لدرجة الإلحاد.

وفقنا الله لما يحيه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين .


السبت، 21 أبريل 2018

مقال: ظلام التنوير ج 1

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد .

إخواني الأفاضل
ظهر على الساحة الإعلامية وفي وسائل التواصل الاجتماعي من ينادي بالتنوير وينسبه للإسلام فيقولون التنوير الإسلامي، وظهر بعض المنحرفين فكريا وعقائديا وهو يثني على بعض الجهلة ويصف أسلوبه وخطابه بأنه تنويري، مع وصفهم لمن يتمسك بالسنة بالظلامية والتشدد .

فما هو هذا التنوير المزعوم، وهل فيه شيء من نور الإسلام الذي أرسل الله به رسله؟

سنتعرف أولا على النور الذي ذكره الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم نتعرف ثانيا على الفكر التنويري المزعوم وأصوله.

أولا : اعلم أخي القارئ الموفق أن الله سبحانه وتعالى قد بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالنور الذي كشف به ظلام الجاهلية والكفر، ولا يَعلم بهذا النور إلا من استشعرَ نعمةَ الإسلامِ والسنة ، قال تعالى ممتناً على البشرية بنور الوحي : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ" [المائدة:15] .


اتباع هذا النور الذي ذكره الله في كتابه ممتناً به على عباده سببٌ لسلوك الصراط المستقيم الموصل إلى الله، وسببٌ لنيل هداية الله سبحانه وتعالى، قال تعالى بعد الآية السابقة " يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" وقال سبحانه : "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا" [الشورى: 52] ، وإنما يحصّلُ العبدُ هذا النور  في الدنيا باتباعه لنبيهِ صلى الله عليه وسلم ولزومِ نهجهِ وسنتهِ، قال تعالى " فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الأعراف: 157].

واتباع هذا النور الذي أنزله الله وجاء به نبيه صلى الله عليه وسلم له أثرهُ في النورِ الذي يكون مع العبد يوم القيامة، فعلى قدر تَنوّره بنور الله في الدنيا على قدرِ ما يكون معه من النور يوم القيامة قال تعالى : " يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" وروى الطبراني وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يذكر صفة الحشر والشفاعة والصراط فقال : " فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورًا مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورًا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ رَجُلًا يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيَفِيءُ مَرَّةً، فَإِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ فَمَشَى، وَإِذَا طُفِئَ قَامَ ... فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ نُورِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالسَّحَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الْكَوْكَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الْفَرَسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي أُعْطِيَ نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمَيْهِ يَحْبُو عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ تَخِرُّ رِجْلُ، وَتَعْلَقُ رِجْلٌ، وَيُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ" 

والمنافقون يطلبون هذا النور الذي رأوه في الدنيا وتمسكوا به ظاهراً وكفروا به باطناً، فإذا رأوا أثر هذا النور يوم القيامة طلبوه وسعوا إليه ولكن أنّى لهم أن ينالوا منه نصيباً وقد أعرضوا عنه في الدنيا ، قال تعالى في وصف حالهم: " يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ، يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ."[الحديد:13-14].

فهذا هو النور الذي نعلمه من كتاب ربنا وسنة نبيا صلى الله عليه وسلم، ولكن ظهر لنا في هذه الأزمان من تسمى بالنور، وأضفى على فكره المنحرف وصف النور في مقابل الظلام، ليخدع نفسه أولا، ثم يخدع عامة الناس من المثقفين بمعسول كلامه، وحقيقته أنه يدعوهم لظلام الجاهلية التي كشفها الله بنور الوحي، مع محاربته للوحي بفكره المظلم المستورد من أعداء الإسلام،  ومحاربته لجميع الشرائع المنزلة على أنبياء الله تعالى، فأطلق على متبعي الوحيين من الكتاب والسنة لقب الظلاميين، ولقب التنوير والتنويريين على كل من قدم العقل على الوحيين، بل العجب أن ينسب التنوير للسنة فيقول التنوير السني، فمثله كمل من يقول الشرك التوحيدي والكفر الإيماني، فيجمع بين المتناقضات .

وأمثال هؤلاء في كل عصر يخرجون، فحالهم كحال أهل النفاق زمن النبي صلى الله عليه وسلم يسعون لضرب الإسلام من الداخل بمحاولة هدم الأصول التي يقوم عليها، وذلك بالطعن في الكتاب والسنة والعلماء ولكن بأسلوب خبيث، ظاهره نصرة الإسلام وباطنه العداوة والبغضاء، قال ابن تيمية -رحمه الله- ( وهو من ألد أعداء التنويريين) : " وأما هؤلاء: فيسقون الناس شراب الكفر والإلحاد في آنية أنبياء الله وأوليائه ويلبسون ثياب المجاهدين في سبيل الله وهم في الباطن من المحاربين لله ورسوله ويظهرون كلام الكفار والمنافقين في قوالب ألفاظ أولياء الله المحققين، فيدخل الرجل معهم على أن يصير مؤمنا وليا لله فيصير منافقا عدوا لله " مجموع الفتاوى (2/360)

 فما هو التنوير المزعوم ؟

التنوير فرع عن الليبرالية، والليبرالية فرع عن العلمانية، وكل هذه المسميات هدفها الرئيس الطعن في الدين وفي جميع الشرائع التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، مع تقديسهم للعقل والحرية، فهم في الحقيقة يخدمون الماسونية العالمية والفكر الإلحادي.

