الثلاثاء، 8 سبتمبر 2020

مقال : النص الشرعي بين التسليم والعقل ج 2

بسم الله الرحمن الرحيم 

( رد النص الشرعي ) 


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده و رسوله، أما بعد 


فقد تكلمنا في ما سبق عن تعظيم المؤمن للنص الشرعي الصحيح الثابت، وعن التسليم والإذعان له، وإن مما يضاد ذلك ردّهُ وعدم قبولهِ رغم ثبوتهٍ وصحته، بل ربما مع إجماع العلماء على حكمه ومقتضاه، ومعارضتهُ برأي أو قول لمفكر أو فيلسوف وربما لمستشرق حاقد.


ومما هو معلوم قطعاً أنه لا يجوز للمسلم أن يردّ ما ثبت من النص الشرعي في كتاب الله تعالى أو ما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لتعلق الأمر بعقيدته وإيمانه، قال الله سبحانه وتعالى : " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [النور:51 ] ، قال المفسر السعدي رحمه الله في تفسيره للآية: "  أي: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} حقيقة، الذين صدّقوا إيمانهم بأعمالهم، حين يدعَونَ إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، سواء وافق أهواءهم أو خالفها، {أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا حكم الله ورسوله، وأجبنا من دعانا إليه، وأطعنا طاعة تامة، سالمة من الحرج، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} حصر الفلاح فيهم؛ لأنّ الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المكروه، ولا يفلح إلا من حَكّمَ الله ورسوله، وأَطاعَ الله ورسوله. " ا.هـ 


وأخبر الله سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تَخيّر بعد ذلك فقد ضل ضلالاً مبيناً، قال الله سبحانه وتعالى : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" [الأحزاب:36].

 قال ابن القيم رحمه الله: " فاختيارُ العبدِ خلافَ ذلك منافٍ لإيمانه وتسليمه، ورضاه بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً."  مدارج السالكين (2/ 185)


 وأقسم الله عز وجل على أنّ العباد لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما وقع بينهم من خلاف، ولم يرض بذلك، بل لا بد وأن يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليماً.

 وهذا حقيقة الرضا والتسليم بحكمه، فقال الله سبحانه وتعالى : " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " [النساء:65]

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية : " قوله: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } يقسمُ تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحدٌ حتى يحكم الرّسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحقُ الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً؛ ولهذا قال: { ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي: إذا حكّموك يطيعونكَ في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهرِ والباطنِ، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. " تفسير ابن كثير (2/ 349)


 وقال ابن القيم رحمه الله :" فأقسم سبحانه أَنَّا لا نؤمن حتى نحكّم رسولهُ في جميع ما شجر بيننا وتتسع صدورنا لحكمه، فلا يبقى فيها حرج، ونسلّم لحكمه تسليماً، فلا نعارضه بعقل ولا رأي، فقد أقسم الله سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه. " مختصر الصواعق ص: 116 "


وبيّن الله سبحانه وتعالى أنّ ردّ النص الشرعي قد يفضي بصاحبه إلى الوقوع في الشرك والكفر بالله تعالى، فقال : " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .

 روى ابن بطة العكبري رحمه الله في كتابه (الإبانة الكبرى) (260/ 1) عن الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: نظرتُ في المصحف فوجدتُ فيه طاعةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }  وجعل يكررها، ويقول: وما الفتنة؟ الشرك. لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ فيهلكه . " 


وتأملوا معي إلى هذا الموقف الذي فيه بيان عاقبة من ردّ النص الشرعي لهواه وفكره، وإلى أيّ مدى وصل به الحال، قَالَ الذَّهَبِيّ رحمه الله في كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال : عبيد الله بن معَاذ، عَن أَبِيه أَنه سمع عَمْرو بن عبيد ( وهو رأس المعتزلة )  يَقُول: وَذكر الحَدِيث عَن الصَّادِق المصدوق صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ .... " وقد رواه البخاري ومسلم.

 فَقَالَ عَمْرو بن عبيد: لو سَمِعت الْأَعْمَش يَقُوله لكذبته، وَلو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، وَلَو سَمِعت ابْن مَسْعُود يَقُوله مَا قبلته، وَلَو سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول هَذَا لرددته، وَلَو سَمِعت الله يَقُول هَذَا لَقلت: لَيْسَ على هَذَا أخذت ميثاقنا" ا.هـ ، نسأل الله السلامة والعافية.


وهذه العاقبة نراها اليوم رأي عينٍ في بعض متصدري الإعلام من أرباب الفكرِ المنحرف، إذ رفعوا راية تحكيم العقل وعدم التقليد الأعمى، ثم تطور حالهم إلى التشكيك في السنة وكتبها كالبخاري ونحوه، وانتهى بهم الحال إلى التشكيك في أصول الدين وأسسه تحت مسمى نقد الموروث، ولا يُستبعد وقوع بعضهم في الإلحاد والعياذ بالله.


فأصلُ كلِ شرٍ معارضةُ النّص الشرعي الصحيح الثابت بالرأي والمعقول، وتقديمُ الهوى على الشرع، قال الله سبحانه: "فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50]


وأمةُ الإسلام بجميع فِرقِها تثبت القرآن الكريم، ولا يستطيع فرد منها ولا من غيرها أنْ يحرف أو ينكر حرفاً منه، ولكن الأمر مع السنة مختلف تماماً، إذ تجرأ عليها من لا علم له بها، فبدؤوا يردون السنة إما جملة أو بالاختيار والتشهي.  


وأمّا أهل السنة فيعتقدون أنّ النّص الشرعي كتاباً كان أو ما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم حجة بنفسه في العقائد والعبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والحدود والقصاص وجميع أمر الشرع، قال الطحاوي في العقيدة الطحاوية : " وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ ".


واشتد نكير الصحابة رضوان الله عليهم على من عارض النص الشرعي بمجرد رأيه وهواه، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي قَتَادَةَ حَدَّثَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ". قَالَ أَوْ قَالَ : " الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ ".

 فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ وَقَالَ: أَلاَ أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَتُعَارِضُ فِيهِ.


فنجد الصحابي الجليل يغضب من بشير بن كعب لأنه عارض حديث النبي صلى الله عليه وسلم بما في بعض الكتب من أقوال، لأن الصحابة رضوان الله عليهم تربوا على تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم تجاوزها إلى غيرها.


وهاك مثالاً آخر يدلك على شدة تعظيم الصحابة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وشدتهم على من يعارضها بقول أو رأي، فروى مسلم عن سَالِم بْن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنه الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لاَ تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا ". قَالَ فَقَالَ بِلاَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ.

والسب المذكور في الحديث فسرته بعض الروايات بالدعاء عليه، وبلال المعترض ولد عبد الله بن عمر رضي الله عنه الله عنهما، ومع ذلك لم يمنعه قربه منه وصلة الرحم بينهما من الشدّةِ عليه وتأديبه، تعظيماً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وزجراً لمن رد شيئاً منها.