ظهر التنوير في القرن السابع عشر  عام 1671م تقريبا، ويرجعه بعضهم إلى ما يسمى بعصر النهضة، وإلى كتابات الفلاسفة من أمثال: بيكون و ديكارت وتوماس هوبز، ولوك وغيرهم من فلاسفة تلكم الحقبة البائسة.

وأما الأصول التي يقوم عليها التنوير الغربي فمنها : نقد الدين وعزله والاستقلال التام عن سلطته، لذلك نسمع بعض المتأثرين بهذا الفكر المنحرف ينادون بنقد كل ما هو موروث وقصدهم بذلك نقد الدين وأحكامه وفق ضابط الحرية والعقل المنحرف.

ويطلقون على كل من يتمسك بالدين لفظ ( الظلامي )، ولفظ ( النظام الكهنوتي) للدلالة على تمسك الكهنة النصارى في القرون المظلمة بالإنجيل المحرف .

ومن أصولهم: تعظيم العقل والحرية دون أن يقدموا أي تعريف لماهية العقل الواجب الرجوع إليه، ولا للحرية المرادة.

وبسبب نقدهم للدين وأحكامه، وتألهيهم للعقل وصلوا للإلحاد، وعجزوا عن الإجابة عن السؤال الذي أرقّ أغبياء العالم ممن يلمزون بالذكاء : من خلق الكون ؟ ولماذا خلق الله الكون؟

والتنوير هدفه هدف العلمانية وهو تنحية الدين عن الدولة أولاً، وعن الشعب ثانياً، فليس هدفهم كما يذكرون فصل الدين عن الدولة فقط، وإنما يسعون وبخطط مرسومه إلى تشويه الدين لدى الناس وإظهاره في صورة متخلفة. 

وقد نجحوا في الغرب في ثورتهم الفرنسية البائسة التي كان هدفها القضاء على الملة النصرانية، فالدول الغربية تخلصت من الملة النصرانية تماما في حكمها، وتخلى الناس عن دينهم، وحصروه في الكاهن والكنسية وفي يوم واحد هو يوم الأحد .

ومن أصولهم المناداة بالحرية والتسامح، ويقصدون بالحرية التخلص من أحكام النصرانية المحرفة التي تنادي بها كنائس العصر المظلم في أوربا، والتحرر من القيم الأخلاقية،  وبالتسامح حرية التدين وعدمه أو الإلحاد.

ولكن هذه الحرية في الحقيقة حرية كاذبة زائفة لأنها تحارب كل من ينتقد التنوير وتعاديه، ويظهرونه أمام الخاصة والعامة بأنه ظلامي ومتشدد ومحارب للعقل والحرية والتسامح.

وهذا التنوير بهذه الصورة مرفوض تماما عند المسلمين، سواء كانوا من العوام أوالمثقفين، فكان لا بد من استحداث مصطلح ينطلي على المثقفين بالذات، فيروجون له عند العامة، فظهر ما يسمى بالتنوير الإسلامي .

قال محمد عماره في كتابه " الإسلام بين التنوير والتزوير ص 34 : " فوجود تنوير غربي له السمات الخاصة التي أشرنا إلى أهمها لا يمنع من الحديث عن تنوير عربي إسلامي تتحدد مضامينه ومفاهيمه وفقا للمرجعية الحضارية الإسلامية المتميزة عن المرجعية الغربية"

ولكن هل ما ذكره عماره من أن التنوير الإسلامي يختلف في مضمونه عن أصول التنوير الغربي  صحيح ؟ 

 فالجواب : أبدا. بل هما وجهان لعملة واحدة . 

فيقدمون العقل على النص، ويطالبون بنقد كل ما هو موروث ومنه الدين، ويطالبون بإعادة قراءة النص الديني ( الكتاب والسنة) وفق معطيات التطورات الحضارية المعاصرة، مع الابتعاد عن منهج السلف في التفسير، ويصرون على تطبيق الديمقراطية الغربية القائمة على الحرية وتقديم سيادة الأمة والشعب على سيادة الشرع، وينادون وبصراحة بفصل الدين عن الدولة، ويذمون ما يسمى بالدين السياسي، وتراهم يستعملون مصطلح ( أسلمة الدولة) ونسبته للجماعات الإسلامية السياسية المنحرفة .

إخواني القراء : هذه نبذة يسيرة عن الظلام المتضمن في الفكر التنويري غربيا كان أو إسلاميا - والإسلام منه بريء- فإذا علمنا ذلك فإن خطر أرباب هذا الفكر ومن يحملون خطاب التنوير كبير على الدين والعقيدة بل وعلى البلاد والعباد، فالواجب الحذر منهم وعدم التمكين لهم.

وفقنا الله جميها لما يحبه ويرضاه .



الثلاثاء، 13 مارس 2018

مقال : تمسكك بدينك سبب عزك وتقدمك

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد 

فإن الله سبحانه وتعالى قد أعزّ هذه الأمة بأن بعث فيها محمدا صلى الله عليه وسلم، فكانت خير أمة أخرجت للناس، كما قال سبحانه : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ" [آل عمران:110]، وهذه الخيرية مرتبطة بتمسك الأفراد والمجتمعات والدول بالدين، وعلى قدر تمسكها على قدر ما تحصل من الخيرية، ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم القرون الثلاثة الأولى بالخيرية لقوة تمسكها بشرع الله وأحكامه، فقال صلى الله عليه وسلم: " خَيْرُ أُمَّتِى قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" متفق عليه. 

وإذا ما وقع هذا التمسك بالدين وأحكامه، المستند إلى الكتاب والسنة، حصل للأمة أفرادا وجماعات العزة والنصر والعلو في الأرض، قال تعالى : " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ،وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [النور:54-55 ] وبمقدار ما يضعف هذا التمسك بشرع الله، مع الإقبال على الدنيا وزينتها، ونسيان الآخرة، يحصل الذل والخذلان ويصيب الأمة والأفراد الضعف الهوان.

قال تعالى : " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور:63] ففي الآية وعيد من الله لكل من خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تصيبه فتنة في دينه أو دنياه، تكدر عليه حياته، وتقلب سعادته شقاء، أو عذاب أليم في الآخرة. 

ومن الأحاديث التي تبين مثل هذه الفتنة التي قد يصاب بها المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم: يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ». 
فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ 
قَالَ: « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ». 
فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ ؟
 قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ». رواه أبوداود 

ومن الفتن التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بسبب الإعراض عن أحكام الشريعة والوقوع فيما يخالفها ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما-قال : أقبل علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ :

- لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا.

-  وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ.

- وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا.

- وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.

- وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ.

وأخبر صلى الله عليه وسلم بوقوع الذل والمهانة لكل من خالف أمره وهديه، فقال صلى الله عليه وسلم: " وَجُعِلَ الذُّلُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِى" رواه أحمد .

ومما ورد في التاريخ الإسلامي العظيم من أحداث تبين هذه العزة والنصرة والعلو في الأرض بسبب التمسك بشرع الله ما رواه البيهقي وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبع مائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا بكر، رُدَّ هؤلاء. توجهُ هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟

فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام."

فتأمل أخي القارئ الفطن ؛ المعطيات الواقعية كانت تفرض على أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يرد الجيش الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، ليدافع عن المدينة وعن المسلمين، ولكن الصحابي الجليل والخليفة الراشد المتبع للسنة أبا بكر الصديق رضي الله عنه علم أن الله قد وعد رسوله واتباعه بالنصر والتأييد، وأن المعطيات الدنيوية الحسية تقف عاجزة أمام حكم الله الكوني، كما قال تعالى " إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" [غافر:51] فأنفذ رضي الله عنه جيش أسامة ، فكانت النتيجة مبهرة، والنصر والغلبة من نصيب المؤمنين، بل تحققت جملة من الانتصارات على الصعيد الداخلي في المدينة وما حولها، وعلى الصعيد الخارجي وهم دول العدو المتربصين بالإسلام . 

وهنا أنقل لكم قولا لابن تيمية رحمه الله يعضد ما ذكرته، فقال رحمه الله في كتابه الرد على البكري (2/ 738) : إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم وقال بعض الشعراء ... يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر ...  أو قال عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر ... 
فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز و جل والاستغاثة به وأنهم لا يستغيثون إلا إياه لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل ..
فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم، نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا، لما صح من تحقيق توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله تعالى ينصر رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " ا.هـ مختصرا 