وعلى هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم في تعظيمهم لسنةِ النبي صلى الله عليه وسلم وشدتهم على من يعارضها برأي أو قول، قال ابن القيم رحمه الله : "  فانظر هل كان في الصحابة من إذا سمع نصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضهُ بقياسهِ، أو ذوقهِ، أو وجدهِ، أو عقلهِ، أو سياستهِ؟ 

وهل كان قط أحدٌ منهم يقدمُ على نصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلاً أو قياساً، أو ذوقاً، أو سياسةً، أو تقليد مقلد؟ 

فلقد أكرم الله أعينهم وصانها أنْ تنظرَ إلى وجه من هذا حاله، أو يكون في زمانهم، ولقد حَكمَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه على من قدّم حكمهُ على نصّ الرسول بالسيف، وقال: هذا حكمي فيه، فيالله! كيف لو رأى ما رأينا، وشاهد ما بُلينا به من تقديم رأي كل فلان وفلان على قول المعصوم صلى الله عليه وسلم، ومعاداة من اطرح آراءهم، وقدم عليها قول المعصوم؟ فالله المستعان، وهو الموعد، وإليه المرجع. " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 334)


 وجميع العلماءِ والأئمةِ الأعلام على الاحتجاج بالنص الشرعي وتعظيمه، ولا يقدمون عليه أي دليل آخر. ومن الأمثلة على ذلك ما نقله ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 24)  عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال : وَكَانَ فَتَاوِيهِ مَبْنِيَّةً عَلَى خَمْسَةِ أُصُولٍ: [أُصُولُ فَتَاوَى أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ] أَحَدُهَا: النُّصُوصُ، فَإِذَا وَجَدَ النَّصَّ أَفْتَى بِمُوجَبِهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَا خَالَفَهُ وَلَا مَنْ خَالَفَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ ....  وَلَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَمَلًا وَلَا رَأْيًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا قَوْلَ صَاحِبٍ وَلَا عَدَمَ عِلْمِهِ بِالْمُخَالِفِ الَّذِي يُسَمِّيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إجْمَاعًا وَيُقَدِّمُونَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ" وهكذا بقية الأئمة الأعلام .


وتأملوا معي إلى موقف الإمام الشافعي رحمه الله الذي يبين موقف المسلم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَمِعْتُ الْحُمَيْدِي يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَتَاه رَجُلٌ فَسَأَلَه عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رجُلُ لِلشَّافِعِي: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَرَانِي فِي كَنِيسَة! تَرَانِي فِي بِيعَة! تَرَى على وَسَطِي زُنَّار؟! أَقُولُ لَكَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟!


فالمسلم يثبتُ على طريقتهم وهديهم، ولا يلتفت إلى من يزهد المسلمين في الوحي بحجج واهية، وادّعاءات كاذبة، وأوهام ساقطة لا تقوم على أساس صحيح. 


والعجب من أقوام من المسلمين سايروا أهل الاستشراق المعادين للإسلام وأصوله، فصاروا يلوكون شبهاتهم حول النص الشرعي، ويتقيؤونها في برامجهم وفي وسائل التواصل الاجتماعي تحت مسى الحداثة والعصرانية ونقد الموروث، وليس هدفهم إلا الطعن في النص الشرعي وفي أصول الدين وثوابته، فأمثال هؤلاء يُنبذون ولا يُتابعون، قال الله سبحانه وتعالى محذرا منهم: " {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [الكهف: 28].


فهؤلاء أهلُ انحرافٍ عقدي وأهلُ ابتداع في الدين، كما وصفهم ابن تيمية رحمه الله بقوله : " فلا تجد قط مبتدعاً إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه، ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه. " درء تعارض العقل والنقل (1/ 221)


فلا يرد النص الشرعي إلا من كان محادّاً لله ولرسوله، وقد قال الله سبحانه وتعالى: " {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 63] ، وقال الصديق أبوبكر رضي الله عنه: " لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعْمَلُ بِهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ" رواه البخاري ومسلم، فمن يرد سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة معرضٌ نفسهُ للزيغ والانحراف .


قال ابن بطة رحمه الله: "  هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه الزيغ إن هو خالف شيئاً من أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وبأوامره، ويتباهون بمخالفته، ويسخرون بسنته؟ نسأل الله عصمة من الزلل ونجاة من سوء العمل." الإبانة الكبرى لابن بطة (1/ 246).


ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بعض خصال أهل النفاق والتي منها الإعراض عن النص الشرعي والصد عنهم، فقال سبحانه : " {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } [النساء: 61]، فكذلك كل من رد النص الشرعي لمجرد هواه ورأيه فإنّ فيه هذه الخصلة من خصال أهل النفاق.


فالحذر الحذر من أمثال هؤلاء الشرذمة من الناس، ممن زاغت قلوبهم، وضلت عقولهم، جاء عن التابعي الجليل أبي قلابة قال: إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال. " 


قال الذهبي معلقا على الأثر:  وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث الآحاد وهات العقل، فاعلم أنه أبو جهل. " سير أعلام النبلاء ط الرسالة (4/ 472)


فعلى المسلم أن يعتز بدينه وبعقيدته، ولا يجعل دينه عرضة لأهل الزيغ والانحراف يتلاعبون به تحت مسمياتٍ مبهرجة، وادعاءاتٍ كاذبة، وشبهاتٍ مضللة، قال ابن بطة رحمه الله – في كتاب الإبانة الكبرى (1/ 260) : " فالله الله إخواني احذروا مجالسة من قد أصابته الفتنة فزاغ قلبه، وعشيت بصيرته، واستحكمت للباطل نصرته، فهو يخبط في عشواء، ويعشو في ظلمة أن يصيبكم ما أصابهم، فافزعوا إلى مولاكم الكريم فيما أمركم به من دعوته، وحضكم عليه من مسألته، فقولوا:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران: 8]. ا.هـ


 فالنجاة الحقيقية لن تتحقق للعبد إلا كما قال تعالى : " {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88، 89] والقلب السليم هو قلب المؤمن السالم من كل شبهة في الدين كالشرك بالله والبدع والرياء، والسالم من كل شهوة في الدنيا من الذنوب والمعاصي، قال ابن القيم –رحمه الله-  ( الداء والدواء 187): (ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والاخلاص" ا.هـ


وفقني الله وإياكم لكل خير، والحمد لله رب العالمين . 



الجمعة، 7 أغسطس 2020

مقال : الميثاق الغليظ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أما بعد

 فالزواج علاقة ينظمها الشرع ولا تخضع للرغبات والأهواء الشخصية، وقد وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله " وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا " [النساء:21].


ولذلك نجد أنّ الله سبحانه يحذر من التلاعب بأحكامه، فختم بعض الآيات التي بيّن فيها أحكام الزواج بقوله : " تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ." [البقرة:229]، وقوله : " وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " [البقرة:230] وقوله : " وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة:231] ، فيحذر المسلم من التلاعب به، تحت مسميات وأهواء تلبي رغبات شخصية، قد تعرضه للوقوع فيما حذر الله منه، خصوصاً إذا وصل الأمر إلى تحريف أحكام الزواج الشرعية بحجة الخلاف الفقهي.


ولأهمية الأمر وضع العلماء قاعدة وهي: الأصل في الأبضاع التحريم، فإذا تقابل في المرأة حل وحرمة غُلّبت الحرمة ، وفي حجة الوداع أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء فقال: "فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. " ‏ فدل قوله صلى الله عليه وسلم : (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ) على أنّ الأصل في النساء تحريم الفروج، حتى يأتي أمر يُحلها، وهو كلمة الله، والمراد  (بكلمة الله )عقد النكاح الذي شرعه الله وبين أحكامه.


والشريعة أباحت الزواج لأجل تحقيق مقاصد، فإذا خلا هذا الزواج من هذه المقاصد كان عبثاً، قال ابن تيمية في إقامة الدليل على إبطال التحليل (5/ 31) : " وكذلك الإبضاع حرام قبل العقد، وإنما أبيحت بعد العقد، وأبيح العقد عليها للانتفاع بمقاصد النكاح والنفع بها، فإذا عَقَد لغير شيء من مقاصد النكاح كان ذلك حراماً عبثاً. " 


‏وإشباع الرغبة الفطرية في الرجل ليست هي المقصد الأوحد في الزواج لأجل أن يسعى لتحقيقها، بل توجد مقاصد أُخر منها تحقيق المودة والرحمة، والمساكنة الزوجية، والولد ، وحصول علاقات المصاهرة وغيرها.  