ولكن هذه العقيدة تغيب عن أرباب النظريات الحسية، الذين يقيسون الأمور بما يرونه ويعلمونه دون نظر إلى آيات الله وأحكامه الكونية، وتغيب عن أرباب الفكر العلماني والليبرالي التنويري الذين يرون أن الإسلام وأحكامه من أسباب تخلف الدول ورجعيتها، فأصبحوا ينعقون وعلى استحياء في بلادنا بضرورة فصل الدين عن السياسة وعن أنظمة الحكم، ويرددون بعض المصطلحات بتبعية عمياء مثل أسلمة الدولة، والكهنوت، ونحوها من مصطلحات القرون الوسطى المظلمة، ويدعون إلى حرية الإنسان في تمسكه بالدين من عدمه، حتى صرح أحدهم من قريب في إذاعة من إذاعتنا بأن الدين الإسلامي موروث، وكل ما هو موروث فلا بد من إعادة النظر فيه، لأجل أن يتأقلم مع الوضع والتطور العالمي، ثم صرح خليفة الإخوان المفلسين في تغريدة له في تويتر منذ أيام بعدم صلاحية أحكام الشريعة الإسلامية المطبقة منذ أربعة عشر قرنا لهذا الزمان. ويرى أحد حملة حرف (د) ممن له كتاب في نقد الجماعات السياسة أن الوقت الراهن ظروفه لا تسمح بتطبيق شرع الله، وتطبيق شرع الله كان لأجل معطيات تاريخية سابقة، والتسليم بهذه المعطيات يمثل مجازفة غير مأمونة العواقب.

 وحجتهم في دعواهم المزعومة ما وقع في القرون الوسطى من تخلف ورجعية بسبب طغيان رجال الدين الكنسي، وظهور نظرية التفويض الإلهي، والظلم الذي وقع على الرعية في تلكم البلاد، دون أن يراعوا الفارق الكبير بين التجربة التي وقعت في أوروبا في القرون الوسطى بسبب الملة المحرفة التي كانوا عليها، وبين دين الإسلام الكامل والشامل والمحفوظ من قبل الله تعالى إلى قبل قيام الساعة، وتغافلوا متعمدين عن الحضارة الإسلامية التي امتدت لثمانية قرون والتي قامت على نظام الخلافة الإسلامية، وعلى تطبيق أحكام الشريعة، بل غالبية العلماء والمخترعين كانوا من المتبحرين في علوم الشريعة قبل أن ينبغوا في العلوم الدنيوية . 

فهذه الدعاوى الكاذبة من أسباب تضييع شرع الله وتحييده، ومن أسباب تدخل العدو في بلاد المسلمين لغزوهم عقائديا وفكريا، ومن ثم التمهيد لغزوهم عسكريا.

إن الحقيقة التي ينبغي لنا أن نعتقدها ونتمسك بها أن شريعة الإسلام شريعة صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان، وأن فيها من المرونة ما يمكن أن يسع جميع التطورات التي حصلت أو ستحصل للعالم الإنساني إلى قبل قيام الساعة، وأن من تمسك بها عزّ وانتصر وتم له التمكين في الأرض، ومن تركها وأعرض عنها وقع له من الذل والمهانة والضعف على قدر ما تركه منها . 

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وحفظ الله دولتنا وولاة أمورنا ودول المسلمين وولاة أمورهم، ووفقهم للحكم بشريعة الإسلام، ونصرهم على عدوهم . 

السبت، 18 نوفمبر 2017

مقال: النصائح والتوجيهات المفيدة لمحبي الرحلات البرية

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد ..

فمن سماحة ديننا أن أعطى لكل ذي حق حقه بوسطية واعتدال لن يوجد مثله عند عقلاء العالم، وذلك أن أحكام هذا الدين من لدن حكيم بالأمور ومواضعها، فيضع كل حكم في محله الذي يناسبه، خبير بأحوال الناس وما يصلح لهم وما يصلحهم.

ولذلك راعت أحكام شريعتنا الإنسان، واهتمت بجميع جوانبه الروحية والمادية، ليحيى حياة طيبة، وليتفرغ لتحقيق الغاية التي لأجلها خلق وأوجد وهي عبادة الله وطاعته، فجاءت قواعد الدين بما يحقق للنفس الإنسانية سعادتها واستقرارها، قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنهما:إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : 
صَدَقَ سَلْمَانُ. رواه الترمذي . وقال حنظلة -رضي الله عنه- للنبي صلى الله عليه وسلم :" نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فقال صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً  " رواه مسلم . 

فالترويح عن النفس من متطلباتها حتى لا تقع في الملل وتترك العمل، ولذلك أباحت الشريعة للناس الترويح عن أنفسهم بالمباحات لتعود أنشط للطاعات.

وفي هذه الأيام – أيام الشتاء- يكثر خروج الناس للتنزه في البرية، خصوصا أيام الإجازات وبعد سقوط الأمطار، وهذا أمر مباح ولا شيء فيه، ولكن توجد بعض التوجيهات التي لا بد من مراعاتها لتكون هذه المباحات معينة لنا على الطاعات وسببا لاكتساب الحسنات.

الأول : استحضار نية الترفيه عن النفس لأجل تشجيعها على الإقبال على الطاعات وطلب العلم والقيام بخدمة العباد والبلاد.

فالنفس من عادتها الملل، وإذا ترفهت وانتعشت ودخل السرور إليها زاد نشاطها وإقبالها على مهمات الأمور، وبعض أصحاب الهمم العالية يستغل هذه الرحلات وهذا الترفيه للازدياد في العبادات وطلب العلم.

ومن العبادات التي يمكن للعبد أداؤها في البر عبادة التفكر في خلق الله، كما قال تعالى في وصف عباده المؤمنين: " الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" [آل عمران:191].

 وبعض أصحاب الهمم العالية يستغل هذه الرحلة في مدارسة بعض مسائل العلم مع إخوانه، على أن لا تطغى هذه المدارسة على الهدف الحقيقي من الرحلة.

ويمكن للمسؤول في هذه الرحلة والآباء في الرحلات العائلية إعداد مسابقات دينية وثقافية، إذ بها تحصل المعرفة والتعلم، ويتحقق ترفيه النفس واستجمامها. 

الثاني : حسن التنظيم والترتيب، وإذا كانت المسافة مسافة سفر أمّروا عليهم أحدهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "  إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ " رواه أبوداود، على أن يكون هذا الأمير من أهل الخبرة في تسيير الأمور وتنظيمها، وعلى إخوانه معاونته والالتزام بما تم الاتفاق عليه بما يتعلق بأمر الرحلة. 

ومن الأخطاء التي تقع من بعضهم التأخر عن موعد الخروج المتفق عليه، أو الاعتذار في آخر لحظة لغير سبب جديّ، أو نسيان وإهمال ما تم تكليفه به، وهذا يؤدي إلى عرقلة الخروج وتأخيره وإيقاع الحرج ببقية إخوانه، ومن صفات المؤمن الوفاء بالوعد والعهد وعدم إخلافه.  

وإن كانت الرحلة عائلية فالأب هو المسؤول عن الرحلة وتنظيمها وعلى أفراد الأسرة معاونته والالتزام بالمهام التي توكل إليهم، وعلى الأب أن يستغل مثل هذه الرحلات في غرس قيمة تحمل المسؤولية في أبنائه، فيوزع عليهم الأدوار حسب أعمارهم ومهاراتهم.

كما تستطيع الأم في مثل هذه الرحلات تعليم البنات ما يتعلق بإعداد الطعام وتجهيزه ونحو ذلك . 

الثالث : الاهتمام بأمر الصلاة والاستعداد لها والتحقق من دخول وقتها، والأذان لها مع استحضار عظيم الأجر فيه ،    فأبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- يقول لرجل ناصحا: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيءٌ ، إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم  رواه البخاري، مع المحافظة على صلاة الجماعة في البر، وفي ذلك أجر عظيم كذلك كما ذكره بعض أهل العلم مستدلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِذَا صَلَّاهَا بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَأَتَمَّ وُضُوءَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا؛ بَلَغَتْ صَلَاتُهُ خَمْسِينَ دَرَجَةً" صحيح الجامع .

ويستطيع الأب أن يوكل أمر الصلاة والأذان إلى بعض أبنائه الذكور ليغرس فيهم قيمة حب الصلاة والاهتمام بها، ويعلمهم الأذان والإقامة، وطريقة الاقتصاد في الوضوء وعدم الاسراف في استعمال الماء.

كما يمكن تطبيق بعض سنن الصلاة في البر والتي لا يستطاع فعلها في المسجد كالصلاة بالنعال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " صَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ " صحيح الجامع .

كما عليهم أن يتعلموا أحكام القصر والجمع إن كانوا على سفر، وبعضهم يجمع بين الصلاتين في البر من غير سفر أو عذر يبيح الجمع، وهذا لا يصح .

كذلك تعلم أحكام الطهارة وطريقة الاستجمار والتيمم عند فقد الماء .

الرابع: حسن اختيار المكان، مع إعطاء الجيران الذين سبقوهم بالجلوس حقهم، فلا يزعجوهم أو يفعلوا من الأمور ما يضايقهم، وإن كانوا رجالا فلا يجلسون بجانب من خرج مع عائلته، بل يختارون مكانا بعيدا عنهم حتى لا يتأذى النساء بقرب الرجال. 

ومن المخالفات المعاصرة إيذاء الجالسين بأصوات الدراجات العالية، والتسابق بها في أمكان جلوس الناس، وربما وقعت حوادث دهس وتصادم بسبب ذلك، فمن أراد استعمال هذه الدراجات فعليه اختيار المكان المناسب المعد من قبل البلديات، أو الأماكن الخالية من العائلات والجالسين. 

الخامس : حسن اختيار الصحبة في الرحلات، من ذوي الصلاح والتقوى والاستقامة والأخلاق الحسنة، لما لهم من أثر بالغ في تحقيق مقصد الرحلة والخروج إليها.