ولأجل تحقيق هذه المقاصد مجتمعة أو أكثرها كان الأصل في الزواج أنه على التأبيد وحُرّم فيه التأقيت، كزواج المتعة.

ومما يؤكد ما ذكرناه ما رواه أبوداود عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنَّهَا لاَ تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ « لاَ ». ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : " تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ ». فالنبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن هذا الزواج لأنه لا يحقق المقاصد المرجوة منه.


 ومن الأمثلة التي تبين تحريم الشرع التلاعب بالزواج قول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله المحلل والمحلل له " رواه الترمذي، فنهى عن نكاح التحليل، مع أنّ شروطه الظاهرة مكتملة، من الولي والشهود والرضى والمهر، ولكن اختل فيه جانب مقصد النكاح، فليس المقصود منه تحقيق المودة والرحمة، ولا الولد، ولا المصاهرة، فمنعه المشرع لأجل ذلك.


قال ابن تيمية رحمه الله في إقامة الدليل على إبطال التحليل (3/ 474) : " اللَّهَ سُبْحَانَهُ اشْتَرَطَ لِلنِّكَاحِ شُرُوطًا زَائِدَةً عَلَى حَقِيقَةِ الْعَقْدِ تَقْطَعُ عَنْهُ شُبْهَةَ بَعْضِ أَنْوَاعِ السِّفَاحِ بِهِ، مِثْلَ اشْتِرَاطِ إعْلَانِهِ إمَّا بِالشَّهَادَةِ أَوْ تَرْكِ الْكِتْمَانِ أَوْ بِهِمَا.

 وَمِثْلُ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِيهِ، وَمَنَعَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَلِيَهُ، وَنَدَبَ إلَى إظْهَارِهِ؛ حَتَّى اُسْتُحِبَّ فِيهِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ وَالْوَلِيمَةُ، وَكَانَ أَصْلُ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } وَ { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْإِخْلَالِ بِذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى وُقُوعِ السِّفَاحِ بِصُورَةِ النِّكَاحِ، وَزَوَالِ بَعْضِ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ مِنْ جحد الْفِرَاشِ، ثُمَّ إنَّهُ وَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَ لِلنِّكَاحِ حَرِيمًا مِنْ الْعِدَّةِ يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَثْبَتَ لَهُ أَحْكَامًا مِنْ الْمُصَاهَرَةِ وَحُرْمَتِهَا وَمِنْ الْمُوَارَثَةِ زَائِدَةً عَلَى مُجَرَّدِ مَقْصُودِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَعُلِمَ أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ سَبَبًا وَصِلَةً بَيْنَ النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا جَمع بَيْنَهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { نَسَبًا وَصِهْرًا }.

وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ تَمْنَعُ اشْتِبَاهَهُ بِالسِّفَاحِ وَتُبَيِّنُ أَنَّ نِكَاحَ الْمَحَلل بِالسِّفَاحِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ، حَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الْخَصَائِصُ غَيْرَ مُتَيَقَّنَةٍ فِيهِ. " ا.هـ


ومما يبين عظيم حقوق الميثاق الغليظ أنّ الله سبحانه وتعالى قد بين هذه الحقوق في القرآن الكريم، قال الله سبحانه وتعالى : " {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [البقرة: 228].


كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقوق في أعظم المواقف والخطب، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم عرفة في حجة الوداع التي قرر فيها قواعد وأصول عظيمة، ومنها حقوق الزواج فقال : " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ." رواه مسلم 


ورغم عظم هذا الميثاق وُجد من يتلاعب من الرجال والنساء بأمر الزواج، الأمر الذي أدى إلى وقوع مفاسد عظيمة، وللأسف أن يتم هذا التلاعب تحت شعار الرغبة في العفة والتعدد في الزواج، وبعد الزواج ما يلبث أن يبقى مع الزوجة إلا يسيراً ثم يطلقها، وقد أضمر نية الطلاق قبل الدخول.


وُجدت مجموعات في برنامج الواتساب والتلجرام تحمل مسميات التعدد والتشجيع على ثقافة التعدد ، والتعدد أمر مشروع لا يمكن لأحد أن ينكره، بل قال بعض أهل العلم أن الأصل في الزواج التعدد، ولكن هذا التعدد مشروط بالقدرة المادية والبدنية والقدرة على العدل، قال الله سبحانه وتعالى : " {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } [النساء: 3]


ومن كان غير قادر على التعدد فيحرم عليه الزواج، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في الشرح الممتع على زاد المستقنع (12/ 9) : " ومن ذلك إذا كان الإنسان معه زوجة وخاف إذا تزوج ثانية ألا يعدل، فالنكاح حرام لقول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، فأمر الله ـتعالى  بالاقتصار على الواحدة إذا خفنا عدم العدل. " 

وبعض من تزوج بأخرى ضيع حقوق بيته الأول، وربما الثاني، فقصر في النفقة، وقصر في حقوق الزوجتين والأسرتين، لدرجة أنّ أحدهم قدم استقالته من جهة عمله حتى لا تطالب زوجاته بالنفقات عن طريق القضاء، وهذا نوعٌ من العبث والجهل وسوء تصرف، فمن أعظم الإثم تضييع حقوق من تحت ولايته من الزوجات والأولاد، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ. " رواه مسلم، وعند أبي داود في السنن" كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ. " ، ومن ثم يقع في ظلم زوجاته وأولاده، وقد قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: " يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا." رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: " اتَّقوا الظلْمَ؛ فإنَّ الظلْمَ ظُلُماتٌ يومَ القِيامَة" رواه مسلم.


ومن العجيب أنّ بعضهم يقبل على الزواج رغم علمه بعجزه عن الوفاء بحقوق الزوجة، ولكنه يتعلق بشبهة يرددها البعض، فلمّا تذكره  بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "  مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ " رواه أبوداود يقول : لأن ألقى الله وأنا شقي مائل خير من ألقاه بكبيرة الزنى، وللجواب عن ذلك أقول : 

أولا : الأصل في المسلم أنه معظم لحرمات الله سبحانه وتعالى، فيتجنب الصغائر والكبائر، قال الله سبحانه وتعالى : " {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] وقال "{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)}" [الشورى: 36، 37].

ثانيا : ظلم الزوجة والأولاد كبيرة ليست بالهينة، فهي ذنب يتعلق به حقوق الناس، وحقوهم مبنية على المشاحة والمطالبة، ولا تسقط بالتوبة إلا بعد أن يؤدي الحق الذي لهم، أو يتحلل منهم فيسامحوه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ كانَتْ عندَةُ مَظْلَمَةٌ لأخيه مِنْ عِرْضٍ أو مِنْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحلَّلْهُ مِنْهُ اليومَ، مِنْ قَبْلِ أنْ لا يَكونَ دِينارٌ ولا درهم، إنْ كانَ لَهُ عَملٌ صالحٌ؛ أخذَ منْهُ بقَدْرِ مَظْلَمَتِه، وإن لَمْ تَكَنْ لَهُ حَسنَاتٌ؛ أخذَ مِنْ سيِّئاتِ صاحبِهِ فَحُمِلَ عليه". رواه البخاري

فالذي يظن أنه أهون عليه أن يلقى الله بكبيرة الظلم وعدم العدل بين الزوجات، على أن يلقاه بكبيرة الزنى لم يتصور عظم عاقبة الظلم في الدنيا والآخرة، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجَّلَ الله لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ، مِنَ الْبَغِيِّ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ. " رواه الترمذي .


ثالثا : ليس بصواب ما يدعونه من وقوعهم في الضرورة التي تبيح لهم فعل المحرم، ويستدلون بقاعدة : " الضرورات تبيح المحضورات "، و ذلك من وجوه :

الأول : الواحد منهم لديه زوجة – في الغالب - يعف بها نفسه عن الحرام، وبالتالي فإن الخوف من الوقوع في الزنى غير متصور، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى امْرَأَةً فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَخَرَجَ وَقَالَ  : " إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ " رواه مسلم ، وعند الترمذي : " إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِى مَعَهَا "

الثاني : إذا كان الرجل محتاجاً لأكثر من زوجة، ولا يكتفي بواحدة، وعجز عن الزواج بأخرى، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى علاج للوقاية من الحرام، قال صلى الله عليه وسلم:" 

يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ. " رواه البخاري.

الثالث : من يدعي الضرورة وأنه ما تزوج الثانية إلا لخوفه من الزنى، رغم عدم مقدرته المالية على الزواج، وعدم مقدرته على العدل، فنقول له لماذا تطلق إذا ؟ 

ثم تبحث عن أخرى وبعد الدخول تطلقها، ثم تتزوج بأخرى ثم تطلقها .  

فحاجتك للزوجة الأخرى قائمة، فاستمر معها ولا تظلمها ولا تطلقها أو تجبرها على طلب الخلع.


وفي نهاية هذا المقال أوكد على أنّ التعدد للرجل حق مشروع، فله أن يتزوج بأربع نسوة، وبعض أهل العلم ذكر أن الأصل في الزواج التعدد، ولكن بشرط القدرة المالية والبدنية، والقدرة على العدل بين الزوجات، والمقصود من هذه الكتابة التحذير من ظلم الزوجات والأولاد، وطلاق النساء لغير سبب، سوى الرغبة في المتعة، مع التحذير من الانسياق وراء الشهوات التي قد تفضي بالعبد إلى الوقوع في الفواحش والإثم.

كما أذكر إخواني بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى" رواه الترمذي.


والحمد لله رب العالمين .

الثلاثاء، 14 يوليو 2020

مقال : النص الشرعي بين التسليم والعقل ج 1



                     بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد

    فمن نعمة الله على البشرية أن بعث  إليها النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلم، فأخرجهم من ظلمات الجاهلية والكفر والشرك إلى نور التوحيد والهداية، قال الله سبحانه وتعالى: " لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " [آل عمران:164] ، وأيده سبحانه وتعالى بالوحي، قال عز وجل : "  وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى " [النجم:3-4]، وجعل الهداية في اتباع هذا الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله سبحانه وتعالى : " ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" [البقرة:2 ]،  وجعل الهداية في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والسير على سنته وهديه، فقال سبحانه : "  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ " [الشورى:52-53 ].

فالوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم يشمل القرآن المتلو، والسنة الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كانت أو فعلاً او تقريراً، روى الأوزاعي عن حسان بن عطية رحمه الله ( ت 130 هـ ) أنه قال : "كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، يعلمه إياها كما يعلمه القرآن" رواه الدرامي في سننه.

فمصدر الكتاب والسنة واحد وهو الوحي، ولكن غاير الله بينهما في بعض الأحكام، فجعل القرآن أصلاً، والسنة أصلاً آخر متعلق بالقرآن تفصيلاً وبياناً، قال الله سبحانه وتعالى : " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل:44]
فمبنى الدين كله على الوحي، ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين باتباع الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله سبحانه وتعالى : " اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ  " [الأنعام:106] وقال سبحانه : " قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " [الأعراف:203] وقال سبحانه : "  وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ". [يونس:109]

فلا تجد حكماً متعلقاً بالدين إلا ودليله الوحي، كتاباً أو سنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله  في مجموع الفتاوى (11/ 490) : " فَيَأْخُذُ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ دِينِهِمْ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ، فَإِنَّ مَا خَالَفَ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بَاطِلٌ." ا.هـ

ولذلك عظّم الله نصوص الوحي، وأمر بالتمسك بها والعمل بها، فجاءت الآيات الكريمة حاثة المسلم على التسليم لهذا النص الشرعي الثابت، قال الله سبحانه وتعالى : "  وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ " [لقمان:22] وقال سبحانه : "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " [النساء:65] ، وقال سبحانه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ " [الأنفال:24 ] وقال سبحانه : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا"[الأحزاب:36] 

وبيّن الله سبحانه أن من يعرض عن التسليم للنص الشرعي فإنما يتبع هواه، وأنه من أهل الظلم والضلال، فقال سبحانه : " فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " [القصص:50]

فالمسلم يُسَلّم لنصوص الوحي فيما يتعلق بالغيبيات ، وما يتعلق بالأخبار والقصص الواردة في النص، ويمتثل للأوامر والنواهي الشرعية، سواء علمنا الحكمة منها أو لم نعلم.

ولو تأملنا الآيات التي يذكر الله فيها صفة الاستسلام للوحي الإلهي نجد الله سبحانه وتعالى يربطه بالإيمان، قال تعالى : " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء:65]، وقول الله سبحانه: "وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا" [الأحزاب:22 ] 

ومن صفة أهل الإيمان الإيمانُ بجميع ما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مع السمع والطاعة، قال الله سبحانه وتعالى :"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [البقرة:285]

وهذا يقتضي من المؤمن أن يجعل النص الشرعي الصحيح الثابت وهو الوحي الإلهي حَكماً عليه، لا أن يتحكم هو فيه وفي قبوله أو رده، لذلك نهى الله عباده المؤمنين عن التقدم على النص الشرعي الثابت، قال الله سبحانه وتعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " [الحجرات:1 ]
قال المفسر السعدي -رحمه الله- في تفسير الآية : " هذا متضمن للأدب، مع الله تعالى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر الله عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين، خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جميع أمورهم، و أن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته تفوته السعادة الأبدية والنعيم السرمدي، وفي هذا النهي الشديد عن تقديم قول غير الرسول صلى الله عليه وسلم على قوله، فإنه متى استبانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها كائناً من كان. " ا.هـ

وعلى هذا الأمر كان الصحابة رضوان الله عليهم، ومن مواقفهم الدالة على تسليمهم للوحي :

1 )  ما رواه البخاري ومسلم عن زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ :رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ لَوْلاَ أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ
فالدافع لعمر -رضي الله عنه- في تقبيله الحجر التسليم للسنة المتمثلة في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يعارض ذلك برأي أو قياس.

2 ) وعن مَالِك بْن مِغْوَلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَصِينٍ قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ، فَقَالَ اتَّهِمُوا الرَّأْي ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِى جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وهذه الحادثة كانت في غزوة الحديبية، فقد صَعُب على بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ما رأوه من الحال التي تمت فيها المصالحة، فلم يستطيعوا أن يدخلوا مكة ليعتمروا، ولا أن يستنقذوا أبا جندل بن سهيل وقد جاءهم يطلب نصرتهم، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر رضي الله عنه يستشكل الحال التي هم عليها، فكان مما رد عليه أبوبكر رضي الله عنه أن قال له : " أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ يَعْصِى رَبَّهُ وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. " رواه البخاري  

3) ومن صور ذلك : حال الصحابة رضوان الله عليهم في غزوة الأحزاب، قال الله تعالى في وصف الحال:" إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) " [الأحزاب: 10-12] 
أما المؤمنون الصادقون فكان قولهم : "وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا " [الأحزاب:22 ]
قال ابن كثير في التفسير (6/ 392) : " أَيْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ الَّذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ الْقَرِيبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}... وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَا زَادَهُمْ} أَيْ: ذَلِكَ الْحَالُ وَالضِّيقُ وَالشِّدَّةُ مَا زَادَهُمْ {إِلا إِيمَانًا} بِاللَّهِ، {وَتَسْلِيمًا} أَيِ: انْقِيَادًا لِأَوَامِرِهِ، وطاعة لرسوله".