وعدم الخروج مع من لا يُعرف حاله، أو الخروج مع أصحاب الأفكار المنحرفة من أهل الجماعات والتحزبات، ومن يطلبون السرية في أعمالهم، فإنهم على شر وسوء، ومن يتكلم على ولاة الأمور ويحرض عليهم، ويروج لدعاة الفتنة، فإن صحبتهم وبال على الخارج معهم . 

والخروج إلى المزارع والجبال للتنزه كان من طريقة بعض الخوارج في عصرنا، ليتقربوا للشباب بواسطتها، ويجمعوا أكبر عدد منهم بالأنشطة المصاحبة والمسابقات والألعاب، ثم يدسون السم في العسل، فيحرضونهم على ولاة أمرهم وعلى أوطانهم.

ولا يخرج كذلك مع أصحاب الشهوات من المضيعين لحقوق الله وحدوده، لما قد يرتكبوه من معاصي، تضر الخارج معهم في دينه ودنياه .  

السادس : المحافظة على نظافة المكان بعد تركه، وتجميع النفايات والمخلفات في أمكان مخصصة لأجل وضعها في مكب النفايات، وذلك مبدأ شرعي راق، وشعبة من شعب الإيمان، تدل على سماحة الإسلام وعنايته بالبيئة وصحة الإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ" رواه مسلم .

وترك هذه المخلفات فيه إلحاق ضرر بالإنسان والحيوان، بسبب ما تحدثه من روائح كريهة، تجلب الذباب والهوام، فيتأذى من يريد الجلوس في هذا المكان، وربما أكل بعض الحيوانات المخلفات البلاستيكية فماتت، كما حدثني بذلك بعض أصحاب الإبل، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه.

وفي جمع النفايات ورميها في المكان المناسب طاعة لولي الأمر الذي أمر بذلك وحث عليه.

ومن المحافظة على المكان عدم قضاء الحاجة في الأماكن التي يمكن للناس أن يرتادوها ويجلسوا فيها، حتى لا يُعرّضَ الناس للأذى، ولا يُعرّض نفسه لدعاء الناس عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ . قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
 قَالَ:  الَّذِى يَتَخَلَّى فِى طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ . رواه مسلم

السابع : المحافظة على الأذكار الشرعية في البر، خصوصاً أذكار الصباح والمساء، وذكر النزول كما قال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. لَمْ يَضُرُّهُ شَيءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ" رواه مسلم 
وذلك أن هذه الأمكنة قد يسكنها بعض الجن والشياطين، وتوجد  بها بعض الهوام الضارة كالأفاعي والعقارب، خصوصاً فترة دخول الليل فإنها تظهر وتنتشر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ »." متفق عليه وفي رواية عند البخاري : " وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً " 

الثامن : لا تنس عائلتك من الخروج في مثل هذه الرحلات، فإن بعض الرجال يكثرون من الذهاب مع أصحابهم إلى البر للنزهة ويترك زوجته وأولاده دون أن يخرج بهم ومعهم، فحسن العشرة مع الأهل والذرية يقتضي الترفيه عنهم بما يدخل السرور على أنفسهم.

التاسع: التخلق بمحاسن الأخلاق في التعامل مع الإخوة والأصحاب في الرحلات، وذلك من كمال الإيمان، ومما يزيد العبد رفعة عند الله وعند الناس، فلا يتكبر على إخوانه بل يتواضع، ويسعى لخدمة إخوانه ومساعدتهم، فإن بعضهم يجلس في مكانه آمراً ناهيا ً دون أن يقوم بأي عمل، والصحيح أن يشارك أصحابه عملهم .

وإذا وَجد المرء منكراً في أثناء الرحلة أُنكره بالمعروف، فإن لم يَستطع إنكاره رَفع الأمر للمسؤول دون أن يثير الخلافات التي تؤدي للتفرقة والتحزب. 

أخيرا لا ينس العبد الهدف الأسمى من وجوده في الحياة وهو عبادة الله سبحانه وتعالى وتوحيده، فعليه أن يستعمل كل ما خلقه الله له في هذه الدنيا لتحقيق هذا الهدف. 

وفقا الله جميعا لما يحبه ويرضاه . 

الأحد، 29 أكتوبر 2017

مقال : الألباني وبراءته من الفكر الثوري - رد على ما ذكره ( د ) جمال السويدي من تأثر جهيمان التكفيري بفكر الألباني السلفي-

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد ..

فإن من أشرف الناس بعد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والصحابة رضوان الله عليهم العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء، وحملة الدين بعدهم، ومن يدافع عنه بالحجة والبرهان، ويرد كيد أهل الزيغ والبهتان، فما انحرف زائغ عن الشرع إلا وكانوا ضده مجتمعين، ولشبهاته كاشفين، ولدين الله ناصرين، لذلك لا يحبهم ويواليهم إلا أهل الحق.

ومن العلماء الذين شهد العالم بجهودهم في خدمة الدين والرد على أهل البدع والمحدثات، ودحض شبهات أهل التكفير والتنفير، الشيخ العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وغفر له وأجزل له المثوبة .

ولأجل جهوده العظيمة فقد ابتلي رحمه الله كما ابتلي العلماء قبله بالنقد والتجريح بلا حجة ولا دليل صحيح، فاتهمه أهل الشبهات بالإرجاء، وتطاول عليه بعض الأصاغر فرموه بالتجهم، فدافع عنه أهل العلم، وبينوا مكانته وجهوده،  ولا يعرف لأهل الحق مكانتهم إلا أهله، ففي عام 1419 هـ تم تكريمه رحمه الله في المملكة العربية السعودية بأن حصل على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية.

ومن رفعة الله سبحانه وتعالى لهذا الإمام أنك لا تكاد تجد دراسة علمية دينية إلا وكتبه عمدة في التصحيح والتضعيف، والاعتناء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، فمثل هذا الإمام محله التوقير والإجلال لا الإهانة والإذلال.

وبالأمس قرأت – ولأسف – تغريدات في تويتر للدكتور جمال سند السويدي مؤلف كتاب السراب، عرّض فيها بالشيخ الألباني   - رحمه الله – واتهمه بما هو منه براء، إذ قال في تغريدة له : " الجماعه السلفيه المحتسبه نشأت في المدينه المنوره في منتصف ستينات القرن الماضي وتأثرت بأفكار الألباني،بما فيها الوهابيه.

وما ذكره د جمال عن تأثر جهيمان بفكر الألباني والوهابية على حد زعمه كلام عار عن الصحة تماما،  ولا يليق أبدا بالدكتور أن يقحم نفسه في هذا الاتهام، وهو الخبير – على ما يدعي- في الفرق والجماعات الإسلامية أو ما يسميه بالإسلام السياسي، وألف في موضوعه كتاب السراب، على ما فيه من ملاحظات حول نظرته للإسلام والسياسة، سأبين بعضها لاحقا بإذن الله . 

فالألباني رحمه الله وأئمة الدعوة في المملكة العربية السعودية - والذين يلمزهم ( د ) بالوهابية اتباعا لأعداء دعوتهم القائمة على محاربة البدع والشركيات- منهجهم منهج أهل السنة والجماعة، وهو منهج أهل الوسط والاعتدال، القائم على اتباع الهدي النبوي صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضوان الله عليهم وأئمة الهدى والنور من الأئمة والعلماء، وهذا المنهج من أهم أسسه التحذير من التكفير وحفظ دماء المسلمين وأموالهم واعراضهم، وتحريم الثورات بكافة أنواعها، ولا يرونها سبيلا للإصلاح والتغيير .

ولو استمع ( د ) لمناظرات الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله للتكفيريين، والتي امتدت لأيام وساعات لم ينهها في كل يوم إلا أذان الفجر لعلم منهج الشيخ وعقيدته القائمة على التحذير من التكفير والخروج على الحكام والثورات.

بل من أرّخ لفتنة المدعو جهيمان وأحداث فتنته ذكر أن الشيخ الألباني رحمه الله قد ناصحه وبين له عوار فكره وانحرافه، وكذلك الشيخ ابن باز رحمه الله وغيرهم من العلماء الأجلاء.

فلا يجوز أن ننسب انحراف جهيمان وفتنته للشيخ الألباني أو الشيخ ابن باز – رحمهما الله -فقط لأنه كان يحضر دروسهما، ويقرأ في كتبهما، فهذا ظلم وفيه مجانبه للمنهج العلمي الأكاديمي القائم على الموضوعية. 

ولا يجوز أن ننسب انحراف جهيمان وفتنته للدعوة السلفية النقية القائمة على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثر صحابته لأنه سمى جماعته باسم ( السلفية المحتسبة) فالعبرة بالمعاني لا بالمباني.

ولا ينبغي أبدا أن يكون الانترنت وموسوعاته وما يكتبه بعضهم في المنتديات مصدر التلقي في الحكم على الآخرين خصوصا أهل العلم ومن لهم مقام شريف في العالم، فهذا يتعارض مع الموضوعية في الطرح والنقد.