4) ومن صور تسليم الصحابة رضوان الله عليهم للوحي: ما رواه عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. رواه البخاري.
فجاء تطبيقهم للنص والعمل به من فورهم دون تأجيل وتأخير، فقد كان بإمكانهم أنّ يستمروا على حالهم في الصلاة مستقبلين جهة بيت المقدس، على أن يستقبلوا الكعبة في صلاة الظهر، لكنهم لتعظيمهم أمر الله ورسوله امتثلوا الأمر من فورهم.

5 ) ومن صور تسليم الصحابة رضوان الله عليهم للوحي: قول أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه –: كُنْتُ أَسْقِى أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوٍ وَتَمْرٍ، فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا، فَأَهْرَقْتُهَا. رواه البخاري.
فها هم الصحابة رضوان الله عليهم يأتيهم خبر الوحي وتحريمه للخمر، فيستسلمون له من فورهم امتثالاً، وقد كانت الكؤوس في أيديهم.

6) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه الله عنهما قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاَةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ، قَالَتْ وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ. " رواه البخاري ومسلم.
فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يغار على زوجته أن تخرج لصلاة الجماعة في المسجد، ومع ذلك يقدم الحكم الشرعي على ما في نفسه وهواه.

7 ) ومن صور تسليم الصحابة رضوان الله عليهم للوحي ما ورد عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه الله عنه قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرْضَ - أي: نتعامل فيها بالمزارعة -  عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مِنْ عُمُومَتِى فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالأَرْضِ فَنُكْرِيَهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ.
فتأملوا إلى قول الصحابي رضي الله عنه : " نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا" ، فكانوا رضي الله عنه الله عنهم يرون أن النفع في فعلهم، ولكنهم قدموا طاعة الله ورسوله، ورأوا أن النفع المترتب عليها أعظم .

8 ) ومن صور تسليم الصحابة رضوان الله عليهم للوحي : لما نزل قوله تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) إِلَى قَوْلِهِ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فَدُعِي عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا
فكانت الاستجابة فورية وسريعة، رغم تعلقهم بالخمر، واعتيادهم عليها دهرا طويلاً، ولكنّ قوة الإيمان تُرَوّض النفوس وتجعلها منقادة للشرع. 

9 ) ومن صور تسليم الصحابة رضوان الله عليهم للوحي ما ورد عَنِ الْحَسَنِ قال في قول الله سبحانه تعالى : ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ) قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَال: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ  فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا.
وَكَانَ رَجُلاً لاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ( فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ )، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ.
وفي رواية : فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ عَلَيْهِ ، فَتَرَكَ الْحَمِيَّةَ وَاسْتَقَادَ لأَمْرِ اللَّهِ " رواه البخاري. 
وعند الترمذي : " فَقَالَ لَهُ يَا لُكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَهَا فَطَلَّقْتَهَا، وَاللَّهِ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا آخِرُ مَا عَلَيْكَ، قَالَ: فَعَلِمَ اللَّهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا وَحَاجَتَهَا إِلَى بَعْلِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) إِلَى قَوْلِهِ (وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلٌ قَالَ: سَمْعًا لِرَبِّى وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ. 
فهذه الروايات تبين لك إصرار معقل بن يسار رضي الله عنه على موقفه الرافض لتزويج أخته من زوجها الذي طلقها، ولكنّ هذا الموقف تغير مع تسليم ورحابة صدر بمجرد سماع النص القرآني.

10) ومن صور تسليم الصحابة رضوان الله عليهم للنص الشرعي ما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه قال : " لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الأَحْزَابِ وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: " أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: " أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ.
فَقَالَ : "قُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ ". فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ.
قَالَ: " اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلاَ تَذْعَرْهُمْ عَلَىَّ ".
فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِى فِي حَمَّامٍ، حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِى ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " وَلاَ تَذْعَرْهُمْ عَلَىَّ ". وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ. "
فعلى الرغم من الترغيب العظيم الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة : " أَلاَ رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ولكن لم يجبه أحد بسبب شدة الموقف، ولكن لما تعين الأمر، فوجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حذيفة رضي الله عنه لم يكن له بد من الاستجابة والطاعة، فقال رضي الله عنه : " فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ."
ثم تأملوا بركة تطبيق السنة، فرغم شدة البرد والريح الشديدة شعر حذيفة رضي الله عنه بالدفء، وما عاد إليه البرد حتى انتهى من تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا سار الصحابة رضوان الله عليهم والعلماء الربانيون من بعدهم.

وللحديث بقية ...

السبت، 29 يونيو 2019

شهر شوال لطائف وأحكام


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد

من فضل الله علينا أن يسر وتابع لنا مواسم تكثر فيها الحسنات، وتضاعف فيها الأجور، فكنا في موسم شهر رمضان المبارك، شهر العبادات والطاعات، وما إن انقضى حتى دخل علينا موسم شهر شوال، فنود في هذه الأسطر القليلة أن نبين للقارئ شيئاً مما يتعلق بهذا الموسم من لطائف وأحكام، لينتهز الفرصة فيغتم الموسم، ويفوز برضا الله سبحانه وتعالى.

أولا : ما سبب تسميت شهر شوال بهذا الاسم ؟

قال صاحب لسان لعرب : وشَوَّالٌ من أَسماء الشهور معروف، اسم الشهر الذي يلي شهر رمضان، وهو أَول أَشهر الحج، قيل سُمِّي بتشويل لبن الإِبل، وهو تَوَلِّيه وإِدْبارُه، وكذلك حال الإِبل في اشتداد الحر وانقطاع الرُّطْب، وقال الفراء: سُمِّي بذلك لِشَوَلانِ الناقة فيه بذَنَبها .أهـ  فهو موسم التزاوج عند الإبل، ويُعرف برفع الإبل لذنبها، فيقال :شالت الناقة بذنبها: إذا رفعته .  

ثانيا: مما خص به هذا الشهر من العبادات .

أ ) زكاة الفطر .

عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ " متفق عليه .

ذكر أهل العلم أن أفضل وقت لإخراج زكاة الفطر وتوزيعها على المساكين قبل صلاة العيد، فإن انقضت صلاة العيد فقد خرج وقت إخراج الزكاة، روى أبوداود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِىَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَات . 

ب – صلاة عيد الفطر .

فمن العبادات المشروعة في شهر شوال صلاة عيد الفطر ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ- رضي الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى ، فَأَوَّلُ شَيءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ.

ج – التكبير ليلة العيد إلى بداية صلاة العيد .

في ختام شهر رمضان شرع الله لعباده أن يكبروه ، فقال تعالى : ( وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [البقرة: 185] ، وهذا التكبير سنة عند جمهور أهل العلم ، في المساجد والبيوت والأسواق، وابتداؤه من غروب الشمس ليلة العيد إذا علم دخول الشهر قبل الغروب كما لو أكمل الناس الشهر ثلاثين يوماً ، أو من ثبوت رؤية هلال شوال ، وينتهي بالصلاة يعني إذا شرع الناس في صلاة العيد انتهى وقت التكبير  .
وروى الدارقطني في سننه عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما- أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلَّى وَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِي الإِمَامُ.

د – تحريم صوم يوم عيد الفطر .

بوب البخاري في صحيحه فقال : باب صوم يوم الفطر، ثم روى حديث أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَالنَّحْرِ .

وعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَهَى عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى، أَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ، فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ لَحْمِ نُسُكِكُمْ) أخرجه أبو داود، وأحمد.

 هـ – مشروعية  صيام ستة أيام من شوال، وبيان فضلها .

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وبينه صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى جاء فيها : " (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَشَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ فَذَلِكَ تَمَامُ صِيَامِ السَّنَةِ) .

ومن الحكم التي استنبطها بعض أهل العلم في صيام الست من شوال ما ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ( ص 220 ط ابن حزم ) فقال : 
وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:
منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله ..
ومنها: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال..
ومنها: أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده..
ومنها: أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب ... فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب ..
ومنها أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيا.

و ) استحباب المبادرة إلى قضاء ما فات من رمضان .

قال تعالى : " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" [البقرة:185] ، فمن أفطر أياما من رمضان استحب له أن يبادر إلى قضاء رمضان ، لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له من أمور تحول بينه وبين القضاء، وقد قال تعالى :" وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" [آل عمران:133] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيءٍ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ ». رواه أبوداود

ز ) من العبادات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في شهر شوال العمرة، فروى أبوداود عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ عُمْرَةً فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَعُمْرَةً فِي شَوَّالٍ " 

قال ابن عبر البر – رحمه الله – في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 291) : " وفي اعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وذي القعدة أوضح الدلائل على رد قول من كره العمرة في أشهر الحج."

وقال بعض أهل العلم إنما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي القعدة، حيث روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلاَّ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ." وما ذكرته عائشة رضي الله عنها من عمرته صلى الله عليه وسلم في شوال فيحمل على أنه خرج إلى العمرة في آخر شوال وأحرم بها في أول ذي القعدة، قال القرطبي المفهم (3/367): هذِه  العمرة المنسوبة إلى شوال فهي والله أعلم عمرة الجعرانة، أحرم بها في أخريات شوال، وكملها في ذي القعدة فصدق عليها نسبة شوال وذي القعدة " 

رابعا : ما لا يصح في شوال .

أ ) من الاعتقادات التي يعتقدها البعض عدم جواز عقد الزواج في شهر شوال، وهذا يخالف ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها -  قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي شَوَّالٍ وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ فَأَيّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي. قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ.

ب ) كذلك من العبادات التي يفعلها البعض قيام ليلة عيد الفطر، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص هذه الليلة بشيء من العبادات، وما ثبت من حديث " من أحيا ليلة الفطر و ليلة الأضحى لم يمن قلبه يوم تموت القلوب " فإنه لا يصح.

والحمد لله رب العالمين

الأحد، 14 أبريل 2019

مقال: شعبان ... فضائل وأحكام


الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد..

خلقنا رب العالمين سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة وهي عبادته وتوحيده، قال تعالى : "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات:56]، وأخبرنا سبحانه أنه سيحاسبنا على هذه العبادة، فقال سبحانه في الحديث القدسي: " يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ . " رواه مسلم، لذلك كان على المسلم أن يبادر إلى العمل قبل انشغاله أو وقوع الفتن المضلة التي ستشغله، أو ذهاب عمره وانقطاع عمله، قال صلى الله عليه وسلم: " بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا أَوْ يُمْسِى مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا. " وقال صلى الله عليه وسلم: " التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيءٍ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ" رواه أبوداود.

ومن رحمة الله بعباده أن هيأ لهم مواسم تكثر فيها الطاعات، وتضاعف فيها الحسنات، وترفع فيها الدرجات، وقد حث الله عباده على اغتنامها قبل فواتها، جاء في الأثر " افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده. " 

وها هي مواسم الخير تقبل علينا، بداية من شهر شعبان والذي نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وبفعله، ويليه رمضان الذي لا يخفاكم أجره وثوابه، ثم يليه شهر شوال وفيه صيام الست، ثم يليه أشهر الحج، وأخيراً شهر الله المحرم، والصيام فيه من خير التطوع كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا أول مواسم الخير قد دخل وهو شعر شعبان، والناس عنه غافلة ، وقد نبهنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم لاغتنامه بصالح الأعمال، فعن أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ ؟ قَالَ :  ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ ، بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ "   رواه النسائي

فهو شهر يغفل الناس عنه لانشغالهم برجب الحرام وبرمضان ، وهذا فيه إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن ..قد يكون غيره أفضل منه إما مطلقاً أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم . وفيه دليل على استحباب عمارة أزمان غفلة الناس بالطاعة. 
(ينظر: لطائف المعارف لابن رجب ص 310) 

قال ابن الجوزي رحمه الله في التبصرة لابن الجوزي (2/ 47) : " واعلم أن الأوقات التي يغفل الناس عنها معظّمة القدر؛ لاشتغال الناس بالعادات والشهوات، فإذا ثابر عليها طالب الفضل دلّ على حرصه على الخير. ولهذا فُضل شهود الفجر في جماعة لغفلة كثير من الناس عن ذلك الوقت، وفُضل ما بين العشاءين وفُضل قيام نصف الليل ووقت السحر" 

وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يرفع عمله إلى الله وهو صائم ، كما ورد ذلك في قوله (وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ )، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس لأنها أيام تعرض فيها الأعمال على الله سبحانه وتعالى، فروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ " تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ " 

ثم بين لنا صلى الله عليه وسلم كيفية الاستفادة من هذا الشهر – شهر شعبان – وذلك بالصوم فقد روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال " وكان أحب الصوم إليه في شعبان " وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ  " ، فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على استحباب الصيام في شهر شعبان لمن قدر على ذلك، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في لطائف المعارف ص 306: " وقد رجح طائفة من العلماء – منهم ابن المبارك وغيره- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره"

ولشهر شعبان جملة من الأحكام لا بد من مراعاتها والتنبه لها منها:

الأول : استحباب الإكثار من الصيام في شهر شعبان، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: " لَمْ أَرَهُ – صلى الله عليه وسلم - صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً " رواه مسلم. والصيام من أعظم العبادات أجراً، ويكفيك أخي المسلم هذا الحديث النبوي العظيم المبين لعظيم أجر الصائم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – " قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِى بِهِ . وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ . وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ."

الثاني : من كان عليه شيء من قضاء رمضان الماضي وجب عليه قضاؤه، ولا يجوز له تأخيره إلى ما بعد رمضان، لقول الله تبارك وتعالى : " وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" [البقرة:185]، وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِى سَلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ كَانَ يَكُونُ عَلَيّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ، الشُّغُلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-" 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري لابن حجر (4/ 191): " وَيُؤْخَذُ مِنْ حِرْصِهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ آخَرُ. "

الثالث : من أحكام شهر شعبان ، قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان" ولا تعارض بينه وبين قول عائشة رضي الله عنها " فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ " " فالمراد النهي عن ابتداء الصوم بعد النصف ، أما من صام أكثر الشهر أو الشهر كله فقد أصاب السنة ". 