فهل يستطيع  ( د ) جمال أن يبرهن للقراء وجه التشابه بين فكر جهيمان التكفيري وعقيدة الشيخ الألباني  ومنهجه الذي بثه في كتبه وأشرطته ؟ 

ولو كلف ( د ) نفسه النظر في كتب الشيخ الألباني رحمه الله لرأى نقد الشيخ لجهيمان وفتنته، ومن ذلك قوله : " ومثل جماعة (جهيمان) السعودي الذي قام بفتنة الحرم المكي على رأس سنة (1400) هجرية، وزعم أن معه المهدي المنتظر، وطلب من الحاضرين في الحرم أن يبايعوه، وكان قد اتبعه بعض البسطاء والمغفلين والأشرار من أتباعه ، ثم قضى الله على فتنتهم بعد أن سفكوا كثيرا من دماء المسلمين، وأراح الله تعال العباد من شرهم" ينظر : سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/235)

ومن الأدلة المعاصرة على عقيدة الشيخ -رحمه الله- ومنهجه تجاه التكفير والثورات موقفه من الثورة المسلحة التي حدثت في الجزائر أيام الفتنة، فحذر - رحمه الله - منها وكشف شبهات الثوريين والتكفيريين، وكذلك إخوانه من العلماء كالشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله، حتى أن حكومة الجزائر أذاعت هذه الفتاوى للمشايخ الثلاثة عبر مكبرات الصوت في الشوارع وفي وسائل الإعلام المختلفة، الأمر الذي كان له أثر فعال في إنهاء الثورة ورمي السلاح والاستسلام للحكومة.

فمثل هذه العقيدة لهؤلاء الأئمة تكون سببا في خروج جهيمان وحدوث فتنته ؟ 

واستغرب من ( د ) جمال ثناؤه على دعوة جمال الدين الأفغاني في كتابه السراب، وهذه الشخصية عرفت بأنها شخصية ثورية سياسية منحرفة، ومع ذلك قال ( د) عنها في ص 66 : " ولماذا أجهضت حركة الإصلاح الديني الواسعة التي بدأت على يد العديد من الفقهاء والمفكرين المسلمين من أمثال الشيخ حسن العطار وقاسم أمين والأئمة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي ، وغيرهم من رواد النهضة في العالمين العربي والإسلامي منذ الثورة الفرنسية .." 

فاعتبر ( د)  حركة جمال الدين الأفغاني حركة إصلاح ديني، مع أنه المؤسس الحقيقي لما يسمى بالحاكمية والإسلام السياسي الثوري الذي انتقده ( د ) جمال في كتابه السراب.

قال خامئني المرشد الأعلى في إيران في كتاب خليفة الإمام الراحل ص .348 : " إن مسألة الحاكمية والبعث الإسلامي الجديد طُرحتا للمرة الأولى في القضاء العالمي على يدي السيد جمال الدين " ، وقال عنه تلميذه ميرزا حسين خان دانش الأصفهاني نزيل الآستانة : " ولهذا أقول : إن السيد لم يكن شيئا سوى رجل ثوري المقصد ، ناري الطبع ، على بصيرة وعلم ، وكان داعية للهياج ، فلسفي المشرب ، غليظ القلب ، شديد البطش ، ولم يكن مؤمنا بإمكان رقي شعب في سلم التطور والتكامل " ينظر : حقيقة جمال الدين الأفغاني 1/ 108 .

فرجل مثل هذا تصفه بأنه من رجال الإصلاح الديني، وتنسب فكر جهيمان الثوري للشيخ الألباني، الذي حذر من الثورات وصرح بحرمتها في كتبه ومحاضراته، إن هذا لشيء عجاب .

كذلك من العجيب عند ( د ) جمال في كتابه السراب ثناؤه على الثورة الفرنسية - وأنا أسميها الثورة الفرنسية البائسة-  وثناؤه على مفكريها، واستشهاده بآراهم وأفكارهم، مع ما تحتويه الثورات – ومنها الثورة الفرنسية البائسة – من قيم الضياع والهلاك والدمار، الذي ثبت للعالم بدليل واقعي شهد به الجميع.

أما الشيخ الألباني رحمه الله وأئمة الدعوة النجدية الذين يلمزهم ( د ) بالوهابية فهم ضد منهج جمال الدين الأفغاني ومنهج الثورة الفرنسية البائسة، لأنه منهج ثوري مشابه لمنهج وطريقة جهيمان. 

فمن الذي تأثر بفكر الآخر  ؟ 

ولكن أقول : لو تأثر جهيمان التكفيري بفكر الألباني والوهابية -كما يسميهم الدكتور- لما خرج ولا حدثت هذه الفتنة، ولكنه خالف عقيدتهم ونصحهم فأصبح من الهالكين.


أخيرا أذكر ( د ) جمال بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : "إن الله قال: من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب.." 

أخي ( د ) جمال : هذه نصيحة مريد للخير لك، فليتسع صدرك لها، فإن كانت حقا فاتباعها اتباع للحق وليس لقائلها، وإن كانت مجانبة للحق والصواب لم تضرك.

فاللهم ارحم الشيخ الألباني وعلماء الأمة واجزهم خير الجزاء .

وفقني الله وإياك أخي ( د ) جمال لما فيه الخير وهدانا لمعرفة الحق واتباعه، وصرف عنا مضلات الهوى، إنه على كل شيء قدير .