الرابع: النهي عن صيام آخر يومين من شعبان على سبيل الاحتياط لدخول رمضان، فروى مسلم عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : "لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" فدل الحديث على النهي عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، إلا لمن كانت له عادة صيام أو قضاء فإنه يصوم تلكم الأيام.

فيجب على من لم ير الهلال ولم يسمع إعلان الدولة لدخول رمضان أن يكمل شعبان ثلاثين يوما ثم يصوم رمضان، لقوله صلى الله عليه وسلم: " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ" متفق عليه

وروى الترمذي عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِىَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَقَالَ: كُلُوا. فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ عَمَّارٌ مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِى يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وجاء في المصنف لابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٣ ـ ٣٢٤) رقم: (٩٥٠٢). مزيد بيان للقصة وأنها وقعت في اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أم لا، وفيها: " إِنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَنَاسًا مَعَهُ أَتَوْهُمْ بِمَسْلُوخَةٍ مَشْوِيَّةٍ فِي الْيَوْمِ الْذِي يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ رَمَضَانُ أَوْ لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاجْتَمَعُوا وَاعْتَزَلَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: «تَعَالَ فَكُلْ»، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: «إِنْ كُنْتَ تُؤمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ فَتَعَالَ فَكُلْ..."

وقال الترمذي : " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذى يُشك فيه، ورأى أكثرهم إن صامه فكان من شهر رمضان أن يقضى يوما مكانه. " 

وأما ما يتعلق بالنصف من شعبان فقد ورد فيه حديث " إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ" رواه ابن ماجه، وقد اختلف أهل الحديث في صحة الحديث، وعلى القول بصحته فإنه يثبت فضيلة لهذه الليلة بهذه الصفة وهي مغفرة الله لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، ولا يجوز تخصيص هذه الليلة بفضائل أخرى لم يثبت بها دليل صحيح، وذلك لأن باب الفضائل توقيفي لا يقال فيه إلا بالنص والدليل.

و السلف رحمهم الله لم يعظموا هذه الليلة بشيء، إذ ورد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو من أتباع التابعين أنه قال : " لم أدرك أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحدا منهم يذكر حديث مكحول (الحديث السابق) ولا يرى لها فضلا على سواها من الليالي " رواه ابن وضاح في البدع، والطرطوشي في الحوداث والبدع .

وقال القرطبي في تفسيره (16/128) : " وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليه" 

ومما أحدثه الناس في ليلة النصف من شعبان ما يسمى بصلاة الرغائب وصلاة النصف من شعبان وصلاة الألفية، قال عنها النووي رحمه الله في المجموع (4/56): " وهاتان الصلاتان بدعتان، مذمومتان منكرتان قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قتوت القلوب والإحياء" 

وقال ابن القيم رحمه الله في المنار المنيف ص 98 : " ومن الأحاديث الموضوعة أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان ... والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها " 

ومما أحدثه الناس كذلك إطلاق حملة قبل ليلة النصف من شعبان عبر وسائل التواصل الاجتماعي لطلب المسامحة، فيرسلون لبعضهم البعض: سامحني أسامحك.

وطلب المسامحة ومسامحة الناس والعفو عنهم محمود شرعاً، ولكن ليست هذه طريقته، بل المطلوب الاعتذار من الخطأ، والتواصل إن وُجد هجران، أما إطلاق هذا الشعار مقروناً بليلة النصف من شعبان فهو من البدع الإضافية التي لم يفعلها السلف رحمهم الله مع انتشار الحديث بينهم ومعرفتهم به، فتركها متعين. 

وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.

الأربعاء، 13 فبراير 2019

مقال: يا بني احذر الفكر الإلحادي

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد ...

أعظم نعمة يُرزقها العبد معرفته ربه، والإيمان به، وأداء الحقوق الخاصة به، وفي المقابل فإنّ أعظم خسارة تلحقه جهله بربه وبما يجب له من الواجبات والحقوق .

ومعرفة العبد ربه وخالقه يسيرة وسهلة، فإن الفطرة والعقل والحس السليم كلها دالة على وجود الله سبحانه وتعالى، وعلى أنه متفرد بالخلق وبتدبير شؤون العالم العلوي والسفلي، وأن الخلق على اختلاف أجناسهم وأنواعهم محتاجون له وهو غني عنهم، فلا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

فلا يشك في وجود الله وفي قدرته إلا من انحرفت فطرته وعميت بصيرته ولو كان صحيح البصر، فما من شيء في هذا العالم إلا وفيه دليل على وجود خالق مستكمل الصفات، قادر قوي لا يغلبه شيء، عالم حكيم خبير بكل شيء.

ولأنه أمر معلوم لدى كل أحد استنكرت الرسل والأنبياء التشكيك فيه، قال تعالى : " قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ" [إبراهيم:10]

ولكن للأسف وُجد عبر التاريخ وحتى في زماننا هذا ومن المتعلمين، بل بعضهم ممن يشار إليهم بلقب العالم والبروفسور من أنكر وجود الخالق جملة وتفصيلا، ومنهم من شكك في وجوده، وظهر ما يسمى بالفكر الإلحادي.

فعلى الرغم من علمهم التجريبي البحت إلا أن الشبهات والشهوات غطت على قلوبهم فصاروا يرون الباطل حقاً، والحق باطلاً، ثم عمدوا إلى نظريات اختلقوها من عند أنفسهم ليبرهنوا على عدم وجود خالق قادر لهذا الكون، وبالتالي يطعنون في الدين وفي تعبد الناس لربهم.

وقد تأثر بهم وللأسف بعض المسلمين ممن نطق بالشهادتين وصلى وصام ، ولكن لم يعرف ربه حق المعرفة، ولم يؤمن به الإيمان الذي يقوي قلبه أمام عواصف الفتن، كما قال صلى الله عليه وسلم: " بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا أَوْ يُمْسِى مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا "  رواه مسلم.

ولذلك أوجه هذه النصائح لأبنائي وإخواني حتى لا يتأثروا بالفكر الإلحادي، فأقول :

يا بني احذر الإلحاد :فإن العالمين منذ أن خلقهم الله وإلى عهد عيسى عليه السلام كلهم يقر بوجود خالق مدبر لهذا الكون، وإنما الخلاف مع رسلهم كان في إفراد الله بالعبودية وحده دون سواه، ولم يخالف في هذا الإيمان إلا النمرود وفرعون، إذ ادعى كل منهما أنه رب العالمين.

فهل كان باطلاً إيمان الخَليقةِ بوجودِ إله خالق مدبر لهذا الكون، وتواتر ذلك على مر الأزمان وتعاقب الدهور، وإنكار النمرود وفرعون كان حقاً ؟!

يا بني احذر الإلحاد: فإن عصور الفلاسفة ومدعي تحكيم العقول خلت من الفكر الإلحادي، فقد أثبت المؤرخون خلو العصر اليوناني والروماني والعصور الوسطى وعصر النهضة والإصلاح حتى منتصف القرن السابع عشر من تبني الفكر الإلحادي، ولم يظهر هذا الفكر الشاذ إلا في منتصف القرن السابع والقرن الثامن عشر الميلادي وهو ما يسمى بعصر التنوير، حيث ظهر الفكر الإلحادي وظهر من يتبناه من الفلاسفة ولكن بصورة ضعيفة وعلى مستوى ضيق، إذ بقي هذا الفكر الشاذ منحصراً في عقول بعض المثقفين والفلاسفة ولم ينتشر إلا في القرن التاسع عشر. 

فهذا كله يدلك على إجماع الخَليقةِ على وجودِ إلهٍ خالقٍ مدبرٍ لهذا الكون، وأنه ما خالفَ في ذلك إلا أهلُ الشذوذ، فلا تكن منهم . 

يا بني احذر الإلحاد: فالملحد يتعامل مع نفسه ومع الآخرين وفق هواه وشهواته؛ لأنه لا يؤمن بدين وشرع يحكمه، وما يذكرونه من الخير والشر، والصواب والخطأ راجع إلى ميولهم واتجاهاتهم، فما يحبونه ولو كان محرماً في جميع الشرائع يعتبر من الخير والصواب، وما يكرهونه ولو كان مباحاً في جميع الشرائع فهو الشر والخطأ.

فالملحد يفتقر للأساس الذي ينطلق منه في أخلاقه وتعاملاته مع الآخرين في هذه الحياة، ولذلك يقول بعض منظري الإلحاد : " إذا لم يكن الإله موجوداً فكل شيءٍ مباح ".

فخطر الملحد على نفسه وعائلته ومجتمعه ودولته كبير جداً، إذ تجده متمرداً على الجميع حتى على قوانين بلده بحجة الحرية التي يطلبها.

يا بني احذر الإلحاد: فالفكر الإلحادي لا يقدم للنفس البشرية العلم الذي يروي ظمأها، أو يشبع جوعها لمعرفة أهم الأسئلة التي لا استقرار لهذه النفس إلا بالعلم بإجاباتها على وجه اليقين لا الشك، فكيف بالذي يجهل الجواب تماما.

الفكر الإلحادي لا يملك الجواب عن سؤال من خلقك ؟

ولا عن سؤال من خلق الكون ؟

ولا عن سؤال الغاية من الخلق ؟

وهذا الأمر يُوجِدُ خواء روحياً في النفس البشرية يفضي بها إلى السير في هذا العالم بلا هدف ولا غاية، مما قد يشعر الفرد بالإحباط والإصابة بالاضطرابات والاكتئاب والشعور بالحزن الذي قد يفضي به إلى انهاء حياته بالانتحار .

فأي سعادة حصلها من هذا الفكر  ؟

يا بني احذر من الإلحاد: فالفكر الإلحادي يتعارض مع الفطرة التي خُلق عليها الناس من وجود إله تتقرب إليه وتعبده .

يتعارض مع القواعد العقلية التي يتفق عليها العقلاء من أن لكل حادث محدث، ولكل فعل فاعل.

يتعارض مع ما أثبتته الفطرة والعقل والحس والعلم التجريبي من وجود خالق لهذا الكون متصف بصفات الكمال والعلم والحكمة، مستحق للعبادة وحده دون سواه.

ثم ترى الملحد يتمسك بنظريات غربية لا يزال الخلاف محتدماً بين علمائهم في إثباتها أو إنكارها.

والعجيب أن الكثير من الملاحدة سلبي في سبب إلحاده وعدم إيمانه، فيقولون بلا مبالاة مبررين موقفهم: بأنهم غير مقتنعين بأدلة وجود الله تعالى ، دون أن يقدموا أي دليل ولو كان هشاً على فكرهم .

 يا بني احذر الإلحاد: فإن من أسبابه الصورة المشوهة للإسلام، فالأعداء نجحوا في تشويه صورة الإسلام بتمويل جماعات متطرفة كالقاعدة وداعش، منطلقين من مبدأ ( هدم الأصل بذات الأصل) فاستعملت هذه الجماعات المستأجرة الدين لتشويه سماحة الإسلام ويسره ومحاسنه، وذلك باستخدامهم خطاباً منسوباً للدين -  والدين منه براء- صفته التشدد والغلو، ونتيجته الإرهاب والقتل، مما أدى إلى كراهة البعض للإسلام، واعتباره دين قتل وعدوان ووحشية، فرموه وراء ظهورهم وانتهجوا الإلحاد فكراً نتيجة ذلك .

وقد تناسى هؤلاء أن عدد قتلى الحرب العالمية الأولى تجاوز 37 مليون نسمة، وعدد القتلى في الحرب العالمية الثانية ما بين 50 إلى 70 مليون نسمة، وهي حرب لا صلة لها بالتدين ولا بالإسلام.

فأيهما أولى بالكراهية والبراءة ؟ 

يا بني احذر الإلحاد: فإن من أسبابه استعمال العقل فيما لا يحسنه ويطيقه بدعوى العقلانية والتحرر من التقليد ونقد الموروث، فبدأ  بالبحث في حِكم التشريع الإلهي، وفي أفعال الله تعالى، وفي الأمور الغيبية، حتى وصل إلى درجة اتهام الله سبحانه وتعالى – تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا- بالظلم وعدم العدل والرحمة والعجز  وعدم القدرة.

في حين أن نظرهم العقلي قاصر؛ لأنه يقوم على المعطيات التي يُتعرف عليها ببقية الحواس القاصرة، فيكون حكمه قاصرا من أساسه.

كما أنك تعجب من عقول أصحاب الفكر الإلحادي الذين يدعون العقلانية، وأنهم لا يؤمنون إلا بما دلّ عليه الحس والعلم التجريبي، ثم تراهم يؤمنون بنظريات وفرضيات دل العلم على نقضها أو التشكيك فيها.

ومن ذلك نظرية داروين التي وضعها تشارلز داروين التي تؤصل لمبدأ خلق الكائنات الحية على وجه الأرض من خلية واحدة تطورت عبر ملايين السنين لتكون هي أساس تطور الكائنات الحية، في حين أن داروين ومن اعتقد نظريته إلى غاية اليوم لم يقدموا دليلاً علمياً تجريبياً صحيحاً سالماً من النقد على هذه النظرية، ولم يثبت عبر التاريخ أنّ العلماء وجدوا أثراً لما يسمى بالتطور الكبير، عوضاً عن إثبات تطور القرد إلى إنسان، في حين أن العلم الحديث التجريبي وبعد اكتشاف الحمض النووي في الكائنات الحية  يثبت استحالة التزاوج بين نوعين مختلفين يحملان حمضاً نووياً مختلفاً، لا بالطريقة الطبيعية ولا المخبرية، ومع ذلك يدافع عن هذه النظرية أرباب الفكر الإلحادي.

ومثلها نظرية الأكوان المتعددة القائمة على فرضية أنّ الكون قد أصابه تضخم عند ما يسمى بالانفجار العظيم حتى أصبح كفقاعة الصابون، وهذه الفقاعة انفجرت إلى فقاعات، وهكذا إلى ما لا نهاية،  وبناء على ذلك توجد أكوان غير الكون الذي نعيش فيه، وللإنسان على وجه الأرض نسخة أخرى في كل كون من هذه الأكوان، وكل نسخة تختلف عن الأخرى .

فعلى الرغم من الخيال الذي بنيت عليه هذه النظرية إلا أنّ الملاحدة يؤمنون بها مع اعتقادهم باستحالة إثباتها علميا.

 أخي القارئ : إن سعادة النفس واطمئنانها وراحتها في معرفتها لخالقها والإيمان به، واتباع شرعه، والإيمان برسوله.

 ويكفيك أخي المسلم للدلالة على بطلان الفكر الإلحادي النظر في خلق نفسك وخلق السموات والأرض من حولك، فإنها دالة على وجود إله متصف بصفات الكمال، مستحق للعبادة دون سواه .

يكفيك أخي المسلم أن تنظر في كتاب الله المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة وقد حفظه الله من التغيير والتحريف والتبديل، ليدلك على وجود إله مستحق للعبادة .

وعليك باللجوء إلى الله سبحانه وتعالى لطلب الهداية والثبات عليها حتى تلقاه.

فاللهم اهدنا الصراط المستقيم .

والحمد لله رب العالمين